لدى محكمة جنايات الخرطوم وسط

محاكمة : خلف الله العفيف، ومدحت عفيف الدين

مرافعة المتهمين الختامية

السيد القاضي

نيابة عن المتهمين أعلاه وبكل إحترام التمس إيداع المرافعة الختامية للمتهمين اعلاة ملتمسا شطب الدعوى والأمر بإطلاق سراحهما فوراً لما يلي من أسباب:-

فشل الإتهام في تقديم أي بينة يمكن الإعتداد بها لإدانة المتهمين وسنناقش فيما يلي بينات الإتهام

اولا في الأدلة المستندية التي قدمها الإتهام

قدم الإتهام أمراً صادراً من وكيل نيابة الجرائم الموجهة ضد الدولة بتفتيش مركز تراكس كمستند إتهام، وذلك تبريراً لأخذ المضبوطات في البينة ضد المتهمين. وأول مايلاحظ على هذا الأمر هو أنه يخلو من الغرض من التفتيش ، والأمر الثاني أنه قد تم تنفيذه بعد شهرين من صدوره ، والأمر الثالث هو أنه تم تنفيذه بواسطة جهاز الأمن ، وهذه الأمور الثلاث تبطل التفتيش وذلك للأسباب التالية :-

1/ أمر تفتيش لا يحدد الغرض من التفتيش: سلطة النيابة في تفتيش الأماكن والاشخاص ليست سلطة مطلقة، بل هي مقيدة بالحدود التي لا تخرق الحق الدستوري في الخصوصية، والتي قررتها المادة 37 من الدستور. لذلك فقد وضع قانون الاجراءات الجنائية قيدين على صدور أمر التفتيش بواسطة النيابة: الأول نصت عليه 86 (أ) وهو أن يكون التفتيش يساعد في أغراض التحري، أو المحاكمة، أوالتنفيذ. والثاني نصت عليه المادة 87 من القانون فذكرت وجوب أن يكون أمر التفتيش مكتوباً ويتضمن الغرض من التفتيش

مجموع ما يتطلب القانون في المادتين هو ما إصطلح الفقه العالمي على إطلاق تعبير السبب المعقول للتفتيش عليه. وتطلب السبب المعقول للتفتيش أساسه إحترام الحقوق الدستورية للمشتبه فيه، أو للمشتبه في حيازته للدليل المطلوب. وقد كان القضاء الأنجلوسكسوني فى أول الأمر يعتقد أن التفتيش من شأنه أن يخرق حق الملكية. لذلك فقد قضت المحكمة العليا الأمريكية في دعوى أولمتيد ضد الولايات المتحدة أن المراقبة التلفونية لا تنتهك الحق الدستوري، طالما أنه لم يصاحبها دخول فعلي إلى منزل المتهم. ولكن المحكمة العليا الأمريكية ما لبست أن غيرت موقفها وذكرت فى دعوى كاتز ضد الولايات المتحدة 1976 إن القيود التي يجب التقيد بها عند إصدار أمر التفتيش أساسها تحديد سلطة الحكومة فى التفتيش فى التعديل الدستورى الرابع، و الذى هدف لحماية الخصوصية وليس حق الملكية، والذي نص على أنه لا يجوز إنتهاك حق الناس في أن يكونوا آمنين ضد عمليات التفتيش والضبط التي تفتقد المعقولية بالنسبة لأشخاصهم، ولمنازلهم، وأوراقهم، وأشياءهم. ولا يجوز إصدار أمر تفتيش إلا حال وجود سبب معقول، معزز باليمين أو التأكيد، يصف المكان المراد تفتيشه والأشخاص أو الأشياء المراد احتجازها.

صدور الأمر بناءاً على طلب من الجهة المختصة لا يعفي السيد وكيل النيابة من واجبه في فحص الطلب، بل يظل من واجبه التيقن من وجود ببينة توضح أن هناك سبباً محتملاً للعثور على ما يراد ضبطه. ووجود البينة التي إستند عليها وكيل النيابة في إصدار أمرالتفتيش يظهر في تحديده للغرض من التفتيش. وهذا ما يتطلبه القانون.

تحديد الغرض من أمر التفتيش من أهم الضوابط التي يتضمنها القانون منعاً لإنتهاك حق الخصوصية، فيجب أن يحدد الأمر على وجه الدقة الغرض من التفتيش كما تذكر المادة 87، وهذا يتم بتحديد الشئ المراد ضبطه. وقد سار القانون السوداني في ذلك على نهج القانون الأنجلوسكسوني فقد حكم في أمريكا في دعوى Entick V. Carrington أن الأمر بضبط كل الأوارق الخاصة بالمدعي بدلاً من تحديد المستندات المراد ضبطها، هو أمر يخرق كل ما قام الدستور لحمايته، وهو أمر باطل.

وفي ستانفورد ضد تكساس حين تم الحجز على ألفي كتاب ومستندات أخرى، وفقاً لأمر يصرح بالبحث عن كتب تتعلق بالحزب الشيوعي في تكساس، رأت المحكمة أن أمر التفتيش كان باطلاً وذلك لأنه حين يتعلق الأمر بالكتب، يجب أن يكون الإلتزام بقاعدة تحديد الشيئ المطلوب ضبطه أكثر صرامة.

هذا ما كان من أمر المستندات والكتيبات أما البينة المستخرجة من الحاسوب فالقاعدة العامة هي أن تفتيش الحاسوب يتطلب قيام شبهة معقولة بوجود مادة مطلوب ضبطها به. فمجرد وجود الحاسوب في مكان يخضع للتفتيش، وفق إجراءات صحيحة، لا يخول أجهزة الضبط تفتيش محتويات ذلك الحاسوب ، ما لم يكن الشئ المراد ضبطه يحتمل وجوده فيه. لأن دخول المكان الخاص لسبب صحيح، لا يسقط عنه خصوصيته إلا في الحدود التي تحقق الغرض من الدخول. وهو المبدأ المعروف فى أمريكا بمبدأ السكرية، والذي يلزم قوات الضبط على أن يقتصر بحثها داخل المكان الذي يجري التفتيش فيه، على الأمكنة التى يمكن أن يوجد ما يراد ضبطه فيها، فلا يجوز تفتيش سكرية بحثاً عن جهاز تليفزيون. وقد قضت بذلك المحكمة العليا فيUnited States v. Park, وهي دعوى تتلخص وقائعها في أن الشرطة قبضت على بارك بعد العثور على ماريجوانا عقب تفتيش منزله، تنفيذاً لأمر تفتيش صحيح. عقب ذلك تم حجز جهاز الهاتف المحمول الخاص به، والأجهزة الخاصة بمن وجد معه في المنزل. بعد التحفظ على تلك الأجهزة قامت الشرطة بالبحث عن قائمة الأسماء في المحمول للتوصل لمن يتعامل معهم المتهم في المواد الممنوعة. إعترض بارك على تقديم المعلومات التى وجدت في هاتفه المحمول في البينة، فرفضت المحكمة إعتراضه، لان تفتيش المحمول يشابه تفتيش مفكرة العناوين Address Book بغرض التحصل على أدلة تتصل بالجريمة التى تم التفتيش من أجلها. رفضت المحكمة العليا ذلك وقررت أن المحمول الحديث، بما يحمله من كم هائل من المعلومات، يشابه جهاز الكمبيوتر، وليس مفكرة العناوين، وبالتالي فإن تفتيشه يخرق خصوصية المتهم، لما يوفره من معلومات خاصة به، وهو أمر لا يجوز، إلا بعد الحصول على أمر بتفتيش المحمول نفسه. ولما كانت الشرطة لم تحصل على أمر بذلك قبل تفتيش المحمول، فإن التفتيش يكون باطلاً، وماتم التحصل عليه من بينة نتيجة لذلك غير مقبولة، وفقاً للمبدأ الذي تتمسك به المحكمة العليا الأمريكية والمعروف بمبدأ ثمرة الشجرة المسمومة، والذي يقول بان الأدلة المتحصل عليها بشكل غير مشروع، تكون كثمرة شجرة مسمومة، و العدالة لا تقتات على تلك الثمار.

إذا فالقاعدة بالنسبة لتفتيش الحاسوب الخاص بالمتهمين، هي أنه كان يجب على من أجرى التفتيش أن يلتزم بالبحث فقط عن الدليل الموضح في أمر التفتيش، فإذا كانت المواد المراد ضبطها هى مواد سياسية ، فليس له أن يضبط صوراً خليعة مثلاً.

ضرورة إقتصار التفتيش على الغرض منه، هو مبدأ قانونى هام مقرر حمايةً لحق الخصوصية. لأنه إذا كان التفتيش هو إنتهاك لخصوصية شخص إقتضته ظروف قانونية معينة، فإنه يجب أن يبقى في الحدود التى إقتضت إجراءه. فى دعوى United States v. Quintana أوقفت الشرطة المتهم والذى كان يقود عربته، رغم أن رخصة قيادته موقوفة. وتم تفتيش العربة بعد أن إشتم الضابط رائحة مارجوانا، ولكنه لم يجد شيئا. عقب ذلك فتش الضابط محتويات هاتف المتهم المحمول، حيث وجد صورة توضح زراعة مارجوانا في منزله. وعليه فقد ذهبت الشرطة إلى منزله الموجود عنوانه في رخصة القيادة حيث تم العثور على مارجوانا. قررت المحكمة أنه لما كان القبض متصل برخصة قيادة غير سارية المفعول، فإن ذلك لا يعطى الضابط سلطة تفتيش محتويات الهاتف المحمول، مما يجعله تفتيشاً غير مشروع، ويوجب حجب البينة المتحصل عليها بواسطته .

على ضوء كل ذلك فإنه يمكننا القول بإطمئنان أن ضبط الأجهزة الخاصة بالمتهمين نتيجة لأمر تفتيش لا يحدد ضبطها بشكل صريح هو ضبط غير متفق مع القانون. و أن إرسال الأجهزة للفحص للمعامل الجنائية دون توضيح للمادة المراد ضبطها فيها أيضاً هو أمر لا يتقيد بمتطلبات القانون الذي يقيد حقوقاً دستورية مما يلزم معه القول ببطلانه.

2/ تنفيذ الأمر بعد صدوره بشهرين ينفي وجود السبب المعقول: أمر التفتيش في الأصل الغرض منه هو إحراز شيئاً بعينه يشكل دليلا في الإجراءات، موجود بشكل مؤقت في مكان محمي ، مما يخشى معه أن يتم تحريكه من ذلك المكان. أما وقد ترك الأمر لهذه المدة دون تنفيذ فهذا يقطع بعدم وجود الظروف التي تقتضي التفتيش. وقد رأت المحكمة العليا الأمريكية في Berger V. New York أن الأمر بمراقبة محادثات شخص لمدة شهرين، يتعارض مع تطلب السبب المحتمل في أمر التفتيش، لأن الأمر لا يشير لمحادثة معينة، ولا لنوع معين من المحادثات، ولأن مدة الشهرين أصلاً تشير إلى أنه ليس هناك سبباً محتملاً للأمر.

3/ تنفيذ الأمر بواسطة جهاز الأمن: والسؤال هنا ماهو إختصاص أعضاء جهاز الأمن في تنفيذ الأوامر الصادرة من وكيل النيابة بالتفتيش؟ الإجابة عندي هي أن إختصاص أعضاء جهاز الأمن بالتفتيش يحدده قانون الأمن الوطني .

لقد منح قانون الأمن الوطني لأعضاء الجهاز سلطات الرقابة والتحري والتفتيش وذلك بموجب المادة 25 من القانون وهي سلطة تنشأ بموجب المادة 50 1) (ب) بعد الحصول على أمر مكتوب من مدير الجهاز. وواقع الأمر أن سلطات التحري والتفتيش الممنوحة لجهاز الأمن لا تنبع من قانون الإجراءات الجنائية، ولا صلة لها بذلك القانون، بل هي تنبع من أحكام قانون الأمن. فالقبض والتفتيش يتم تنفيذهما بأمر من المدير ويتم التحري بمعزل عن النيابة ولا يكون للنيابة أي صلة بالأمر لحين إنتهاء المدة المخولة للجهاز، وفقاً لأحكام المواد هـ / ز/ ح . بل أن وكيل النيابة المختص لا يُخطر بأي شئ إلا بعد إنتهاء التحري، وتبين وجود بينة تستدعى توجيه التهمة، أو بعد إنتهاء المدة المذكورة، وفي هذه الحالة فإنه “على سلطات الجهاز إخطار وكيل النيابة المختص وتسليمه المشتبه فيه وكافة المستندات وملحقاتها لإكمال الإجراءات” الفقرة ط من المادة 50 (أ).

إذن فإن جهاز الأمن وأثناء تحريه في موضوع البلاغ يفعل ذلك إستناداً على سلطاته هو. وقد حرص القانون على أن يتم تحري الأمن في المسائل التي تقع في تفويضه بعيداً عن النيابة، والتي لا تُخطر أصلاً بذلك التحري إلا عندما تحول لها الأمر سلطات جهاز الأمن. أما إذا إختار أحد أعضاء جهاز الامن أن يلجأ إلى النيابة العمومية لإتخاذ الاجراءات القانونية بالنسبة لشبهة معينة، فإن عليه أولاً الحصول على تفويض من مديرالجهاز بتمثيله في الدعوى الجنائية. ثم يقوم ثانياً بإتخاذ إجراءات فتح البلاغ بناء على شكوى أمام النيابة. ولا يجوز له بعد ذلك أن يتدخل على الإطلاق في إجراءات التحري والضبط، لأن موقعه في التحريات التي تجري بواسطة النيابة بعد ذلك هو موقع الشاكي، الذي لا يجوز له أن يكون جزءً من أجهزة الضبط التابعة للنيابة. لذلك فإن إصدار السيد وكيل النيابة أمر تفتيش بناء على طلب أحد اعضاء جهاز الأمن دون أن يسمع بينة حول وجود السبب المعقول للإجراء، ودون أن يحدد الشئ المراد ضبطه، ودون أن يتبين ما هي صفة الشاكي، وما إذا كان مفوضاً من الجهاز، أو يتصرف بصفته الشخصية، ثم يترك له بعد ذلك أن ينفذه في الزمن الذي يختاره دون أن يحضر إليه المضبوطات فهذا نوع من التخبط بين أحكام قانونين لا يقره أيا منهما.

إذا كان الأمر قد صدر من وكيل النيابة كإجراء من إجراءات التحري التي تسبق فتح البلاغ ، فإن الأمر بالتفتيش كان يجب ان يتم تنفيذه بواسطة الشرطة الجنائية، وأن يتم تدوين محضر تنفيذه في يومية التحري، وأن يتابع وكيل النيابة بنفسه الأمر. أما أن يصدر وكيل النيابة أمر التفتيش ثم يتركه للشاكي لينفذه في الوقت الذي يحلو له، ويواصل المبلغ بنفسه التحري في المسألة حتي يقوم في اخر الأمر وبعد ثلاثة أشهر بالقبض على المتهمين، وتسليم الملف للسيد وكيل النيابة ليواصل التحري دون أن يكون قد أخطره بنتيجة التفتيش، ولا تاريخ تنفيذه فهذا كله مدعاة لشطب الدعوى، لأنها في الأساس فتحت بالمخالفة لأحكام المادة (35) من قانون الإجراءات الجنائية. أما لو كان وكيل النيابة قد تعامل معها بإعتبارها أوراق التحقيق الذي أجراه الأمن بموجب المادة (50) (ط) فإنه كان عليه أن يستلمها محولة من سلطات الجهاز وفقاً للمادة 50 وليس من شخص المبلغ، والأهم من ذلك أنه كان يتوجب عليه أن يستبعد التفتيش تماماً، والأشياء التي تم ضبطها نتيجة له، لان التفتيش تم بدون أمر السيد مدير جهاز الأمن، ولأنه لا عبرة بالأمر الذي أصدره وكيل النيابة، قبل تحويل الملف له بواسطة سلطات الجهاز، لأنه لا إختصاص له أصلاً بالتحري الذي يجريه الجهاز.

ثانيا في قبول البينة المتحصل عليها بطريق غير مشروع

أ. الوضع قبل قانون الإثبات

اما وقد وضح ان البينة المستندية التي أمطرنا بها الإتهام حصل عليها عن طريق تفتيش غير صحيح فما هو أثر ذلك على مقبوليتها في البينة؟ لم يتعرض قانون الإجراءات الجنائية لعام 1925م ومن بعده قانون 1974م لمسألة حكم البينة المتحصل عليها عن طريق غير مشروع، لأن هذه المسألة من حيث الموضوع تخرج من نطاق الإجراءات إلى الإثبات، ولكن حمل قانون 25 نصاً تبناه قانون 74 في المادة 261 مؤداه عدم جواز إلغاء أي قرار في الاستئناف لمجرد الاستناد إلى أن البينة قُبِلت خطأ، أو إلى وجود عيب في الإجراءات، مادام المتهم لم يضار في دفاعه، وكان القرار أو الحكم سليماً. و المادة فى جوهرها تمنع التمسك بالعيوب الشكلية وهى بذلك تقف على وجه نقيض مع نظرية البطلان اللاتينية . فى غمرة الصراع بين الفقهين اللاتينى والأنجلوسكسونى على أثر تزايد خريجى الجامعات المصرية بين ممارسى مهنة القانون وما كانوا يثيرونه عن تخلف الشريعة العامة الإنجليزية فى هذه النقطة عن القوانين الأخرى إستندت المحاكم على هذه المادة لإستبعاد البينة المتحصل عليها بطريق غير مشروع دون اللجوء لنظرية البطلان اللاتينية .

ففي دعوى حكومة السودان ضد نصر عبد الرحمن وآخر والتي بدأت الإجراءات فيها ببلاغ تحت قانون معاقبة الفساد، و الذي قررت المحكمة العليا بعد ذلك بطلانه، رأت المحكمتان الأدنى أن إجراءات التحري بموجب قانون تم إلغاءه تعتبر باطلة. ولكن القاضي شقاق وهو يكتب رأي المحكمة العليا ذكر ما يلي :-

نبادر فنقرر أن النائب العام قد أصاب في قوله أن القانون السوداني لا يعرف ما يسمى بمبدأ البطلان، وأنه مبدأ مستمد من النظام اللاتيني، وهو معمول به في القانون المصري. والقواعد العامة التي تسترشد بها محاكمنا في هذا الشأن هي تلك التي أشار إليها النائب العام، ومؤداها أن عدم اتباع إجراءات معينة لا يؤدي بالضرورة إلى البطلان إلا إذا ثبت أن تلك المخالفة قد أدت إلى إجهاض العدالة. وقد تعرض النائب العام إلى ما أورده الشراح الهنود في هذا الشأن قائلا (وقد ذهب العلامة Sarkar للحد الذي قال فيه أنه حتى الأخطاء التي تلازم الإجراءات القضائية أو الأحكام لا تبطل تلك الإجراءات أو الأحكام، إلا إذا كان من شأن تلك الإجراءات أو الأحكام عرقلة أو إعاقة سير العدالة . هذا بالرغم من خطورة ما يترتب على الإجراءات القضائية فإذا كان هو الحال في الإجراءات القضائية فكيف يكون الرأي في حالة الإجراءات التي لا يترتب عليها أثر ولا تلحق ضررا بأي شخص كان).

أما القاضى عبد الرؤوف حسب الله ملاسي خريج الجامعات المصرية فيأخذ فى دعوى ابراهيم عيسى وآخر بمذهب المحمكة العليا الأمريكية وبنظرية البطلان اللاتينية معاً (أولاً : من أبسط القواعد القانونية أو من أبسط الأصولية المستقرة فقهاً وقانوناً ألا وهي أن من يطلب من الناس أو الأفراد الالتزام بالقانون وحدوده وضوابطه لحماية المجتمع وقيمه ومثله لا بد أن يكون في المقام الأول ملتزماً بحدود القانون أو ضوابطه إذ من غير المعقول أن نخالف القانون أو نحرفه بحجة أننا نريد أن نحمي المجتمع من الخارجين على قوانينه ، فسيادة القانون لا تتجزأ ، وإما أن يؤخذ بها ككل أو ترفض ككل، أما الإمساك بالعصا من النصف فمعناه الخروج على القانون .ثانياً : أن أمر التفتيش عندما نص عليه المشرع في قانون الإجراءات الجنائية م73، م74 نص عليه بضوابط وقيود واضحة بل محددة لا مجال للاجتهاد بشأنها وعندما حدد المشرع هذه الضوابط قصد أن تطبق وألا يفتح أي مجال للتحايل عليها بأي صورة لخطورة أمر التفتيش ومساسه الواضح بحريات الأفراد ومن ثم فالمخالفة لأي قيد نص عليه المشرع يجعل أمر التفتيش باطلاً ومخالفاُ للقانون ولا يجب أن نقبل أي بينة أو دليل حتى لو أدى إلى اكتشاف جريمة لأن ما بني على باطل فهو باطل.)

ب. الوضع في ظل قانون الإثبات لعام 1983م

عندما صدر قانون الإثبات لعام 1983م اختارت المادة (11) منه موقفاً متشدداً واقتصر حكمها على القانون الإنجليزي القديم والذي عدل عنه الإنجليز مؤخراً وقبلت البينة المأخوذة بطريق غير مشروع ولكن ذلك لم يغير موقف القضاء الذى كان قد استقر في وجدانه عدم جواز قبول البينة التي تم الحصول عليها بخطأ جوهري ومن شأنها أن تضر بدفاع المتهم، ولما كانت المادة جوازية بمعنى أنها لا تفرض على المحكمة قبول البينة المتحصل عليها بطريق غير مشروع وإنما تجيز لها ذلك فقد ظل القضاء يطبق نفس المعايير التي كان يطبقها وظل موقفه بغير تغييرحتى بعد تبنى الشريعة كمصدر للقانون إستشعاراً منه بأن القانون ما زال يستقى أغلب أحكامه من القانون الهندى ففى حكومة السودان ضد عمر محمد إدريس م أ/أ س م /93/1989 فرقت المحكمة بين التفتيش الشخصي وتفتيش المنازل والأماكن فرأت أن تفتيش الأماكن أحاطه القانون بسياج من الضمانات حمايةً لحقوق دستورية وأشارت للمادة (30) من الدستور الانتقالي لعام 85 ورأت المحكمة أن القانون السوداني لا يأخذ بنظرية البطلان ردا على نقاش المحامي بأن التفتيش بدون أمر هو باطل وما يستند على الباطل فهو باطل، و فرقت بين الأخطاء الجوهرية وبين الأخطاء الشكلية ورأت أن الخطأ الشكلي لا يمنع المحكمة من قبول البينة المتحصل عليها بطريق غير مشروع ، ففي حين أن عدم وجود الأمر بالنسبة لتفتيش الأماكن هو خطأ جوهري فهو ليس كذلك بالنسبة لتفتيش الأشخاص وبالتالي فإنه يمكن تجاوز عدم وجود الأمر إذا كان المتهم لم يضار في دفاعه ورأت المحكمة أن المتهم في هذه الحالة لم يضار في دفاعه فأيدت الإدانة .

ج. قانون الإثبات عام 1994

عندما أعيد إصدار قانون الإثبات فى عام 1994 تغير الموقف تشريعياً للأحسن فجاء نص المادة العاشرة من قانون الإثبات كالتالي:- ( 1- مع مراعاة أحكام الإقرار ، والبينة المردودة لا ترد البينة لمجرد أنه تم الحصول عليها بإجراء غير صحيح متى أطمأنت المحكمة إلى كونها مستقلة ومقبولة .2- يجوز للمحكمة متى مارأت ذلك مناسباً لتحقيق العدالة ، ألا ترتب إدانة بموجب البينة المشار إليها في البند (1) ما لم تعضدها بينة أخرى)

وهو قد حسن كثيراً من الحكم الوارد في قانون 83 وإن كان مازال يعاني من قصور. فالنص الجديد قد وضع جملة “بإجراء غير صحيح”، بدلاً من “بطريق غير مشروع”، وفي هذا عودة لما سار عليه القضاء أن البينة المتحصل عليها بطريق غير مشروع، ويعنى ذلك أنه إذا شاب الحصول عليها خطأ جوهري، لا يجوز قبولها في البينة. وإضافة جملة “مع مراعاة أحكام الإقرار، والبينة غير المردودة”، تفتح المجال لرفض قبول الإقرار المتحصل عليه عن طريق الإغراء، أو الإكراه، لان المادة 20 (م) من نفس القانون تعتبر الإقرار المتحصل عليه عن ذلك الطريق إقرارا غير صحيح في المسائل الجنائية. كذلك فإن قواعد البينة المردودة تشمل البينة التي تنتهك الشريعة الإسلامية، أو القانون، أو العدالة، أو النظام العام. وهذا يشمل انتهاك الخصوصية، وسائر الحريات الدستورية، لأن هذه الحريات لابد أن تكون من النظام العام، من واقع أحكام المادة 27 والتي تمنع المشرع من الانتقاص منها. وتشكل إضافة الفقرة 2 من المادة 10 في قانون 94 أيضا إضافة مهمة لجهة حماية حقوق المتهمين، وتوفير المحاكمة العادلة.

أضف لذلك أن المادة 156 (ج) فى دستور 2005 قد نصت على أنه (لا يجوز انتهاك خصوصية الأشخاص ولا تقبل أمام المحاكم البينة المتحصل عليها بإنتهاك هذه الخصوصية )وهذا النص يمنع بوضوح البينة المتحصل عليها بإنتهاك هذه الخصوصية والتفتيش غير الصحيح ينتهك الخصوصية

ثالثاً هل البينة المستخلصة من أجهزة المتهمين يمكن إعتبارها بينة يمكن الوثوق بها؟

رغم وضوح النص الدستوري والذي يمنع المحاكم من قبول البينة المتحصل عليها بإنتهاك الخصوصية، فالواضح هو أنه حتى ولو غلبنا الرأي القائل بقبول تلك البينة فإن ذلك الرأي يشترط أن تكون البينة موثوق بها، فهل البينة المستخلصة من أجهزة المتهمين خلف الله العفيف ومدحت عفيف الدين هي بينة يمكن الوثوق بها؟ الإجابة عندي بالنفي، لأن من قام بتفتيش أجهزة المتهمين لم يحضر أمام المحكمة، ولم يقدم شهادة على اليمين على أن المواد المقدمة قد إستخلصها بالفعل من تلك الأجهزة، ولم يخضع لمناقشة من قبل الدفاع حول الإجراءات التي قام بها. وكل هذا يجعل الإستناد عليها لإدانة المتهمين في أحسن الظروف غير مأمونة.

أضف لذلك أنه من المعلوم أن الأجهزة المستخلص منها البينة تم ضبطها في فبراير من العام الماضي، وظلت في حيازة الشاكي حتى قام بتسليمها لوكالة النيابة عند فتح البلاغ في مايو، وهو الامر الذي تعرضنا له من قبل. ولم تقدم أي بينة حول المكان الذي حفظت فيه طوال تلك المدة، ودرجة تأمينها أثناء ذلك الزمن، ضد الإستعمال، وإساءة الإستعمال. وقد ذكر الشاهد منذر أبو المعالي، وهو الخبير المختص في علوم الحاسوب أن مجرد مشاهدة شخص لفيلم معروض في الشبكة العنكبوتية في جهازه، حتى ولو لم يعمد لحفظه، يجعل الجهاز يحفظ الفيلم داخله في مكان غير محدد، يمكن إسترداده فيما بعد بواسطة الخبراء.

والسؤال الذي نرى أنه لابد من أن توجهه عدالتكم لنفسها، بغض النظر عن عدم شرعية الإجراءات التي تم ضبط البينة الخاصة بالأفلام المخالفة للمادة (14) من جرائم المعلوماتية وفقا لها، هل قدم الإتهام بينة تؤكد بما لايدع مجالاً لشك معقول بأن الأفلام التي تم عرضها بإعتبارها مستخرج من الجهاز الخاص بالمتهم الأول كانت موجودة بالفعل في جهازه وقت ضبط الجهاز بواسطة الشاكي، تنفيذاً لأمر تفتيش معيب يأتيه الباطل من خلفه ومن بين يديه ؟

اليس من المحتمل أن تكون هذه الأفلام تم حفظها في الجهاز نتيجة لمشاهدتها بواسطة من كانت لديهم في مدى ثلاث اشهر سابقة لفحصها سواء أكانت مشاهدة عارضة أم مستهدفة؟

وبفرض أن ذلك الإفتراض غير وارد، أليس من المحتمل أن يكون وجودها في الجهاز قد تم نتيجة لمشاهدة أحد العاملين، أو المترددين على المركز في غيبة صاحب الجهاز، لفيلم من موقع في الشبكة العنكبوتية؟

وذلك كله دون أن نتعرض لإحتمالات عديدة أساسها أن فحص الأجهزة وإستخراج الموجود فيها لم يتم وفق قانون الإجراءات الجنائية في حضور المتهم وشاهدين و تلك بالطبع هي الوسيلة التي يعتمدها القانون لاثبات محتويات الكمبيوتر.

رابعا الإتهام بمخالفة المادة 14 من قانون جرائم المعلوماتية

لما كان الإتهام المذكور هو إتهام يقوم فقط على أفلام مستخلصة من جهاز الحاسوب الخاص بالمتهم الأول، ولما كان ضبط الجهاز المذكور تم نتيجة لأمر تفتيش باطل، ولما كان الإتهام قد فشل في إستدعاء من قام بإستخلاص تلك الأفلام رغم إنكار المتهم أنها كانت موجودة بجهازه عند ضبط الجهاز، ولما كان إستخلاص تلك الأفلام تم بدون أمر تفتيش للجهاز يحمل الغرض من التفتيش مما يجعل ما تم تغولا على خصوصية المتهم، وما إستخلص نتيجة له بينة مردودة وغير مقبولة مستوجبة الطرح، وحتى ولو لم يكن ما إستخلص من الجهاز غير مقبول في البينة فإن نسبته للمتهم تظل موضع شك كبير بالنسبة لطريقة ضبط وحجز الجهاز ولطبيعة البينة نفسها على النحو الوارد أعلاه، لكل ذلك فإننا نلتمس شطب التهمة ضد المتهم بمخالفة المادة 14 من قانون جرائم المعلوماتية.

خامساً: الإتهام بمخالفة المادة 7 مقروءة مع المادة 24 من قانون العمل الطوعي والإنساني

يلتمس الدفاع شطب الإتهام أعلاه حيث أنه لا يستند على بينة أو قانون وذلك على الوجه الذي نفصله فيما يلي:

1- لا إنطباق لقانون العمل الطوعي والإنساني على النشاط الذي يمارسه مركز تراكس، فالمركز المذكور يعمل في حقل التدريب، ونشاطه ليس طوعياً، بل هو مشروع مسجل من حيث النشاط لدى المجلس القومي للتدريب التابع لوزارة الموارد البشرية. ومن حيث الملكية فهو مركز مسجل لدى المسجل التجاري كإسم عمل مملوك للمتهم الأول خلف الله العفيف مختار.

بالنسبة للمنظمات الطوعية فإنها وفقاً لتعريف القانون لنشاطها تقوم بنشاط طوعي وغير ربحي، وهو شرط أساسي لإنطباق قانون العمل الطوعي والإنساني، وتسجيل مركز تراكس كإسم عمل يعني بالضرورة أنه يمارس عمل ربحي وغير طوعي . لكل ذلك فإن القانون بكافة مواده لا إنطباق له على المركز.

2- المادة 7 من قانون العمل الطوعي والإنساني لا تخاطب الهيئات عموماً، ولا حتى المنظمات بشكل عام، وإنما تخاطب منظمات المجتمع المدني المسجلة وفقا الأحكام ذلك القانون بصريح نص الفقرة (2) من المادة. وبالتالي فإن النهي عن تلقي أموال من شخص أجنبي إلا بموافقة الوزير لا ينطبق على مركز تراكس لأن الوزير لا ولاية له على الهيئات المسجلة وفق قوانين أخرى، وبالتالي فلن يحفل بالنظر في طلب جهة غير مسجلة وفقا لذلك القانون.

3- المادة 24 تعاقب في شقها الأول على مخالفة المادة 23. والمادة 23 تتحدث عن ممارسة نشاط منظمة طوعية دون تسجيل، وقد أوضحنا أن مركز تراكس لا يمارس نشاط منظمة طوعية بل هو مشروع تجاري ربحي مسجل بإعتباره كذلك، ومسجل أيضاً كمركز تدريب وفق قوانين ولوائح مختلفة.

أما الفقرة الثانية والتي تتحدث عن مخالفة المواد الأخرى فهى تعاقب بجزاء إدارى وليس جنائي، وبالتالي فإنه حتى لو كانت المادة 7 منطبقة على مركز تراكس، وهى بالقطع غير منطبقة، فإن العقوبة التي يوقعها القانون وفقاً للمادة 24 هى عقوبة إدارية في المقام الأول، يوقعها المسجل، أما المحكمة فلا تصلها المخالفة إلا عبر المسجل، وذلك إذا لم ير الإكتفاء بتوقيع الجزاءات الإدارية الموضحة في المادة.

أضف لذلك كله أن الإتهام بمخالفة المادة 23 يتناقض مع الإتهام بمخالفة المادة 7 ففي حين أن المادة 23 تمنع ممارسة نشاط منظمة طوعية دون تسجيل، فإن المادة 7 تتطلب التسجيل لتقييد الحصول على تمويل أجنبي.

سادساً الإتهام بمخالفة المادة 66 من القانون الجنائي 1991

تنص المادة 66 من القانون الجنائي على ” كل من ينشر أو يذيع أي خبر أو إشاعة أو تقرير ، مع علمه بعدم صحته قاصداً أن يسبب خوفاً أو ذعراً للجمهور أو تهديداً للسلام العام ، أو إنتقاصاً من هيبة الدولة ، يعاقب بالسجن مدة لا تجاوز ستة أشهر أو بالغرامة أو بالعقوبتين معاً”

معلوم أن الجريمة المعاقب عليها بموجب المادة 66 كسائر الجرائم لا تكتمل إلا بإكتمال الركنين المادي والمعنوي المكونان لها، و الركن المادى للجريمة يتكون من فعل و نتيجة و علاقة سببية. و الفعل هو عبارة عن النشاط الاجرامي الذي قام به الشخص، و النتيجة المؤثمة هي ما ينهى عن تسبيبه القانون، وعلاقة السببية تتمثل في كون أن الفعل هو سبب وقوع النتيجة. فيما يتعلق بالمادة اعلاه فإن النتيجة مندمجة في النشاط، فالفعل يتمثل فى نشر خبر أو اشاعة أو تقرير كاذب مع العلم بعدم صحته ونشر ذلك الخبر أو الإشاعة أو التقرير الكاذب تتحقق بوقوعه النتيجة الإجرامية لأنها تشكل بالضرورة جزءً من الفعل

النشاط الإجرامي الذي يدعيه الإتهام في حق المتهمين:

النشاط الإجرامي في المادة اعلاه يقع بفعل النشر لخبر أو إشاعة أو تقرير كاذب و لكي يكون النشر مجرّما لابد اولاً أن يكون موضوع النشر خبراً وثانياً أن يكون الخبر كاذباً وثالثا أن يتم نشره ورابعا أن يكون الناشر على علم بكذب المادة. فماذا قدم الإتهام لإثبات كل ذلك؟

تنقسم المواد المستخدمة في وسائط الإعلام إلى مواد خبرية ومواد رأي. والمواد الخبرية هي التى تنقل أخباراً إلى السامع، أو المشاهد أو القارئ. والأخبار هي وقائع أو أحداث وقعت يرى ناقلها أن فيها مايهم من ينقل لهم تلك الأحداث. ولكن الوسائط الاعلامية تنقل أيضاً مواد رأي، وهذه المواد لا تهتم بنقل حدث بعينه بل برأي مؤلفها في تلك الأحداث وهذا الرأي يتم وضعه في قوالب مختلفة أبسطها وأكثرها إنتشاراً هو السرد. وهذا يظهر في مقالات الرأي في الصحف والمجلات والتعليق على الأنباء، وبرامج الحوار في الإذاعات، والتلفزيونات، ولكن مواد الرأي تأخذ أشكالاً أكثر تعقيداً من ذلك حين يتم صبها في قالب فني كالرواية، والمسرحية المقروءة، أوالمقدمة على المسرح، والأفلام السينمائية، أو التلفزيونية. وهذه القوالب الفنية تحمل رأي كاتبها في أشياء مختلفة منها أحداث معاصرة، ولكنها لاتقدم نفسها بإعتبارها تنقل أحداثاً واقعية، بل بإعتبارها تحمل رأي صاحبها في تلك الأحداث. والفرق بين التقرير الخبري المصور، والعمل الفني، هو أن التقرير الخبري ينقل الوقائع كما حدثت، دون تدخل مباشر من منتج التقرير المصور، إلا في إختيار ما ينقله من أخبار. أما العمل الفني الذي يتناول أحداث معاصرة، فهو يعيد تمثيل تلك الاحداث بما يحمل تفسير صاحب العمل الفني لها، ويضيف إليها من خيال القائمين على إنتاجها مايدعم وجهة نظرهم، وهم إذ يفعلون ذلك، لا يقدمون عملهم بإعتباره تصوير لما حدث، بل يكون المشاهد على علم بأن ما يشاهده هو عمل فني يلعب فيه الخيال دوراً بغرض إقناع المشاهد بوجهة نظر معينة.

وأهم ما ينتج من فروق بين التقارير الخبرية، وبين الأعمال الفنية، هي أن الأعمال الفنية بها قيمة اكبر من مجرد سرد لأحداث وقعت، وهذه القيمة تأتي من إستخدام صاحبها لأساليب فنية تحتاج لموهبة ومهارات لا تتوفر لجميع الناس. وينتج عن ذلك فروق هامة، فصحة الوقائع في التقرير الخبري مطلوبة من ناحية الأخلاق المهنية، وأحياناً من الناحية القانونية، ولكن صحة الرأي ليست مطلوبة في العمل الفني، لامن ناحية الأخلاق المهنية، ولامن الناحية القانونية. وهذا لايعني أن مواد الرأي لاتخضع لأحكام قانونية تقيدها، ولكنه يعني أن هنالك فرق واضح بين القواعد القانونية التي تضبط النوعين.

المواد التي كدسها الإتهام تكديساً، ليست فيها مادة خبرية واحدة، وذلك يشمل المواد المصورة والمكتوبة على السواء. ولنبدأ بالأفلام السينمائية والتلفزيونية

أ. الأفلام السينمائية والتلفزيونية

فيلم إيقاع الانتنوف هو فيلم يحكي عن الموسيقى في جنوب كردفان، حيث يقوم عموم الناس بالتجمع لتمضية أول الليل في الموسيقى والرقص في موقع آمن يحميهم من القصف الجوي الذي تقوم به القوات المتحاربة، وهم يفعلون ذلك في إنتظار الغارات الجوية حتى لا يصابوا وهم نائمون. الفيلم في أغلب أجزائه عرض موسيقى لأغاني البنات، كما تم تطويرها في مناطق النزاع ،ويتعرض الفيلم أيضاً لموضوع الهوية كسبب للحرب، ويعرض رأي بعض المفكرين فيها .

الفيلم في مجمله يحكي رأي منتجه ومخرجه (حجوج) عن حياة الشعب في منطقة تشهد حرباً، وهو لا يدعي أنه ينقل وقائع خبرية ولكنه عمل فني يعبر عن رأي صاحبه . الغارات الجوية التي يصورها هي غارات مصنوعة، وليست حقيقية، وهي لا تحكي عن غارات معينة، إنما يهدف الفيلم إلى وضع المشاهد في جو الحرب الذي يقاومه الناس العاديون بالموسيقى والغناء والرقص . فهو عبارة عن عمل سينمائي به اخراج و ممثلين يقومون بادوار غير حقيقية، ليقوم بذلك المؤلف بايصال فكرته او رأيه للمشاهد. حتى وإذا نظرنا للفيلم من ناحية الموسيقى التي يعرضها نجد ان فيها بعض الاضافات للموسيقى الحقيقية التي يتم عزفها في المنطقة. أما بالنسبة لمشاهد القصف الجوي في الفيلم فهو قصف غير حقيقي قصد منه اضافة عنصر التشويق للفيلم، ولكي يعرض فكرة المخرج في دور المسيقى التي تبعث الامل في الاشخاص بصرف النظر عن المعاناة التي يعيشونها

قد نتفق أو نختلف مع رؤية حجوج في مسائل الحرب والهوية، ولكنه في النهاية مجرد رأي تمت صياغته في شكل فني قد تقبله أو ترفضه، ولكنه ليس تقريراً خبرياً باي حال من الأحوال.

الهجوم على دارفور هو فيلم روائي أيضاً من خيال مؤلف السيناريو يقول فيه كاتب السيناريو والمخرج والمنتج كل من زاوية إسهامه، رأياً حول الحرب في دارفور. وهذا الرأي أيضاً قد يتفق معه المشاهد أو يختلف معه. وقد يرى فيه جوانباً فنية تستحق المشاهدة رغم أنه لا يتفق مع وجهة نظر الفيلم في الأحداث، ولكن في كل الأحوال يظل العمل الروائي مجرد نسج خيالي يهدف لعرض وجهة نظرالمؤلف.

أما مجموعة افلام البغلة في الإبريق فهي برامج معروضة في اليوتيوب تحمل رأي الباقر العفيف، وهو مفكر سوداني معروف، حول مسائل سياسية. وهو أيضاً عبارة عن مادة رأي وليست مادة خبرية .

ب.المستندات والمطبوعات

حملت الوثائق والمستندات التي أمطرنا بها الإتهام عدداً من البوسترات، والمطبوعات، وبرامج التدريب، ولا صلة لأي منها بالأخبار أو بنشرها. وبلغ الإتهام درجة فقدان البوصلة عندما قدم مستنداً يدعو لشن حملة من أجل الغاء قانون الأمن، بإعتباره بينة ضد المتهمين. هل يعقل ذلك ؟!!! هل يتمتع الإتهام بأي قدر من الجدية ؟ وماذا في الدعوة لالغاء قانون الأمن الوطني ؟ هل المطالبة بالغاء أي قانون أو تعديله يشكل مخالفة لأي قانون ؟ يا ألطاف الله الم يقرا ممثل الإتهام عن اللجان التي كونها السيد وزير العدل لتعديل عدد من القوانين من ضمنها لجنة لتعديل قانون الأمن الوطني، والتي مازالت تمارس عملها؟ وقاهم الله من شر ما ينتظرهم فمن أين لهم أن يدروا أن مايؤدونه كخدمة لوطنهم هو فعل مخالف للقانون، ويدعو لمواجهتهم إتهامات جنائية تصل العقوبة فيها الى الإعدام؟!!

قد تكون كل هذه الاراء التي حملتها الأفلام والمستندات سالبة بالنسبة للسياسات التي تتبعها الحكومة، ولكن ذلك في حد ذاته ليس مخالفاً للقانون، بل هو ممارسة لحق دستوري في التعبير عن الرأي .

لايبدو أن الإخوة في الإتهام يصدقون أن النظام الذي نعيش في ظله هو نظام ديمقراطي تعددي، يقوم على التبادل السلمي للسلطة. ولو أعادوا قراءة الدستور لتبين لهم ذلك بوضوح، وهو الأمر الذي تدعمه تصريحات رئيس الجمهورية والوزراء يومياً.

إذا كان ذلك كذلك، فما بالهم يلاحقون الناس قضائياً فقط لأنهم يبدون رأياً سالباً في سياسات حكومتهم؟ وكيف هداك الله يمكن لنظام ديمقراطي تعددي أن يقمع الرأي المعارض دون أن يفقد صفاته الاساسية كنظام تعددي ديمقراطي.

النشر و الإذاعة:

لم يقم الاتهام باثبات ان المتهمين قد قاما بنشر او إذاعة اي اخبار و قد اكتفى بالاستناد على وجود المواد التى يزعم الاتهام نشرها على جهاز الحاسوب الخاص بالمتهم الثالث كما استند على الصورة التي وجدت من ضمن معروضات المتهمين التي يظهر فيها فيلم (ايقاع الانتنوف) معروضاً على بعض الاشخاص، من جهة فان هذا الفيلم متوفر على المواقع الاسفيريه و بامكان اي شخص ان يتحصل عليه، و ليس هناك اي جرم في حيازة هذا الفيلم. علماً بان المتهم الثالث لم يقم باعداده و ليست له اي علاقه به و لم يظهر فيه .

و من جهة اخرى فالصورة التي يظهر فيها عرض للفيلم في مكان ما، بحضور عدد من الاشخاص والتي زعم المتحري ان ذلك العرض كان داخل مركز تراكس، رغم أنه لا يعلم شيئا عن الصورة ولا مكان التقاطها، لا ينهض دليلاً على إثبات ان المتهمين ينشرون او يذيعون الفيلم ، فالصورة لا تظهر اين تم عرض ذلك الفيلم و لا علاقة المتهمين بالمكان أو بالعرض ولا الغرض من عرضه. حيث ان الاتهام لم يقدم اي بينة تثبت ان المتهم الثالث قد قام بعرض هذا الفيلم. أضف لذلك أن الفيلم ليس خبراً.

الركن المعنوي:

عليه و بانهيار الركن المادي للجريمة ينهار معها الركن المعنوي و ينعدم القصد الجنائي لتصبح المادة اعلاه غير مطابقة للاتهام بموجبها

عليه ولكل ما تقدم نلتمس شطب الاتهام في مواجهة المتهمين وفقا لهذه المادة

سابعا حقوق الإنسان

يبدو واضحاً أن دعوى الإتهام قامت على خلط كامل بين الحكومة والدولة، يقوم على أن أي موقف معارض أو مخالف لموقف الحكومة هوموقف مخالف للقانون ومهدد للأمن القومي. ولذلك فقد كان العثور على أي مستند يتحدث عن حقوق الإنسان يضئ إشارات تحذير بالنسبة للإتهام توهمه بأنه ضبط مسألة مخالفة للقانون وجديرة بالعقاب. وهذا المذهب ليس فقط غير سليم بل هو في واقع الأمر يشكل مهدداً للأمن القومي، لأنه يجعل الدولة تظهر وكأنها تدافع عن إنتهاكات حقوق الإنسان، وتأخذ موقفاً محرضاَ على إخفاء الإنتهاكات، وهو أمر غير صحيح فلا مصلحة للدولة أطلاقاً في السماح بإنتهاكات حقوق الإنسان، وإلا لما تبنت تلك الحقوق في دستورها، ولا عاقبت على إنتهاكها في قوانينها.

أ. الخلط بين السلطة والدولة

موضوع الخلط هنا يمكن إرجاعه للخلط في ذهن الإتهام بين العاملين في خدمة الدولة، وبين الدولة نفسها التي تهدف لصيانة حقوق الإنسان، ففي بعض الأحيان يتم إنحراف لا يقبله الدستور ولا القانون من الافراد الذين يشغلون مواقع في السلطة العامة. فأكثر الجهات إرتكاباً لإنتهاكات حقوق الإنسان هي السلطات العامة، فحقوق الإنسان لم تظهر إلا لمنع ممارسة السلطة العامة لسلطاتها بشكل متعسف. لذلك فحقوق الإنسان هي في الأساس حقوق في مواجهة السلطة العامة. فوثيقة الحقوق التي وضعتها تاريخياً الثورات في مختلف الدول، ورفعتها إلى مرتبة الحقوق الدستورية، يصفها توماس جيفرسون بأنها هى” تلك الحقوق التي يتمتع بها الشعب في مواجهة أي حكومة في العالم، وهى حقوق لا يجوز لحكومة عادلة أن ترفضها ” وفي الغالب تأتي الإنتهاكات من رجال تنفيذ القانون، حين يدفعهم حماس غير مبرر لتجاوز القانون، فيقومون بإجراء قبض أو إعتقال تعسفي، أو تفتيش مخالف للقانون. لذلك ففي كثير من الأحيان يجد المدافعون عن حقوق الإنسان أنفسهم بسبب طبيعة نشاطهم في مواجهة مع السلطات العامة حين تحاول بدون سبب مشروع حماية منتسبيها. وتتخذ المواجهة شكلاً أكثر حدة بالنسبة لمن يمارسون منهم الأنشطة المتعلقة برصد الإنتهاكات، والدعوة للخضوع للمحاسبة، وعدم الإفلات من العقاب. وفي الغالب يدفع هذا العداء، ما لم يتم إحتواؤه عن طريق رفع قدرات أجهزة تنفيذ القانون، بتدريسها مبادئ حقوق الإنسان، تلك الأجهزة إلى مزيد من الإنتهاكات ومزيد من مخالفة القانون. وأكثر الأمثلة للإشتباك بين المدافعين عن حقوق الإنسان وأجهزة تنفيذ القانون شيوعاً، هو محاولة منع نشاط المدافعين عن حقوق الإنسان عن طريق رفض تسجيلهم كمنظمات غير حكومية بغرض إفقادهم الشرعية في ممارسة نشاطهم، وهو الأمر الذي لا ينتهك فقط حرية المدافعين عن حقوق الإنسان في التنظيم، بل ينم عن قصر نظر الأجهزة التي تعمد لذلك، لأن فعاليتها لا تتحقق إلا بإحترام حقوق الإنسان.

ولكن إنتهاكات حقوق الإنسان لا تقتصر على أجهزة تنفيذ القانون، ففي أحيان كثيرة لا يمكن التعرف على مرتكبي الإنتهاكات، وذلك حين تتم بواسطة أشخاص مجهولين مثل الخطف والقتل خارج القانون، دون أن يكون متاحاً التعرف على أشخاص مرتكبي الفعل. كذلك ففي حالات النزاعات المسلحة داخل الدولة فكثيراً ما تقوم الحركات المسلحة سواء أكانت تسيطر على مناطق معينة أو لم تكن، بتصفية الخصوم أو إيقاع الأذى بهم، وحرمان المدافعين عن حقوق الإنسان داخل المناطق التي تسيطر عليها تلك الحركات من ممارسة نشاطهم.

ويمكن أيضاً لشبكات الإجرام أن تلعب دوراً في قمع المدافعين عن حقوق الإنسان، بالأخص بالنسبة لتلك المجموعات التي تدعو للشفافية، ومحاربة الفساد. وفي بعض الأحيان تقوم شبكات الإجرام المالية، حين تكون قد تمكنت من التغلغل في جهاز الدولة، بإستخدام سلطات الدولة بشكل غير مشروع في قمع المدافعين عن حقوق الإنسان، وهو الأمر الذي يجب معالجته كجزء من الإنتهاكات المسؤولة عنها مجموعات خارج الدولة، حتى ولو كانت قد تمكنت من إستغلال مواقع لها داخل جهاز الدولة في عمليات القمع.

ب. المدافعون عن حقوق الإنسان

هذا كله لا يدعو للقول بوجود حالة من العداء بين الدولة والمدافعين عن حقوق الإنسان فعلى العكس من ذلك فإن القانون الدولي الذي تخضع له الدولة يتبنى حقوق الإنسان ويدعو لتعزيزها. أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة الإعلان رقم 53/144 بتاريخ 9 ديسمبر 1998 المتعلق بحق ومسؤولية الأفراد، والجماعات، وهيئات المجتمع، في تعزيز وحماية حقوق الإنسان، والحريات الأساسية المعترف بها عالمياً. وهو الإعلان الذي ذاع وعُرف بإعلان حماية المدافعين عن حقوق الإنسان، والذي حدد نطاق إلتزامات الدولة تجاههم.

الإعلان يحتوي على سلسلة من المبادئ والحقوق التي تستند إلى معايير حقوق الإنسان المنصوص عليها في الصكوك الدولية الأخرى الملزمة قانونا، مثل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. علاوة على ذلك، فإن الإعلان تم إعتماده بتوافق الآراء في الجمعية العامة، وبالتالي فإنه يمثل التزاما قويا جدا من جانب الدول لتنفيذه، لأنها مجرد تكرار لأحكام ملزمة لها بموجب تعهداتها السابقة.

ج. من هو المدافع عن حقوق الإنسان؟

الشخص الذي يتصف بصفة المدافع عن حقوق الإنسان، والذي يجب أن يتمتع بالحماية التي اسبغها عليه الإعلان، في مفهوم المجتمع الدولي حسبما عبر عنه الإعلان، هو الشخص الذي يقوم بمفرده، أو مع غيره بتعزيز وحماية حقوق الإنسان. المدافعون عن حقوق الإنسان يمكن التعرف عليهم بما يقومون به من أعمال، وليس بما يطلقون على نشاطهم، أو على منظماتهم من أسماء. والأعمال التي تهدف لتعزيز وحماية حقوق الإنسان ليست قابله للحصر، وإن كان يمكن تحديدها من حيث النوع.

ولكن قبل الدخول في ذلك يجب التنويه إلى مسألتين: الأولى هي أن الإعلان الخاص بالمدافعين عن حقوق الإنسان يشجع الجميع على أن يصبحوا مدافعين عن حقوق الإنسان. المواد 10 و 11 و 18 توضح الخطوط العريضة لمسؤوليات الجميع من أجل تعزيز حقوق الإنسان، والحفاظ على الديمقراطية ومؤسساتها، وعدم إنتهاك الحقوق الإنسانية للآخرين. المادة 11 تحمل إشارة خاصة إلى مسؤوليات الأشخاص الذين يمارسون المهن التي يمكن أن تؤثر على الحقوق الإساسية للآخرين، كضباط الشرطة والمحامين والقضاة، الخ. بمعنى آخر فإن الإعلان لا يتطلب تنظيما معينا، ولا إعتراف من أي جهة لإكتساب صفة المدافع عن حقوق الإنسان بل هو يطلب من الجميع أن يقوموا بهذه المهمة.

والثانية هي أنه لا صلة بين الحماية التي يسبغها القانون الدولي على المدافع عن حقوق الإنسان، وبين صحة ما يتخذه من مواقف دفاعاً عن تلك الحقوق. فلا يشترط أن يكون موقفه صحيحاً بالنسبة للقضايا التي يتبناها، بل يكفي أن يكون هدفه هو الدفاع عن حق من حقوق الإنسان. لذلك فان تبنى المدافع عن حقوق الإنسان الدفاع عن حق شخص ما في التعبير عن رأيه، لا يتطلب صحة الرأي الذي يدافع عن حق صاحبه في التعبير عنه. موقف المدافع عن حقوق الإنسان كموقف المحامي، فهو لا يتبنى رأي من يدافع عنه بل فقط عن حقه في التعبير عنه

د. نوع الأعمال التي يقوم بها المدافع عن حقوق الإنسان

النشاط الذي يؤهل صاحبه لحمل صفة المدافع عن حقوق الإنسان، هو النشاط المتصل بحق أو مجموعة من حقوق الإنسان بحيث يهدف لتعزيز أو حماية ذلك الحق أو تلك الحقوق. وحقوق الإنسان بالنسبة للمجتمع الدولي تعني كل ما ورد في الوثائق الثلاثة التي أصبح يُطلق عليها تعبير القانون الدولي لحقوق الإنسان وهي: 1) الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، و2) العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، و3) العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والإجتماعية. وهذا يعني أن الشخص أو مجموعة الأشخاص المعني أو المعنيون، بأي حق من الحقوق الواردة في الوثائق الثلاث، ويمارس نشاطاً يهدف لتعزيز تلك الحقوق وحمايتها، هو بالنسبة للمجتمع الدولي من المدافعين عن حقوق الإنسان. والملاحظ ان كل هذه الحقوق قد تبناها الدستور. وعليه فإن المجموعات والأفراد المعنيون بمناهضة التعذيب، والقبض والإعتقال التعسفي، والتمييز بين الناس بسبب اللون، أو الجنس، أو الأصل، أو الدين، هم من المدافعين عن حقوق الإنسان بنفس القدر الذي يعتبر به من يقومون بمواجهة مشاكل الفقر، والبطالة، وشروط عمل النساء، من المدافعين عن حقوق الإنسان.

ومن أهم أوجه نشاط المدافعين عن حقوق الإنسان الدعوة لإصلاح القوانين التي تتصل بالحقوق والحريات العامة بغرض تحسينها، وجعلها متلائمة مع المستوى الدولي. كذلك يعتبر رصد المعلومات المتعلقة بإنتهاكات حقوق الإنسان، من أهم الأنشطة التي يزاولها المدافعون عن حقوق الإنسان. وهذه الإنتهاكات في الغالب تكون مخالفة للقوانين السائدة، مما يجعلها ترتكب في الخفاء، لذلك فإن رصدها وكشفها هو السبيل الوحيد لمعالجتها.

وأخيراً فبعض المدافعين عن حقوق الإنسان يعملون في مجال التعليم والتدريب بالنسبة للعاملين في تطبيق القانون، أو تنفيذه، كالقضاة، ورجال الشرطة، والأمن، وكذلك العاملين في مجال رصد إنتهاكات حقوق الإنسان وغير ذلك.

هـ .الإطار القانوني لعمل المدافعين عن حقوق الإنسان

وضعت الأمم المتحدة القواعد اللازمة لحماية نشاطهم بموجب الإعلان المعروف بإسم حماية المدافعين عن حقوق الإنسان الذي أجيز بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 35/144 بتاريخ 9ديسمبر 1998 والذي أكد من جديد أهمية مراعاة مقاصد الأمم المتحدة ومبادئها من أجل حماية وتعزيز الحريات الأساسية لجميع الأشخاص في جميع بلدان العالم. الإطار القانوني لعمل المدافعين عن حقوق الإنسان تحدده المادة الأولى من الإعلان حين تنص على أنه” من حق كل شخص ، بمفرده وبالاشتراك مع غيره ، ان يدعو ويسعى الى حماية وتفعيل حقوق الانسان والحريات الاساسية على الصعيدين الوطني والدولي” مقروءة مع المادة 3 من الإعلان ونصها “يشكل القانون المحلي المتفق مع ميثاق الامم المتحدة والالتزامات الدولية الاخرى التي تقع على عاتق الدولة في ميدان حقوق الانسان والحريات الاساسية، الاطار القانوني الذي ينبغي ان تجري فيه إعمال حقوق الانسان والحريات الاساسية والتمتع بها ، وتنفيذ جميع الانشطة المشار اليها في هذا الاعلان من اجل تعزيز تلك الحقوق والحريات وحمايتها واعمالها بشكل فعال” وهذا يعني أنه في حين أن القانون الوطني هو الذي يشكل الإطار القانوني لعمل المدافعين عن حقوق الإنسان، إلا أن ذلك القانون يجب أن يكون متوافقاً مع إلتزامات الدولة في ميدان حقوق الإنسان. وعليه فإن أي احكام في القانون الوطني من شأنها أن تعرقل نشاط المدافعين عن حقوق الإنسان، يجب أن تكون متفقة مع القيود الدولية والتي تتمثل أساساً في أن يكون نشاط المدافعين عن حقوق الإنسان نشاطاً سلمياً، وإلا فإن القانون نفسه يفقد شرعيته في نظر المجتمع الدولي. بشكل عام يجب أن تعترف القوانين الوطنية المنظمة لعمل المدافعين عن حقوق الإنسان بحقوقهم المتضمنة في الإعلان وأهمها حق الوصول دون عائق الى الهيئات الدولية المختصة وتنص المادة التاسعة فقرة 4 من الإعلان على أنه وتحقيقاً للغاية نفسها ( أي الافادة من الحماية أو سبل الإنتصاف الفعال في حالة انتهاك هذه الحقوق) يحق لكل شخص ، بمفرده وبالاشتراك مع غيره وفقاً للصكوك والاجراءات الدولية المنطبقة الوصول دون عائق الى الهيئات الدولية المختصة اختصاصاً عاماً او محددا بتلقي ودراسة البلاغات المتعلقة بمسائل حقوق الانسان والحريات الاساسية ، والاتصال بتلك الهيئات .

و. واجب الدولة تجاه المدافعين عن حقوق الإنسان

بالإضافة للواجب العام بضمان الحقوق المذكورة أعلاه، يضع الإعلان واجبات محددة على الدولة وهي الواجبات المذكورة في المواد 2 و 9 و 12 و 14 و 15 وتشمل مسؤولية الدولة عن حماية وتعزيز وإعمال جميع حقوق الإنسان وواجبها في ضمان ذلك. ويشمل ذلك:

التأكد من أن جميع الأشخاص الخاضعين لولايتها القضائية يتمتعون بجميع الحقوق والحريات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها في الممارسةالعملية؛

والقيام بالخطوات التشريعية والإدارية وغيرها التي قد تكون ضرورية لضمان التنفيذ الفعال للحقوق والحريات.

وتوفير سبل انتصاف فعالة للأشخاص الذين يدعون أنهم وقعوا ضحايا لانتهاك حقوق الإنسان؛

وإجراء تحقيقات سريعة ومحايدة في الانتهاكات المزعومة لحقوق الإنسان؛

و اتخاذ جميع التدابير اللازمة لضمان حماية الجميع من أي عنف أو تهديد أو انتقام أو تمييز ضار أو ضغط أو أي إجراء تعسفي آخر نتيجة لممارسته أو ممارستها المشروعة للحقوق المشار إليها في هذا الإعلان.

وتعزيز فهم الجمهور للحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛

وضمان ودعم إنشاء وتطوير مؤسسات وطنية مستقلة لتعزيز وحماية حقوق الإنسان، مثل أمناء المظالم أو لجان حقوق الإنسان؛

وتعزيز وتسهيل تدريس حقوق الإنسان في جميع مستويات التعليم النظامي والتدريب المهني.

يبدو لي من ما قدمه الإتهام من بينات هو أن أجهزة تنفيذ القانون لدينا ما زالت بعيدة تماماً عن إستيعاب دورها الذي يلقيه عليها المستوى الدولي، ليس فقط في الإمتناع عن الإسترابة في المدافعين عن حقوق الإنسان ومطاردتهم، بل على وجه الخصوص في مساعدتهم في أداء واجبهم، وعلى وجه أخص في أن يقوموا هم ــ أي أجهزة تنفيذ القانون ــ بأداء دورهم بإعتبارهم أحد أهم المدافعين عن حقوق الإنسان

نبيل أديب عبدالله، المحامي

https://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2015/12/judiciary.jpg?fit=300%2C151&ssl=1https://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2015/12/judiciary.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقMain Sliderوثائق ودراساتالعدالةلدى محكمة جنايات الخرطوم وسط محاكمة : خلف الله العفيف، ومدحت عفيف الدين مرافعة المتهمين الختامية السيد القاضي نيابة عن المتهمين أعلاه وبكل إحترام التمس إيداع المرافعة الختامية للمتهمين اعلاة ملتمسا شطب الدعوى والأمر بإطلاق سراحهما فوراً لما يلي من أسباب:- فشل الإتهام في تقديم أي بينة يمكن الإعتداد بها لإدانة المتهمين وسنناقش فيما...اخبار السودان , صحيفة الطريق السودانية