من خرج من كوبر بعد مسرحية اعتقاله من انقلاب هو مخططه هل يمكن لنا ان نصدقه؟

عودة الترابى لحظيرة النظام او اعادة النظام لحظيرته هل هو الفصل الاخيرمن مسرحية الانقاذ

اول مسرحية فى التاريخ يكتبها البطل الشيخ من خلال  الدور الذى أدّاه بدون مؤلف ومخرج

ما دمت ياشيخنا  تؤمن بقومية  الحل فلماذا خططت لانقلاب لتنفرد بحل قضية الجنوب مما ادى لانفصاله

هل انت على استعداد للتراجع عن الدعوة لاسلمة الحكم طالما المصلحة القومية تقتضى ذلك

خروجا عن المالوف وعن ما عهدت تناوله فى المقالات السابقة  اتناول فى هذه المقالة شخصية قيادية مميزة هى واحدة من ثلاثة شخصيات كانوا الاميز فى العمل السياسى فى السودان فى نصف القرن الاخير وهم  الشهيدين عبدالخالق محجوب  والشريف حسين الهندى –يرحمهم الله-   والدكتور حسن الترابى اطال الله عمره ومتعه بالصحة والعافية والاخير  بلا شك اصبح الاكثر تاثيرا فى الحركة السياسية. ذلك لان الشهيد عبدالخالق كان قد غادر دنيانا الفانية عام 1971 .

كما ان الشريف حسين الهندى –  استشهد وهو يقود النضال من الخارج ضد انقلاب مايو عام 1982 ليخلو الجو بعد رحيلهما للدكتور حسن الترابى  ليلعب الدور الاساسى فى الحركة السياسية بعد ان انفرد بالساحة تماما.

ففيما كان الشهيد الاول عبدالخالق زعيما للحزب الشيوعى فى مواجهة زعامة الدكتور الترابى للحركة الاسلامية وفى موقفين متناقضين يستحيل التعايش بينهما او ان يستقر الوطن تحت ظلهما  قبل ان ترجح كفة الترابى  للظروف القاسية التى واجهها الحزب الشيوعى  بعد تصفية قيادته الا  والحق يقال   لو طال العمر بالشريف حسين الهندى والذى كان يومها يمثل تيار الوسط والاكثر شعبية  لكان الشريف وبما له من حنكة وقيادة لاقوى حزب عرفه السودان لكان قد كتب نهاية  لكل من اليسار واليمين المتطرفين ولكفى السودان شر ما لحق به بسبب التناحر والتناقض بينهما ولكن برحيله انفرد الدكتور الترابى بالساحة السياسية ليصبح اكبر صانع لاحداثها حتى اليوم.

الا ان اهم ما يميز شيخ الترابى على رفيقيه ان التاريخ لم يشهد ليس على مستوى السودان بل مستوى العالم  ممثلا مبدعا  يلعب دور البطولة فى مسرحية لم يكتبها مؤلف ولم يخرجها مخرج قررت مصير بلد و ما كانت لتكتشف  لولا ان احداث هذه المسرحية تداعت من خلال ادائه لدورالبطولة باتقان يعجز عنه اكبر مؤلفى ومخرجى وممثلى العالم و دون نص كتبه مؤلف   او اخرجه مخرج .ليكون هو المؤلف والبطل و فى سرية تامة حتى من اقرب المقربين اليه.

عفوا اذا قلت لكم اننى استدعيت قدراتى فى الكتابة المسرحية لأجمع هذا النص غير المكتوب  وغير المعروف إلا فى ذهن بطله بعد ان كشف البطل نفسه عن اخر مشاهد دوره فى المسرحية واعترف بأن رصد هذه المسرحية التى بلغت نهايتها  لم تكن  بالمهمة السهلة. ولا اجزم ان كان خيالى  قد اصاب ام اخفق  فى رصد مشاهد هذه المسرحية من خلال مواقف البطل، لكن وقبل ان أغوص فى تفاصيل هذه المسرحية  -كما اراها- لابد من وقفة مع بعض الاحداث التاريخية التى تكشف عن حنكة بطل هذه المسرحية مما يستدعى ان نقف مع البطل  الدكتور الترابى مرشد وزعيم وشيخ الحركة الاسلامية ومنظرها الذى لا يعلى عليه والذى بلغ هذه المرحلة من القيادة بعد ان عرف كيف يزيح من طريقه قيادات كانت اسبق  منه فى الحركة الاسلامية ولعل الدكتور جعفر شيخ ادريس يقف على رأس هؤلاء.

 اعلم بالطبع ان هناك من يتساءل كيف عرفت ان المسرحية بلغت نهايتها ليصبح نصها مباحا لمن يجتهد فيه وهوسؤال مشروع.

والحقيقة ان البطل نفسه هو الذى اعلن عن المشهد الاخير من المسرحية التى ظلت لغزا منذ انقلاب  الثلاثين من يونيو89، يوم دخل البطل حبيسا فى كوبر ضمن القيادات السياسية للاحزاب التى استهدفها الانقلاب، فى اول مشهد من المسرحية.

فالبطل الذى فاجأ قوى الدفاع الوطنى  المعارضة للانقلاب بالانسحاب  فى  هذا التوقيت من عام 2014  بذكاء منه او لغفلة من قوى الاجماع الوطنى اذ لم يكن انضمامه من البداية لهذه القوى يخرج عن دور البطولة الذى لعبه فى تكتم شديد حتى من اقرب الاقربين حتى لا ينفضح امره.

فلقد اعلن البطل  انسحابه  وردد اعلامه اكثر من مرة فى الايام الماضية مبررات الانسحاب  بأنه يقبل الحوار مع النظام دون اى شروط بينما تصر قوى الاجماع على الحوار المشروط وبهذا كشفت البطل عن بلوغ  الدور الذى يلعبه البطل اخر مشاهد المسرحية  ومرجعيتى على هذا الفهم ما صدر على لسان الشيخ الترابى شخصيا من احاديث وتصريحات  لتبرير موقفه الجديد  حيث قال ما يلى:

1-            القضية اصبحت  قومية  لا يمكن حلحلة  الخلافات والازمات الموجودة ببعض الولايات إلا  فى الاطار القومى. (اى يعنى انها لا يمكن حلها فى وعاء الانقاذ وحده وان الانقاذ بحاجة للاخرين للمشاركة فى حلها وان الاخرين عليهم ان يغلبواهذا على اى قضايا اخرى)

2-            ثم قال ثانيا انه يريد معالجة الخلاف مع حزب البشير وان حزبه  على استعداد للحوارمع المؤتمر الوطنى دون شروط وان نعالج خلافاتنا بالتى هى احسن (اعلان واضح منه بصرف النظر عن شعار اسقاط النظام الذى كان يروج له ممثلوه و يصرون عليه فى قوى الدفاع الوطنى حتى قبل ساعات من تصريحاته –ا لسيد كمال عمر نموذجا).

3-            ثالثا وفى  لقاء  له مع سفراء الاتحاد الاوربى تحدث لهم عن تعثر قضايا دارفور والنيل الازرق وجنوب كردفان وانها لن تحل الا فى الاطار القومى. (وهنا يكشف الشيخ ان قضايا هذه المناطق هى التى املت عليه اعلان نهاية دور البطولة حتى يتصدى لهذه القضية فى العلن ومن داخل النظام الذى لم يفارقه الا بما املاه عليه دورالبطولة الذى لم يعدبحاجة اليه بالرغم من الكثيرمن الماخذ التى رصدها على  بعض رفقاء دربه فى ادارتهم للنظام   )

والسؤال  الذى يفرض نفسه والذى تؤكد الاجابة عليه انه اعلان  من البطل للمشهد الاخير من المسرحية  حيث انه بهذا المشهد يعلن عودته رسميا لعباءة الانقلاب التى خلعها حسب مقتضيات دوره البطولى يوم افتعل الخلاف مع السلطة التى جاء بها فى عام 89:

فهل حتمية حل قضايا هذه المناطق فى اطارقومى لم تتضح للبطل إلا بعد كل هذه السنوات وبعد ان انفصل الجنوب ام انه كان يحسب الجنوب ليس واحدا من هذه المناطق التى لن تحل الا فى اطار قومى حيث كان يتعين عليه ان يسلك  وان يدعو لهذا المنهج قبل انفصال الجنوب، ( حتى نتفهم دعوته هذه ولماذا تخلى عن هذا النهج القومى  يوم كان يقودالنظام بالاشارة)  خاصة وانه  يتمتع  بالحنكة والذكاء فما الذى غيب عنه هذه الدعوة  ولم يكشف عن هذا الحل إلا اليوم مع انها كانت واضحة وباينة منذ ان اتسعت حرب الجنوب وطالت هذه المناطق الاخرى التى حددها فى حديثه لسفراء اوربا  فهل تعمد تجاهل هذه الدعوة لانه كان يتوهم ان قضايا هذه المناطق ستحل تلقائيا بانفصال الجنوب فكانت هذه المفاجأة التى لم يتحسب لها  الامر الذى اجبره لان يتخلى عن دورالبطولة وليدخل الملعب رسميا بحثا عن مخرج لها مع ان القوى السياسية ظلت  منذ انطلاقة حكم الانقاذ ترفض ان ينفرد النظام بحل هذه القضايا  وتردد انه لابد من حل هذه القضايا فى اطار قومى فلماذا لم يتجاوب مع هذه الدعوة وهو من صناع القرار ولماذا انتظركل هذه المدة  ولم يدعو للحلول فى اطار قومى حتى انفصل الجنوب فماهو الجديد اليوم الذى املى على البطل ان  يغير موقفه ؟ هل لانه ادرك ان القضية لم تعد الجنوب وحده وان البلد كله فى طريق التمذق وان انفصال الجنوب لم يحسم امرهذه المناطق كما راهن  بل زادها تعقيداوخطورة.مما اخل بما خطط له واجبره  ان يضع نهاية لهذه المسرحية لينقذ ما يمكن انقاذه  سواء من تهديدات الوطن بالتمذق او ما يواجهه النظام من ازمات استعصى حلها  تتهدد البلد بانفلات عام لا يملك احد ان يتكهن بعواقبه.

من هنا كانت قناعتى ان البطل بهذا الموقف اختار التوقيت المناسب  ليعلن نهاية دوره فى بطولة المسرحية  لانه لم يعد بحاجة  لان الموقف يحتاجه فى الملعب مباشرة لخطورته  فأختار هذا  المبرر لفراق  قوى الاجماع حتى يعود لمكانه الطبيعى فى حظيرة النظام بل قائدا سياسيا له فى هذه المرحلة فكان ان اعلن رفضه   ان تكون هناك اى شروط للتفاوض بينما تصر القوى التى كان حليفا لها يوم كان يؤدى دور البطل  ليعلن   انسحابه  بنهاية الدور الذى استنفذ اغراضه ولم يعد بحاجة اليه.

ولعل  اهم ما  تكشف عنه حنكة الشيخ وخبرته وذكائه انه لم يشرك اى من شركائه فى قيادة الحركة الاسلامية  فى هذه المسرحية حتى يضمن اداء الدور وفق ما يخطط له حتى لا ينكشف امره فيفشل فى اداءدوره كما ان  انفراده بهذا الدور  يمكنه من  ان يتعرف على حقيقة رفاقه ومواقفهم  بين متطلع فى شخصه لسلطة وبين من هو جاد فى تحقيق الاهداف العامةلدعوته  وقد تحقق له بالفعل ذلك بسبب  هذا الكتمان الحديدى على دور البطولة الذى لعبه بحنكة وجدارة  والذى يؤدى  لفرز الكيمان بين من التزموا بطرح التنظيم  وبين من ساقتهم  تطلعاتهم الشصية بعيدا عنه لهذا فهو الان يمتلك خارطة طريق لا لبس فيها تساعده فى لم شتات الحركة التى تمذقت جماعات واضاد.

 ولكن وقبل ان اخوض بالتفصيل حول تفاصيل هذه المسرحية لابد من الوقوف عند بعض المحطات الهامة للشيخ الترابى فى مسيرته السياسية.

1-            لقد شهد عام 1964 مولد زعامة الشيخ وقيادته للحركة الاسلامية وكان ذلك عندما لمع نجمه قبل ثورة اكتوبر 64 بايام عندما فتح النيران على دكتاتورية نوفمير فى ندوة سياسية  بميدان  جامعة الخرطوم حث فيها الطلاب للثورة عليها والتى انطلقت صدفة بعد ايام من الندوة  مما جعل اسمه يلمع باسم الثورة الا انه ورغم ما تمتع به من صيت بسبب هذه الندوة الا انه حتى ذلك الوقت لم يشكل قوة مؤثرة فى الساحة السيسية .

 لحظتها ادرك  الشيخ خطورة  الحركة النقابية التى يهيمن عليها الحزب الشيوعى وادرك الدور الذى يمكن ان يلعبه الحزب فى الثورات على الانقلابات  فعمل على التخطيط لاختراق الحركة النقابية بعد ان نجحت الحركة الاسلامية اختراق الحركة الطلابية واصبح ندا بل اكثر قوة من اليسار فى اتحاد طلاب جامعة الخرطوم  لهذا عرف كيف يبنى استراتيجيته ويخطط للحركة الاسلامية :

أ- ان يكون للحركة الاسلامية دورا مؤثرا فى انتفاضة ابريل وان يهيمن على بعض مفاصلها الهامة.

ب – اهم الدروس التى استوعبها  كيف انه نجح بعدانقلاب 89 ان يصفى الحركة النقابية حتى يضعف قواها كقوة مؤثرة فى التغيير ساعده على ذلك انه  اصبح رقما مؤثرا فى نظام النميرى الذى انفرد بسلطة الانقلاب رئيسا للجمهرية حيث اصبح هو واحدا من وزرائه بعد المصالحة ومساعادا  لرئيس الجمهورية حيث شهدت هذه الفترة كتابة نهاية  نقابة السكة حديد واتحاد العمال  والمزارعين كما امكن له اختراق بعض النقابات المهنية مثل نقابة الاطباء  والمحامين وهى ذات الفترة التى شهدت تصفية اخطر المفكرين الاسلاميين المناوئين للحركة الاسلامية التى يتزعمها الشيخ حيث اعدم الشهيد محمود محمد طه.

3- نجح الشيخ  فى فترة الديمقراطية الثانية وقبل ان (يتمكن) بمصالحته انقلاب مايو نجح فى  ان يدفع بالاحزاب السياسية التى تضاعفت مخاوفها من الحزب الشيوعى وهيمته على الحركة النقابية والاتحادات المهنية  وتهديدها لسلطتها فنجح فى ان تتبنى هذه الاحزاب  الدعوة للدستور الاسلامى واستغلال قضية  شوقى الشهيرة  فاقدموا على حل الحزب الشيوعى وطرد نوابه من البرلمان ليكون هذا الحدث سببا فى تورط بعض قيادات الحزب الشيوعى فى اتقلاب مايو 69  والذى ترتب عليه تصفية قيادات الحزب الشيوعى بعد انقلاب 19 يوليو 71 مما اضعف نفوذ الحزب تماما ولم يعد له وجودا مؤثرا فى الساحة السياسية مما مكن الشيخ الترابى من ان يحكم قبضته على نظام النميرى بعد مصالحة 1977والتى مكنته من ان يدفع بتوجهات النميرى الاسلامية واصدار قوانين سبتمبر الاسلامية ولكن اهم من هذا كله ان الشيخ  بعد ان اصبح  نافذا فى سلطة مايو فلقد امكن له اختراق القوات المسلحة  بعد ان ادرك اهميتها فى اللعبة السياسية.

5- ولعل اهم ما نجح فيه  بعد ان اصبح قوى مؤثرة فى الساحة السياسية انه:

أ-  نجح فى ان يحكم قبضته السياسية على انتفاضة ابريل  حيث نجح فى ان ياتى على راس الحكومة المؤقتة قائدا عسكريا من المتعاطفين مع الحركة وان ياتى برئيس لوزارة الانتفاضة واحدا من كوادره السرية التى لم يتكشف موقفها الا بعد ان بانت حقيقة مواقفه الداعمة لمخططات الشيخ

ب- ان يقلب الطاولة على الحزب الشيوعى  ويهيمن على الدوائر المخصصة للخريجين فى البرلمان بالرغم من ان حزبه لم يكن يتمتع باى قوى تضاهى الحزب الشيوعى  فيهاالا انه عبر كوادره فى السلطة ابتدع توزيعا  جغرافيا لدوائر الخريجين منافيا لكل القيم الديمقراطية بدلا عن نظام الاقتراع الذى كان متبعا باقتراع كل الخريجين على قوائم المرشحين ليحقق الفوز الحزب الذى يحوز اغلبية اصوات الخريجين  وليس بحساب عددهم فى دوائرجغرافية   مما مكن حزب الشيخ  ان يكتسح دوائر الخريجين باصوات انتخابية تقل كثيرا عن الاصوات التى حققها الحزب الشيوعى من مجموع اصوات الخريجين الذين شاركوا فى الاقتراع بفضل التوزيع الجغرافى الذى فوز نوابا لحزب الشيخ  باصوات لا تصل ربع ما حققه  الحزب الشيوعى .

ج- امكن للشيخ  بما يتمتع به من ذكاء وقدرة على التخطيط ان يحقق لاول مرة نسبة من الدوائر الجغرافية مكنته من ان يصبح حزبه القوى الثالثة فى التحالفات بعد حزبى الامة والاتحادى بل و التى تملك ان تسخر الصراع بين الحزبين الكبيرين لصالح الحركة الاسلامية.

– اخيرا وهذا هو المهم  تمكن الشيخ من احكام قبضته على الفترة الانتقالية وبما له من تأثير على رئاسة  حكومة الانتفاضة التى رفضت بتخطيط منه طلب كل الاحزاب ما عدا الحركة الاسلامية لمد الفترة الانتقالية حتى تنتظم الاحزاب وترتب نفسها للانتخابات، كما ان حزبه  وما تمتع به من نفوذ  احكم قبضته على اختراق القوت المسلحة خاصة بعد التصالح والتحالف مع النميرى ليصبح الطريق سالكا له للتخطيط لانقلاب يونيو89، لما تأكد له ان الاحزاب السياسية قررت المضى قدما  فى الوصول لتسوية مع الجنوب لتحقيق الوحدة ودولة المواطنة التى يترتب عليها صرف النظر عن فرض الحكم الاسلامى على السودان  فكان  بيان الانقلاب قبل ايام معدودة من جلسة البرلمان التى كان مقررا لها ان تصدر قانونا يلغى قوانين سبتمبرالاسلامية  لتحقيق وحدة الوطن القومية لكل مناطقه دون تفرقة عنصرية او دينية.

   قصدت بهذا السرد ان اكشف عن القائد والمخطط الحقيقى لانقلاب يونيو 89 ولكن كان يوم تنفيذه هو نفسه اليوم الذى بدا فيه الشيخ تمثيل دور البطل فى هذه المسرحية التى  يشهد السودان اليوم اعلان بطلها اخرمشاهدها:

ففى ذاك اليوم وانطلاق البداية لدور البطولة كان الشيخ والمخطط للانقلاب بكل  تلك الحنكة ياخذ طريقه لسجن كوبر ضمن قادة الاحزاب السياسية حتى لا يحسب الانقلاب للحركة الاسلامية فيقضى عليه قبل ان يشتد عوده وحتى لا يكشف الانقلاب  عن وجهه قبل ان يؤمن على السلطة فكان دخول زعيم الحركة الاسلامية سجن الانقلاب ضيفا على سجن كوبر فجر الاتقلاب الذى خطط له استهدف به ابعادالشبهة على انه انقلاب الحركة الاسلامية ضمانا لنجاحه  وهكذا بدأ دور الشيخ فى بطولة المسرحية والتى سنقف على ما تبعها من ادوار حتى اعلن نهايتها اليوم.

 مؤشرات عديدة  يبدو انها كانت تشكل هاجس فشل الانقلاب تسيطر على فكرالشيخ لهذا فانه وقبل ان يحرك   قواته لتنفيذ الانقلاب  خطط لثلاثة مواقف  مهدت لنجاح الانقلاب بذكاء مفرط وهى:

1- فجاة وبلا مقدمات وفى خطوة تعتبر الاولى فى تاريخ السودان اقدمت قيادة القوات المسلحة  على رفع مذكرة للسيد الصادق المهدى رئيس الحكومة الديمقراطية تنذر وتهدد وتطالب بتصحيح الاوضاع  الامر الذى اعتبر يومها انزارا من  االقوات ا لمسلحة بانها سوف تستولى على السلطة اذا لم تصحح الحكومة الاوضاع لهذا فان بيان انقلاب يونيو عندما صدر لم يخالج السودانيين ادنى شك فى ان قيادة القوات المسلحة هى التى استولت على السلطة مما ساعد على اخفاء الوجه الاسلامى للانقلاب حتى لا يتعرض لعمل مضاد بل ساعدهذا الاعتقاد على ان يحظى بتاييد  الكثيرين من القيادات العسكرية  الذين ما كانوا ليفعلون هذا لو علموا  لحظتها انه انقلاب الحركة الاسلامية بل ربما وجد مقاومة فورية منهم  خاصة ان الانقلاب نفسه شاركت فيه عناصر مدنية باسم القوات المسلحة وكان هذا من اهم عوامل نجاحه..

2- وفى خطوة لا تقل غرابة عن مذكرة القيادة العليا للقوات المسلحة فلقدسربت جهة ما معلومات عن مجموعة من الضباط وعلى راسهم -رحمة الله عليه- الزبير محمدصالح وتمثل هذه المعلومات خدعة هامة  تشير الى انهم يخططون لانقلاب لحساب النظام المصرى الذى كان فى حالة عداء مع الحكومة الديمقراطية بسبب رفضها تسليم النميرى  مما عرض هذه المجموعة  لتوجيه الاتهام لها  وحبسها  توطئة لمحاكتها ولكن كانت المفاجأة ان قائد هذه المجموعة المتهم بالتخطيط لانقلاب لصالح مصر ان اعلن عضوا بل نائبا لرئيس الانقلاب  الذى نفذه  اكبر اعداء مصر   وكان واضحا ان هذه الفرية قصد بها ايهام مصر  على انه انقلاب لصالح الرئيس مبارك وذلك خوفا من ان تسارع مصر باى خطوة لاجهاض الانقلاب لو كشف عن هويته خاصة وان لها تجربة سابقة فى احداث الجزيرة ابا ضد مايو  لهذا كانت مصرودول الخليج اول المؤيدين لانقلاب يونيو 89 واكبر المعادين له بعد ان تكشفت حقيقته  لهذا وبالطبع لو تساءلنا من الذى خطط هذه الواقعة بذكاء لما كان غير الشيخ نفسه.

ثم كانت قد سبقت هاتين الواقعتين  دخول مهندس الانقلاب الشيخ الترابى للسجن مع زعماءالاحزاب  مما يؤكد ان هذه الخطوات الثلاثة من تصميمه   لضمان نجاح الانقلاب وقد حقق ما اراد حيث ان هذه  المواقف الثلاثة كانت السبب المباشر فى ان يتاح  للانقلاب الوقت الكافى لترتيب اوراقه فى السلطة حتى يقوى فى مواجهة اى عمل مضاد.

لهذا وما ان اطمأن مصصم الانقلاب وقائده الفعلى على نجاحه وأمنه  حتى خرج من السجن لياخذ مكانه الموجه والمرشد للسلطة ولينضم لكوكبة النظام الذى خطط له ان يبدو فى بدايته  بعيداعن الحركة الاسلامية وقد نجح فى ذلك بامتياز.

اذن لابد ان نصل للسؤال:

ما  الذى دفع الدكتور الترابى بطل المسرحية ان يعلن نهايتها ويقرر العودة لمراكز القرار؟

لغط كبير يدور حول ما تردد من حديث بان السودان موعود بمفاجأة كبيرة من العيار الثقيل سيفجرها الدكتور الترابى والمؤتمر الشعبى ولكن يقينى الاكبر ان الترابى نفسه فوجئ بان الدور الذى ظل يلعبه من الخارج كبطل لحماية نظام هو مؤسسه لم يعد بحاجة له ممثلا من الخارج وانما هو بحاجة اليه مباشرة من الداخل لهذا قرر اعلان نهاية دوره كبطل ممثل وليعود لمسئوليته المباشرة عن النظام وذلك للاسباب التالية:

1-            انه ليس هناك خطر على النظام من الخارج بعد ان وقف بنفسه (على  بير قوى الاجماع الوطنى وما فيها)

وانه ليس بحاجة لان  يواصل دوره كممثل لتعطيلها من الداخل  خاصة بعد ان  ابتلع النظام الطائفية بشقيها.

2-             ان الخطر الاكبر الذى يواجه النظام داخل مؤسساته  والازمات التى تحاصره لهو اشد خطورة من الخارج مما يتتطلب منه ان يعود لملمة ما يمكن له انقاذه

3-            انه  تأكد له ان حساباته نفسها  كانت خاطئة وغير  موفقة عندما خطط للانقلاب لوقف اى تصالح مع الجنوب تكون فاتورته خصما على الحكم الاسلامى حيث ان فصل الجنوب كان من اهم مقومات استراتيجيته  للانقلاب يؤكد ذلك انه حرص  قبل ان تكمل الانقاذ عامها الثانى على توقيع اتفاق مع الانفصاليين من قيادة الحركة الشعبية الذين انشقوا عن قرنق فوقع معه اتفاقا عام 90 يفضى لحقهم فى تقرير المصير يؤكد ذلك ان من وقعوا عليه هم من اقرب القيادات اليه الدكتور على الحاج.  فلماذا اذن خطط للاستيلاء على السلطة بانقلاب لتنفرد الحركة الاسلامية وحدها  لحل قضية الجنوب ولم يفكر يومها فى قومية الحل.

ومع ان ذلك الاتفاق انهار  بسبب ما واجهه من معارضة من عدة جهات الا ان ما تطلع اليه تحقق بالفعل بعد اتفاق نيفاشاحيث تم انفصال الجنوب ولكن المفاجاة له انه لم يتحسب لردودفعل هذا الانفصال وذلك:

1-            خابت توقعات الدكتور بان  انفصال الجنوب سوف يكتب تلقائيا  نهاية حروب دارفور وجنوب كردفان والنيل الازرق حتى التى ساهم نفسه فى اشعال بعضها مما يتهدد السودان  بالتمذق  واتساع دائرة الانفصال لأكثر مناطق السودان خاصة وان التامر الاجنبى يستغل  الاوضاع الداخلية ليحقق مخططه فى تجزئة السودان.

2-            خابت توقعات الدكتور ولم يتحسب الى ان انفصال الجنوب سيؤدى لانهيار اقتصادى  يصعب تجنبه  بعد ان انهارت كل مقومات الاقتصاد بعد الرهان على النفط خاصة مع ما صاحب الواقع من سوء ادارة للمال العام بلغ  بالمواطن مرحلة تنذر بالانفلات الشامل مما ادى لتمذق الحركة الاسلامية من الداخل.

لكل هذا لم يعد امام الدكتور إلا كتابة آخر مشهد من مسرحيته التى ادارها باتقان ولكن يبقى السؤال الاكثر اهمية:

هل يملك الدكتور عصى موسى؟ وهل هو عائد لتصحيح ما ارتكبه وخطط له فى حق الوطن وان كان كذلك هل هو قادر على اعادة الجنوب لحظيرة الوطن وللحفاظ على السودان من التمزق بالتراجع عن الدعوة لفرض الحكم الاسلامى  حفظا للوطن من التمزق  ان كان جادا فى الحديث عن الحل القومى لمشاكل السودان وهو طريق واحد.

دعونا ننتظر الاجابة  من الدكتور وإلا فالطوفان هو المصير المحتوم للسودان.

خارج النص:  عفوا بعد كتابة هذا المقال وارساله لصحيفة المشهد  نهار الجمعة وتم نشره عدد السبت  اطلعت مساء الجمعة نفسه بالنت على خبر يفيد بان الدكتور الترابى لدى مخاطبته مؤتمرا للشباب  انه طالب المعارضة بعدم العمل على اسقاط النظام من اجل الوطن.

النعمان حسن

https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-300x142.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتالأزمة السياسية في السودانمن خرج من كوبر بعد مسرحية اعتقاله من انقلاب هو مخططه هل يمكن لنا ان نصدقه؟ عودة الترابى لحظيرة النظام او اعادة النظام لحظيرته هل هو الفصل الاخيرمن مسرحية الانقاذ اول مسرحية فى التاريخ يكتبها البطل الشيخ من خلال  الدور الذى أدّاه بدون مؤلف ومخرج ما دمت ياشيخنا  تؤمن بقومية  الحل فلماذا خططت لانقلاب لتنفرد...صحيفة اخبارية سودانية