الموقف في جنوب السودان وصل مرحلة الخطر، وقد يقود الى تداعيات دولية بالغة الخطورة على هذه الدولة الوليدة، لأن العالم بأسره روعته الكارثة التي حلت بالمدنيين في أبيى والتي تجاوزت مستوى جرائم الحرب إلى مرحلة الإبادة الجماعية ذات الطابع العرقي، ولن يسكت عليها العالم خاصة وهي قد أعادت إلى  المجتمع الدولي ذكريات مذابح رواندا الشهيرة التي وقعت قبل عشرين عاماً ومازال المجتمع الدولي يحس بتأنيب الضمير تجاهها لأنه لم يتحرك في الوقت المناسب ليوقف تلك المأساة. أوجه الشبه عديدة بين أحداث رواندا وأحداث بانتيو، فالصراع اتخذ شكلا عنصريا بحتا إذ كان مقاتلو جيش النوير الأبيض يقتلون كل شخص ينتمي لقبيلة الدينكا في المدينة تماماً كما حدث في صراع رواندا حيث كان القتل على الهوية هو هدف كل حملة السلاح، ولكن وجه الشبه الثاني والأخطر فهو أنه ـ تماما كما حدث في رواندا ـ فان مسلحي النوير استولوا على الراديو المحلي وأذاعوا نداءات تحرض الجنود على القتل والإجهاز على الاعداء والاعتداء الجنسي على نساء الدينكا إذلالاً للقبيلة، وقد حمَّل المجتمع الدولي من قبل راديو رواندا مسؤولية التشجيع على ارتكاب تلك المجازر وهو الآن يرى أن جيش د.رياك مشار يسير في نفس الطريق، وفي كلتا الحالتين كانت الامم المتحدة موجودة على الارض، وشاهدة على ما يحدث، وعاجزة عن التدخل من أجل توفير الحماية.

لهذا السبب كان رد الفعل العالمي خلال اليومين الماضيين حاداً وشاركت فيه كل الدول الكبرى التي أدانت وشجبت مجازر بانتيو حيث كان السودانيون هم الهدف الثاني للجيش النويري وسقط منهم المئات من القتلى إضافة للجرحى والهاربين من أتون المعارك. لكن العالم لم يقف عند حد الادانة والشجب وإنما هدد بملاحقة المسؤولين عن هذه الجرائم وعدم السماح بإفلاتهم من العقاب وبدأت مشاورات بين عدة عواصم حول ما ينبغي عمله تجاه هذه المذابح المريعة.

السيد ريك مشار قد يكون متطلعا إلى حكم الجنوب وقد يكون على قناعة بأسطورة من أساطير النوير تتنبأ له بالوصول لهذا المنصب، ولكن سيكون من العسير عليه أن يصل اليه خائضاً في بحر من الدماء، وقد تنهار دولة الجنوب قبل ان يجد الفرصة ليحقق طموحاته لأن المجتمع الدولي يتعامل الآن مع الجنوب بحسبانه دولة اقتربت من حافة الهاوية بسبب هذه الممارسات اللا إنسانية ويحمله هو وجنوده المسؤولية الاولى في هذه الاحداث حسب شهادة الامم المتحدة.

والناس لا ينسون أحداثا مماثلة ومجازر مماثلة ارتكبتها نفس قوات رياك مشار عام 1991م عندما اجتاحت مدينة بور واستهدفت آلاف الدينكا وأودت بحياتهم ونهبت أبقارهم، وهي مجازر فظيعة اعتذر عنها رياك مشار علناً في مرحلة لاحقة. وبالمقابل فإن مليشيات النوير ورياك مشار لا ينسون ان جنود سلفاكير ارتكبوا مجازر مماثلة بالنسبة للنوير في مدينة جوبا إثر صراع ديسمبر الماضي، وهم يعتبرون العنف الذي يمارسه الجيش الابيض ردة فعل وأخذ بثأر ضحايا أحداث جوبا.

هذا يعني أن دولة الجنوب دخلت دورة الحرب المتطاولة للأخذ بالثأر بين أكبر قبيلتين في الدولة، وأن الصراع السياسي حول السلطة قد تم تحويله الى حرب قبلية كارثية ترتكب خلالها انتهاكات خطيرة وجرائم حرب وحرب إبادة على أوسع نطاق. وقد تكون أمام الامم المتحدة فرصة أخيرة في محاولات الحل السلمي لكنها لا تستطيع أن تحمي دولة الجنوب طويلا إذا تواصلت هذه الاحداث خاصة  وأن كل المؤشرات تفيد بأنها ستتواصل وذلك قد يقود إن عاجلا أو آجلا الى تدخل عسكري إقليمي في الجنوب لفرض السلام وحراسته رغم صعوبة وخطورة هذه المهمة.

محجوب محمد صالح 

حرب الإبادة تهدد مستقبل دولة الجنوب !https://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy.jpg?fit=300%2C156&ssl=1https://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقآراء وتحليلاتجنوب السودان الموقف في جنوب السودان وصل مرحلة الخطر، وقد يقود الى تداعيات دولية بالغة الخطورة على هذه الدولة الوليدة، لأن العالم بأسره روعته الكارثة التي حلت بالمدنيين في أبيى والتي تجاوزت مستوى جرائم الحرب إلى مرحلة الإبادة الجماعية ذات الطابع العرقي، ولن يسكت عليها العالم خاصة وهي قد أعادت إلى ...صحيفة اخبارية سودانية