الدكتور حيدر ابراهيم علي، مدير مركز الدراسات السودانية، مفكر وباحث ومؤلف سوداني بارز، له العديد من الإسهامات الفكرية والمؤلفات القيمة في التغيير الإجتماعي والتنمية والإسلام السياسي والمجتمع المدني.

أسس حيدر، مركز الدراسات السودانية وترأسه، قبل أن تغلقه السلطات السودانية، العام الماضي. لينقل نشاطه خارج السودان.

(الطريق) حاورته في هذه المساحة حول عدد من القضايا، فإلى مضابط الحوار:

– دكتور حيدر، برأيك لماذا يصر النظام على إجراء الانتخابات في هذه الظروف، بالرغم من مقاطعة القوي الرئيسية؟

= هذا نظام شمولي ومتخلف حتي في شموليته، لأنه لا يضع أي اعتبار لشعبه ولا يحترمه.فهو يعتقد أنه لم يأت بإرادة شعبية ولم تحمله للسلطات صناديق الانتخابات، فليس لهذا الشعب عليه أي فضل حتي يرجع له في مثل هذه الأمور أو يسمع لاحتجاجاته أو يعبأ بمقاطعته للانتخابات. مشكلة النظام أنه ظل لمدة أكثر من ربع قرن يبحث عن الشرعية والخروج من حقيقة أنه ولد سفاحا. فقد ظل يجرب منذ اللجان الشعبية، وقانون التوالي، واتفاقية السلام الشامل، والتعديلات الدستورية. كل هذا لن يغير من  حقيقة كونه جاء عن طريق الانقلاب ثم اضيف لذلك أنه مطارد دوليا بجرائم ضد الانسانية وإبادة جماعية.

  في الانتخابات السابقة عام2010 مررت الدول الغربية نتائج الانتخابات بكل انتهاكاتها وعوارها، لكي تستفيد من النظام في تنفيذ اتفاقية السلام. وتآمر الغرب “الديمقراطي” بحكوماته ومجتمعه المدني: الاتحاد الاوربي ومركز كارتر، ولكن هذه المرة تجاهلوه تماما.

وهو فقد الغرب الذي يهمه أن يعطيه شهادات حسن السير والسلوك في قضايا الديمقراطية وحقوق الانسان. هذه انتخابات عبثية تأتي في لحظات الاحتضار.

– برأيك ما هي خيارات المعارضة السودانية لمواجهة العملية الانتخابية؟

= للمعارضة خيار واحد وليس خيارات وهو مقاومة الانتخابات وليس مقاطعة الانتخابات. والفرق هو أنه في حالة المقاطعة لا يذهب المواطنون لصناديق الاقتراع. وهذا ما يريده النظام، لأن مفوضية “الأصم” جاهزة بأوراقها للقيام بملء الصناديق.

أما المقاومة فهي تعني قيام الانتخابات أصلا بهذه الشروط التي يريد النظام فرضها. وعلي المعارضة كل وسائلها المدنية لوقف تزوير ارادة الشعب. تجربة المرة السابقة في المقاطعة كانت بائسة ولم تؤثر علي النظام وهذا ما جعله يكرر تحديه للمعارضة. في انتخابات عام1965 طالب الشيخ (علي عبدالرحمن) زعيم حزب الشعب الديمقراطي: “مقاومة الانتخابات بقوة”. وحدثت اشتباكات مسلحة في خشم القربة، وقدم للمحاكمة بتهمة التحريض علي استعمال القوة، فكان رده أنه قال بقوة وليس بالقوة، والقرآن نفسه قال: “خذ الكتاب بقوة”. ونحن نريد من المعارضة أن تقاوم الانتخابات القادمة بقوة.

– ترى لماذا يصر الترابي على مواصلة الحوار مع المؤتمر الوطني بالرغم من مواصلة النظام لمنهاجه  القديم؟

= الترابي لايصر على “حوار وطني”، ولا يهمه الوطن كثيرا، فهو قد وجد الفرصة للتعامل مع البشير وحزبه بلا حرج، لإعادة توحيد الحركة الإسلامية. لأنه بعد الضربات التي تلقاها تيار الاسلام السياسي في المنطقة – حتي السعودية ودول الخليج – يعتبر الترابي أنهم في السودان يمكن أن يكونوا الورثة الوحيدون وأن يكونوا الخيمة الأخيرة للأخوان المسلمين في المنطقة.

الأمر الآخر والأهم، هو أن هذا “المنهاج القديم” الذي تتحدث عنه قد وضعه وهندسه وكرسه الترابي نفسه حتي عام1999. فما الغرابة في ذلك؟ ما أحلي الرجوع اليه.

– برأيك هل التجربة الاسلامية السودانية ستنتهي مثل نهاية الانظمة التي توصف بالعلمانية التي  قام عليها “الربيع العربي”؟

= في البداية علينا أن نكون دقيقين في استخدام المفاهيم والمصطلحات، أين هذه العلمانية المزعومة؟ لم تتضمن مواد أي دستور عربي بعد2011 أي إشارة لفصل الدين عن الدولة أو عن السياسة، صراحة كي نصفها بالعلمانية.

ثانيا النظام سينتهي حتما بطريقة أشنع من النظم العربية الاستبدادية، ولكن سيترك لنا ركاما ولا استطيع التنبوء بالبديل. فقد عمد النظام على القول : أنا وبعدي الطوفان. فهو سيترك أزمة اقتصادية خانقة واقتتال مسلح في كل البلاد، وانحلال اخلاقي كاسح، ونظام تعليمي يفرخ الجهل بشهادات، وإعلام هابط.

– لماذا نجح الغنوشي في تغيير طريقة طرحه السياسي وقبوله ان يكون التيار الاسلامي ضمن القوى السياسية متشاركا في السلطة فيما مايزال الترابي يتخندق في أفكاره القديمة حول إقامة الدولة الاسلامية بشكلها الراديكالي؟

= نجح الغنوشي لأنه في تونس (الحبيب بورقيبة) والذي قام – رغم دكتاتوريته- بوضع أسس لدولة ومجتمع حديثين. فقد ترك جهاز خدمة مدنية علي النمط الفرنسي، وأحدث ثورة حقيقية في التعليم الحديث، وأصدر مجلة الأحوال الشخصية التي ساوت المرأة بالرجل. كل هذه مكتسبات ثابتة لن يستطع تجاوزها أو الغاءها. أما الترابي فوجد مجتمعا هشا ومتنافرا فاستخدم سلاح الدولة القمعي في تغييره و”اعادة صياغة الانسان السوداني”. ففي سنوات قليلة تحجبت النساء وامتلات الشوارع برجال ذوي جلاليب قصيرة ولحي طويلة ومسابح متدلية قرب الارض. الأمر الآخر يخص الغنوشي نفسه فقد استفاد من لجوئه في بريطانيا ورفض المكوث في السودان رغم منحه جواز سفر دبلوماسي سوداني. وهناك علم نفسه وانفتح علي التجربة الديمقراطية. كما أن الرجل متواضع ومؤدب وبالتالي يمكن أن يستمع للآخرين ويتعلم.

– قلت في إحدى مقالاتك  إن “المشهد السياسي السوداني ظاهريا، يأخذ شكل الكوميديا السوداء، ولكنه في حقيقة الأمر تهيئة المسرح لعنف يجرف كل شئ”… هل العنف الشامل في البلاد أصبح هو المصير الذي ينتظر السودانيين؟

= نعم، هناك حالة استخفاف ولاجدية وسوء تقدير يجرف الجميع. يضاف لذلك حالة الاحباط واليأس والبحث عن الحلول الفردية.

– كيف تنظر للتعديلات الدستورية التي جرت مؤخرا، وما يتعلق بصلاحيات جهاز والمخابرات وتحويله إلى نظامية توازي الجيش؟

= التعديلات هي تحصيل حاصل لأن كل هذه الصلاحيات كان يمارسها جهاز الأمن. اسميتُ النظام السياسي الحالي (الأمنوقراطية) وقصدتُ بذلك أن جهاز الأمن هو الذي يحكم فعليا، فهو الدولة والحزب والبرلمان وكل شيء. ليست فوقه سلطة توقف ممارساته. في الدول التي نقول عليها قمعية وأمنية، يساعد جهاز الأمن في قمع الناس. ولكن في السودان يعمل جهاز الأمن لحسابه الخاص ويقول مثل (لويس الرابع عشر) : أنا الدولة. فلا جديد في التعديلات.

–  هل يمكن تطوير “نداء السودان” ليكون منبرا موحدا للقوى المعارضة؟

= نعم شرط أن ينزل من صفحات الجرائد وشاشات القنوات الفضائية ومقاعد الطائرات الي شوارع السودان. نريد أن نري “نداء السودان” متجمهرا في ميدان أبوجنزير وميدان عقرب وحوش الخليفة وكوبر ولقاوة والقضارف وزالنجي والمناصير. هنا يتحول لمنبر موحد لقوى المعارضة.

– هل القوي الشبابية ما تزال لديها القدرة في إحداث تغيير أم ان الواقع أكبر من قدراتها؟

 = للشباب قدرات وامكانيات هائلة ولكن مشكلتهم أنهم يتخذون جيلنا مثلا أعلى فيقلدونهم في الخلافات والتشرذم والانقسامات والشللية والاستلطاف وعدم الاستلطاف. لذلك تكونت عشرات التنظيمات والائتلافات رغم أن الهدف واحد علي الأقل في هذه المرحلة. وحدة القوى الشبابية هو سلاحهم في التغيير.

– تمر هذه الايام ذكرى اعدام المفكر محمود محمد طه هل السودان تجاوز مرحلة محاكمة انسان بسبب المعتقد أو الفكر ؟

= يمثل إعدام الاستاذ محمود عار مقيما لنا كسودانيين أن نكون الدولة التي تعدم انسانا بسبب افكاره في فجر القرن الحادي والعشرين. لقد ساءت أوضاع الحريات ليس من قبل الدولة فقط بل من مجموعات مهووسة ومتاجرين بالدين وهيئات مشبوهة تريد فرض مخططات تعصبية ليست وليدة الاسلام السوداني الصوفي المتسامح.

– سبق وأن قلت ان “الخطاب القومي لدى الحركات المسلحة مايزال ضعيف”.. هل هذا قد يتطور لمشاريع انفصالية جديدة ؟

= الحركات الاقليمية المسلحة مُطالَبة بتجديد خطابها السياسي لكي تتمكن من مواجهة النظام ليس عسكريا فقط بل فكريا وسياسيا ايضا. فالنظام باع للكثيرين أن هذه الحركات موجهة لأولاد البحر المسلمين العرب. فهو يلعب بالنعرات العنصرية والقبلية لشق صفوف القوى المعارضة له. وهذا الأمر لايقف عند حد الخطاب النظري بل لابد من عمل يومي مشترك يجمع ابناء وبنات كل السودان. فقد لاحظت غياب هذا التوجه في الجامعات والمعاهد العليا بسبب انتشار الروابط الاقليمية. الحركات المسلحة هي في الواقع امتداد لقوى مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية والتي انتظمت البلاد منذ نهاية اربعينيات القرن الفائت.

حوارات الطريق

الدكتور حيدر ابراهيم لـ(الطريق) :الإنتخابات عبثية ويجب مقاطعتها بقوةhttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2015/01/haider-300x278.jpeghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2015/01/haider-95x95.jpegالطريقحواراتالأزمة السياسية في السودان,الانتخاباتالدكتور حيدر ابراهيم علي، مدير مركز الدراسات السودانية، مفكر وباحث ومؤلف سوداني بارز، له العديد من الإسهامات الفكرية والمؤلفات القيمة في التغيير الإجتماعي والتنمية والإسلام السياسي والمجتمع المدني. أسس حيدر، مركز الدراسات السودانية وترأسه، قبل أن تغلقه السلطات السودانية، العام الماضي. لينقل نشاطه خارج السودان. (الطريق) حاورته في هذه المساحة حول...صحيفة اخبارية سودانية