لم يخطر على بال (حسين آدم)، وهو يتهيأ لمغادرة منزله بأطراف المدينة متوجها صوب عمله بأحد شوارع وسط الخرطوم، انه لن يعود لقضاء تلك الليلة بين أسرته ورفاق الحي، أو أن يغيب عنهم لأكثر من شهر.

و(حسين آدم)، الفتي العشريني، الذي آوته أحدى “عشش” المساكن الإضطرارية بحي النصر (مايو)، جنوبي الخرطوم، يكسب رزق يومه وقوت أسرته وأخوته الصغار الذين فروا من طحن آلة الحرب إلى طحن سوق المدينة القاسي، بغسل العربات في شوارع وسط الخرطوم.

تأبط (حسين) فوطته وأمسك بيمينه جردل الماء المخلوط بصابون رخيص، وراح يجول بين العربات المتوقفة بوسط المدينة، يترجى أصحابها أن يغسل عرباتهم مقابل أجر زهيد.

يتحجج كثيرون بأنهم متعجلون، ويقبل البعض على مضض بعرض حسين، حينها ينهمك بفرح طفولي تتخلله همهمة أغنيات شعبية، في عمله بضمير حي: غسيل العربات وتلميعها، ويسكب عرقه تحت شمس لا ترحم ليكسب ما يقيه شر الجوع.

وما ان انهمك حسين في غسل أحد عربات زبائنه، حتي تفاجأ برجال الشرطة على متن عربة دورية مدججين باسلحتهم، يحاصرونه ويجبرونه على الذهاب معهم لمخالفته أوامر محلية، قبل أن ينـزعوا لوحة العربة، ويضعواعلى أحد أبوابها لاصق (استيكر) يحمل توجيهات لصاحب العربة بمراجعة قسم الشرطة وتوضيح مخالفة الامر المحلي رقم (11).

اللاصق الذي وضعته الشرطة على بعض العربات
اللاصق الذي وضعته الشرطة على بعض العربات

وحسين لا يعلم شيئاً عن الأوامر المحلية، وقوانين هذه المدينة، وهو الذي أجبره غياب القانون وانفلات الأمن والحرب على هجر قريته الصغيرة بنواحي دارفور، والنزوح قسراً إلى الخرطوم.

وأصدرت سلطات ولاية الخرطوم أمراً محليا  يقضي بمعاقبة من يقوم بنظافة العربات في الأماكن غير المخصصة لذلك، ومعاقبة صاحب العربة.

وينص الأمر المحلي، الذي يحمل  توقيع معتمد محلية الخرطوم، عمر نمر، بالغرامة 200 جنيه، أو السجن.

يقول حسين لـ(الطريق)، “حضرتُ لعملي المعتاد بوسط الخرطوم، حيث أقوم بغسل العربات،  قبض عليّ رجال الشرطة، في منتصف نوفمبر الماضي، واقتادوني لمحكمة النظام العام بالديوم الشرقية.. المحكمة فرضت عليّ غرامة 200 جنيه، ولم أكن أملك شيئاً من هذا المبلغ الكبير .. عندها اقتادوني لحراسة ملحقة بالقسم، ومن ثم نقلوني في صبيحة اليوم التالي لحلفا الجديدة، وهناك أخبروني بأن عليّ ان أعمل في مزارع قصب السكر التابعة لمصنع سكر حلفا الجديدة”.

وحسين، الذي مثل أمام المحكمة دون محام، لم يكن وحده، بل كانوا عشرات. “كان معي في ذلك اليوم 51 من الصبية الذين يعملون في غسل العربات والباعة المتجولين”، يقول حسين.

ويضيف، “بعض الصبية كانوا يمتلكون قيمة الغرامة، فسددوها واطلق سراحهم، لكن أنا و20 آخرين، كانت جيوبنا خاوية.. رجونا القاضي بأن يطلق سراحنا على أن نلتزم بعدم غسل العربات في الاماكن العامة مجدداً، والذي لم نكن ندري بأنها مخالفة قانونية”.

لكن رجاءات “حسين” ورفاقه رددت صداها جدران قاعة المحكمة وانكتمت بين أضابيرها، أمسك شرطي متجهم الوجه، بيد حسين وأمره ورفاقه بمغادرة قاعة المحكمة، ومن ثم إلى حراسة قسم الديوم، ليجدوا أنفسهم صبيحة اليوم التالي مكدسين في عربة نقل (دفار) تحرسهم بنادق الشرطة وجنودها، ويقتادونهم بعيداً عن الخرطوم.

يقول حسين، والذي التقته (الطريق) بعد أن قضي فترة العقوبة المفروضة عليه بالعمل الإجباري غير المأجور في مزارع قصب السكر التابعة لمصنع سكر حلفا الجديدة، الذي تملكه وتديره الشركة السكر السودانية، “وصلنا إلى حلفا الجديدة بعد رحلة طويلة وشاقة عبر عربة نقل (دفار) يحرسنا افراد الشرطة المدججين بالسلاح، وفي حلفا الجديدة سلمونا لرجال شرطة آخرين، والذين تولوا بدورهم إدخالنا إلي سجن حلفا الجديدة”.

غرامة مالية على أصحاب العربات والغسالين ، سوياً
غرامة مالية على أصحاب العربات والغسالين ، سوياً

ويتابع حسين، “في صبيحة اليوم التالي، تم تقسيمنا إلى مجموعات صغيرة، ومن ثم ترحيلنا إلى مزارع قصب السكر حيث نعمل في قطع القصب وترحيله.. نعمل بالمزارع منذ شروق الشمس وحتى مغيبها، وفي المساء تأتي عربة أخرى وتنقلنا للسجن، لنقضي ليلتنا ونعود في الصباح لممارسة نفس العمل”.

ويتابع، “توفر لنا إدارة السجن ثلاثة وجبات هزيلة في اليوم، ولكن لم يعطونا اي مبلغ مالي ولو جنيه واحد”.

وبعد مرور شهرين من العمل الإجباري بدون أجر،  يقول حسين، ” انتهت فترة محكوميتي، تم إطلاق سراحي، واخبروني بأنني أنا طليق، ولكن ماذا عليّ أن أفعل حتى أعود أدراجي لبيتي وأهلي في الخرطوم .. رجوتهم أن يعيدوني إلى الخرطوم لأنني لا أملك قرشاً واحداً ، ولكنهم لم يهتموا بتوسلاتي.. وفي اليوم التالي لإطلاق سراحي، تحدث أحد الجنود إلى سائق عربة وطلبه ان ينقلني إلى الخرطوم، وافق السائق، ولكن لسوء الحظ كانت القضارف وجهته الأخيرة… في القضارف قضيت ليلة واحدة، وبعدها توجهت لسائق بص وحكيت له قصتي ورجوته ان ينقلني إلي الخرطوم، وقد فعل”.

العمل بدون أجر، أو السخرة، محرمة بموجب القانون الدولي، يقول المحامي شوقي يعقوب، ويضيف، “تنص  المادة 8 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، بأنه لا يجوز إكراه أحد على السخرة أو العمل الإلزامي”، وحتى عقوبة الأعمال الشاقة المنصوص عليها في القوانين السودانية – بالرغم من مخالفتها للقانون الدولي – إلا أنها يجب أن تصدر عن محكمة مختصة تكفل للمتهم حق الدفاع عن نفسه، وليس محكمة ايجازية كمحاكم النظام العام التي نظرت في قضية حسين ورفاقه من غسالي العربات والباعة الجائلين.

أوامر محلية متناقضة مع الدستور ومع القانون الدولي ..!
أوامر محلية متناقضة مع الدستور ومع القانون الدولي ..!

تحقيقات الطريق

سُخرة مُقنّنة.. إجبار باعة جائلين وغسالي عربات على العمل بمصانع السكر دون أجر !https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2015/02/444-300x166.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2015/02/444-95x95.jpgالطريقتحقيقاتحقوق إنسانلم يخطر على بال (حسين آدم)، وهو يتهيأ لمغادرة منزله بأطراف المدينة متوجها صوب عمله بأحد شوارع وسط الخرطوم، انه لن يعود لقضاء تلك الليلة بين أسرته ورفاق الحي، أو أن يغيب عنهم لأكثر من شهر. و(حسين آدم)، الفتي العشريني، الذي آوته أحدى 'عشش' المساكن الإضطرارية بحي النصر (مايو)، جنوبي...An independent Sudanese online newspaper