ربيعة حسن هارون ،
ربيعة حسن هارون ،

 لا تسافر يا حلم الأخيلة المهترئة ووجه المدينة الأنيق، يباغتنا مواء المسافات، يملأ أشرع كلماتنا، فيرحل زمنٌ جميلٌ، فيرحل يرحل يرحل..

 استأذن الرحيل بأدب أنيق دون مباغتة، مختارٌ له أرض تعشق النبلاء والعصيون عن الرياء والكذب والنفاق، هم الشعراء. يغوصون كثيراً في القاع الإنسانية يناوشون الأحزان مشكلين لها إيقاعاً قُرمزياً يراقص الشمس تارةً وشرائط أعياد الميلاد تارة أخرى، مشرعين النوافذ على هذا العالم، يبعثرون ما شاؤوا في الفضاء، مانحين ذاك العصفور الصغير صوتاً وريشاً ليحلِّق فوق الأرواح الجميلة، مشكلاً لوناً للحياة.. يا شاعري العتيق، لا تُغصب الأزهار الصغيرة على الطوفان، للبحر ثأر وقربان وللقلب وجه جميل وصوت جميلٌ وبيت جميل وحلمٌ جميل.. يا صديقي النبيل كل الطغاة دُميً، ربما حسب الصنم، الدمية المستبدة، وهو يعلق أوسمة الموت فوق صدور الرجال أنه بطلاً ما يزال.

ومدائنك الغناء يا صديقي تهمس بترنيمةٍ عتيقةٍ وأجراس مهراجٍ مزركش وصهيل أشعار الشمس، للشوارع الحزينة والكتابات والرسومات والأبواب ووجه النهر المتجعِّد وإيقاع نساءٍ مبتور ورماد شرنقة زرقاء تبحث عن الحياة.

ولد محمد مفتاح رجب الفيتورى، في 24 نوفمبر عام 1936م في مدينة الجنينة بولاية غرب دارفور. نشأ في مدينة الإسكندرية بمصر وتخرج في كلية العلوم بالأزهر الشريف. عمل الفيتوري محرراً أدبياً بالصحف المصرية والسودانية.

تعد أفريقيا مسرحاً أساسياً في نصوصه الشعرية، شكلت فيه محنة الإنسان الأفريقي وصراعه ضد الرّق والإستعمار ونضاله التحرري أهم الموضوعات التي تناولتها قصائده، وألَّف عدة دواوين في هذا المضمار منها ديوان «أغاني أفريقيا» الصادر في عام 1955، و «عاشق من أفريقيا» وصدر في عام 1964م ، و«اذكريني يا أفريقيا» ونشر في عام 1965 ، وديوان «أحزان أفريقيا» والصادر في عام 1966، حتى أصبح الفيتوري صوتَ أفريقيا وشاعرها. يقول في إحدى إفريقياته:

جبهة العبد ونعل السـيد

وأنين الأسود المضطهد

تلك مأساة قرون غبرت

لم أعد أقبلها لم أعــد

وكتب الفيتوري أيضاً عن الحرية والإنعتاق ومناهضة القيود والإستبداد والإعتزاز بالوطن منذ بداياته الشعرية ففي قصيدة أصبح الصبح:

أصبح الصبح ولا السجن فلا السجن ولا السجان باق

وإذا الفجر جناحان يرفَّان عليك

وإذا الحسن الذي كحَّل هاتيك المآقي

التقى جيل البطولات بجيل التضحيات

التقى كل شهيد قهر الظلم ومات

بشهيد لم يزل يبذر في الأرض بذور الذكريات

أبدا ما هنت يا سوداننا يوماً علينا

بالذي اصبح شمساً في يدينا

وغناءً عاطراً تعدو به الريح، فتختال الهوينى

24 أبريل 2015م أغمض صديقنا الشاعر عينيه هادئاً مبتسماً عن عمر جميل ناهز الثمانين عاماً ناوشت الأوراق البيضاء والأقلام والأحلام والكلمات والأحزان والفرح والأركان القصيَّة أحيانا والمساحات المعدومة، فكان الشعر والنثر البديع.

وَسِّدْ الآنَ رَأْسَكَ فَوْقَ التُّرَابِ المقدَّس وَاركَعْ طويلاً لَدَى حَافَةِ النَّهْرِ ثَمَّةَ من سَكَنَتْ رُوحُهُ شَجَرَا…الكلمة الحق لن تموت والأرض لن تموت والشرفاء باقون على سنن أقلام التأريخ..

أسمح لنا سيدي، أسمح فقط أن نعلق تأريخك رزنامة على مسام الجدار التي تحضن إنفعالاتنا (الحزن،الفرح،الغضب)، ليدركنا التفاؤل والحب والأمل والغد الذي نحلم.. فالشعر فينا باقيٌ والحب فينا باقيٌ..  الفيتوري شعرٌ ونثرٌ قابعٌ متربِّصٌ الذاكرةَ.. شكراً لك على هذا الثراء البديع.

“ها أنا ذا أقول

لو ركضتُ عارياً فهذا قدري

ولو مشيتُ فوق جسرٍ من خطاياي

فهذا قدري

صوتي صوت زمني

وجهي وجه قدري

فلا عجبْ

وُلِدْتُ فوق عتبات الصمت والغضب

أنا تمرُّد التعب

أنا تجسّد الذهول

ها أنذا أقول..”.

لا أخشى أن أغادر.. ولكن أخشى أن تغمض عيناي دون أن أنظمكم أبياتاً للحياة.

سلام

————

ربيعة حسن هارون

الفيتوري ينتحب رماد العنقاء .. غربت شمسُكِ يا أوطان الشعرhttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2015/05/fai-300x169.pnghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2015/05/fai-95x95.pngالطريقثقافة وفنونثقافة لا تسافر يا حلم الأخيلة المهترئة ووجه المدينة الأنيق، يباغتنا مواء المسافات، يملأ أشرع كلماتنا، فيرحل زمنٌ جميلٌ، فيرحل يرحل يرحل..  استأذن الرحيل بأدب أنيق دون مباغتة، مختارٌ له أرض تعشق النبلاء والعصيون عن الرياء والكذب والنفاق، هم الشعراء. يغوصون كثيراً في القاع الإنسانية يناوشون الأحزان مشكلين لها إيقاعاً قُرمزياً...صحيفة اخبارية سودانية