ينقسم الناس في مدينة أوسيف، شمال شرقي السودان، إلي فريقين؛ قليلون يحدثونك عن الوطنية وتمسكهم بالبقاء في أوسيف برغم قسوة العيش، وكثيرون هاجروا نحو الجانب الآخر من الحدود بحثاً عن فرص أفضل، وخدمات مجانية.

وأوسيف التي تبعد حوالي 50 كيلومتر جنوب مثلث حلايب، كانت وجهة سكان المثلث، بمدنه الثلاث ( حلايب، أبو رماد، وشلاتين)، عندما دخله الجيش المصري في العام 1995م، فنزح الكثير من سكان تلك المدن نحو  المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة السودانية، جنوب خط عرض 22، واستقروا في أوسيف، على أمل العودة إلى مناطقهم بعد انسحاب القوات المصرية.

لكن بعد 19 عاماً من الوجود المصري في مثلث حلايب، بدأت هجرة من نوع آخر، من أجل البحث عن خدمات وظروف حياة أفضل.

هجرة عكسية

يروي سكان أوسيف، ان مدينتهم انتعشت مطلع التسعينات، عندما هاجر إليها سكان مثلث حلايب هرباً من تهجم القوات المصرية، لكنها الآن تشهد هجرات عكسية،”إزدهرت مدينتنا عقب دخول الجيش المصرى لمدن مثلث حلايب، إذ هاجر إليها معظم أهلنا الذين كانوا يقطنون هناك، لأن الجيش المصرى كان يعاملهم بقسوة ويزج بهم فى السجون والمعتقلات “. يقول عثمان، وهو من قدامى سكان أوسيف.

ويضيف،”عنف القوات المصرية دفع سكان حلايب للهجرة فى أوسيف، والبقاء فيها، حيث وفرت لهم الأمن وسهولة تحركهم داخل الأراضى السودانية، بالإضافة إلى وجود بعض فرص العمل التى كانت تدر عليهم دخلاً معقولاً”.

لكن الأمر تبدل الآن، وبحسب عثمان فإن “هجرات عسكية مكثفة بدأت من أوسيف نحو مثلث حلايب – الواقع تحت السيطرة المصرية- بسبب الخدمات التى توفرها الحكومة المصرية هناك، والتى تنعدم تماماً هنا في أوسيف”.

البحث عن الخدمات

يروي الناس هنا في أوسيف، ببالغ الإستياء عن انعدام الخدمات الأساسية ، وعن إهمال الحكومة السودانية، ما دفع العديد منهم لمغادرة أوسيف والهجرة نحو مثلث حلايب الواقع تحت السيطرة المصرية.

ويشكو سكان أوسيف من انعدام أبسط احتياحاتهم الأساسية: ماء الشرب، ويقول مواطنون ان برميل الماء يصل سعره إلى (50) جنيهاً في أوقات الصيف، و(15) جنيه في بقية الأيام.”الحكومة السودانية فشلت فى توفير المياه للمواطنين بسبب الأعطال الكثيرة التى تعاني منها محطات تحلية البحر وعدم القدرة على حلها”، يقول أحد المواطنين.

ويضيف،” لا وجود لخدمة الكهرباء، وتتوفر فقط في المؤسسات الرسمية ما بين الساعة السادسة صباحاً وحتي الحادية عشر مساء”.

ويقول، “تنعدم خدمات الرعاية الصحية، ويخلو مستشفى أوسيف من الأطباء الإخصائيين تماماً، الأمر الذى يجبر سكانها للسفر إلى بورتسودان لتلقي العلاج”.

وفي المقابل، يوفر الجانب المصري لسكان مثلث حلايب كافة الخدمات الأساسية، و”لاتوجد مقارنة بين الخدمات التى يجدها المواطن داخل مدن المثلث(الذي تسيطر عليه مصر) وبين مايجده فى محلية حلايب (السودانية)، الأمر الذي دفع أكثر من نصف سكان أوسيف والمناطق الأخرى فى المحلية إلى النزوح إلى داخل المثلث فى السنوات الأخيرة “، يقول أبو محمد- أحد سكان أوسيف ويعمل تاجراً بالمنطقة.

ويضيف أبو محمد، في حديثه لـ(الطريق) ” إذا إستمر الوضع على هذا المنوال لعامين قادمين ربما لن تجد سوى الموظفين الحكوميين فى أوسيف، لأن الواقع لايغري المواطن العادي بالبقاء وهو يرى أهله فى الجانب الآخر يعيشون فى وضع مختلف”.

إغراءات مصرية

يقول سكان مثلث حلايب – الواقع تحت سيطرة الحكومة المصرية- انها توفر لهم مساكن مجهزة بجميع الخدمات الأسياسية من مياه وكهرباء بدون مقابل، بالإضافة إلى توفير خدمات الرعاية الصحية والتعليم المجاني.

وتقدم جهة تسمى (الشئون الإجتماعية) معاشاً شهرياً لكل الأشخاص الذين تجاوزوا الستين من العمر، بجانب تقديم مبالغ مالية للشباب غير العاملين، ومصروف يومي لتلاميذ المدارس.

وعلمت (الطريق) أن السلطات المصرية تمنع دخول المواطنين عبر بوابة (قباتيت) على خط (22) بطريقة رسمية، لكن المواطنون يتسللون إلى داخل المثلث عبر منافذ أخرى، وتستقبلهم الحكومة المصرية داخل مدن المثلث وتسجل أسماءهم بسجلاتها، ومن  ثم تمنحهم بطاقة مواطَنة مصرية.

وعلى الرغم من الإهمال الذي تعيشه أوسيف، إلا ان هنالك قليلون فضلوا البقاء،” أعتز بسودانيتي، وآمل أن تتغير الأوضاع إلى الأفضل”، يقول علي- أحد سكان أوسيف الذين آثروا البقاء في مدينتهم. ويضيف،” أتمنى أن تلتفت الحكومة السودانية لمواطنيها فى محلية حلايب مقابل الإغراءات التي يجدونها من المصريين”. وعلى الرغم من تسمكه بالبقاء في أوسيف، إلا ان علي لايضمن ماذا سيحدث غداً،” إذا لم يتغير هذا الوضع سوف تكون كل الخيارات مفتوحة أمامي “، يقول علي.

تقصير سوداني

يرمي المسؤولون بمحلية حلايب – السودانية – اللوم على الحكومة المركزية، ويتهمونها بالتقصير في توفير الخدمات لمواطنيها، وقال مسؤول بمحلية حلايب – طلب عدم ذكر اسمه- لـ(الطريق)،”نحن غير راضون عن الخدمات التى تقدمها المحلية مقابل مايجده المواطنون داخل المثلث الواقع تحت السيطرة المصرية، لكن هذه مسئولية الحكومة المركزية التي يجب عليها مراعاة طبيعة المحلية وخصوصيتها فى ظل صراعها مع الدولة المصرية حول سيادة الأرض”.

وأضاف المسؤول،”على الحكومة السودانية إنشاء مفوضية تتبع لرئاسة الجمهورية مباشرة، مسئوليتها تنمية محلية حلايب و توفير الخدمات ومصادر الدخل للمواطنين حتى يقوى إرتباطهم بالدولة السودانية “.

مستشفي اوسيف
مستشفي اوسيف

أوسيف – الطريق

حلايب و صراع السيادة.. مصر تجذب آلاف السودانيين بالخدمات المجانيةhttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2015/01/osaf1-300x192.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2015/01/osaf1-95x95.jpgالطريقتقاريرحلايب,شرق السودانينقسم الناس في مدينة أوسيف، شمال شرقي السودان، إلي فريقين؛ قليلون يحدثونك عن الوطنية وتمسكهم بالبقاء في أوسيف برغم قسوة العيش، وكثيرون هاجروا نحو الجانب الآخر من الحدود بحثاً عن فرص أفضل، وخدمات مجانية. وأوسيف التي تبعد حوالي 50 كيلومتر جنوب مثلث حلايب، كانت وجهة سكان المثلث، بمدنه الثلاث (...صحيفة اخبارية سودانية