سمية المطبعجي ،
سمية المطبعجي ،

مطلع الاسبوع الحالى اطلق الاتحاد الأوروبى حملة “القلب الأزرق” فى السودان لمكافحة الإتجار بالبشر، وهى حملة دولية اطلقت من قبل مكتب الأمم المتحدة المعنى بالمخدرات والجريمة UNODC فى محاولة للفت انتباه العالم وإلباسه قلب بلون الأمم المتحدة رمزا للتعاطف والمساندة لأناس جردهم الاسترقاق الحديث من كرامتهم وانسانيتهم ولتعريف المجتمعات بقضيتهم.

وكان اول انطلاقة للحملة فى العام 2010 وانضمت اليها تباعا العديد من دول العالم. سفير الاتحاد الأوروبى بالخرطوم توماس يوليشنى عبر فى نشرة معممة عن ان اطلاق الحملة بغرض زيادة الوعى بجريمة اإتجار بالبشر ومكافحتها باعتبارها انتهاكا خطيرا لحقوق الإنسان وسلب لكرامته ويأمل ان يساند كل السودانيين والمسئولين وقادة الرأى والفاعلين فى تعزيز الحملة.مثمنا دور السودان فى اصدار مشروع قانون من المجلس الوطنى واستضافة مؤتمر اقليمى فى اكتوبر الماضى.

ونتساءل ما هى أدوات الحملة التى انطلقت ومن الشركاء الفعليين فيها ؟ هل هم الرسميين من الحكومة والبعثات الدبلوماسية والمنظمات الأممية التى ناقشت القضية فى غرف مغلقة فى الخرطوم وخرجت بإعلان معمم وألحقته بآخر فى روما دون الخروج بتفاصيل تبين حجم وخطورة المشكلة فى السودان ؟ ويتم كل ذلك بعيدا عن مشاركة فعلية للمجتمع المدنى ووسائل الإعلام كداعمين اساسيين للقضية.

ولماذا التركيز فى الغالب على جنسيات الضحايا من الدول المجاورة باعتبار السودان معبر دون إعتباره معبرا ومصدر فى آن واحد، ودون تركيز على اعداد مقدرة من السودانيين ضحايا لعصابات متعددة الجنسيات فى ظل الظروف الإقتصادية والأمنية التى تواجه الغالبية.

 فقد كشف استطلاع للرأي العام أجراه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة، أن 54 في المئة من السودانيين يرغبون في الهجرة الى خارج البلاد. كما يقول الاستطلاع ان 79% من الراغبين يأتي دوافع هجرتهم لتحسين الاوضاع المعيشية، و5% لاسباب امنية، و 4% لاسباب سياسية. ويحتل السودان بذلك المرتبة الأولى من بين 14 دولة عربية شملها الاستطلاع. فى الوقت الذى اعلنت فيه الامم المتحدة فى تقريرها قبيل يومين عن انتعاش تجارة الرقيق الأبيض ووصل عدد ضحايا الإتجار بالبشر فى العالم الى 2 مليار شخص.

ولندرك ان قلوب كل السودانيين ستصبح زرقا عندما تتوافر المعلومة و تتشابك الجهود الرسمية والدولية والمدنية معا ..عندما تتفهم الأسرة أن نوعا من الإتجار متمثلا فى عبودية الدين او الاستعباد اللا ارادى يقع على “دندش” القادمة من إريتريا وتعمل بالمنزل ويجبرها مخدمها على عدم مغادرة موقع العمل الا معه بنهاية الاسبوع الذى يتسلم فيه هو الأجر عن عمل لم ينجزه سواها… وعندما تدرك الحاجة فاطمة انها تمارس نوعا من السخرة والاستعباد اللاإرادى بتسخيرها “آدم” المستقدم من أراضى بعيدة منذ نعومة أظفاره وتستخدمه عاملا بالمنزل لقاء أكل وشرب مأوى فى ايهام له بالتفضل عليه … وعندما تضطلع منظمات المجتمع المدنى بدورها تنويرا تجاه المواطن ومنفذ أمان يمكن أن يلجأ اليه الضحايا… وعندما يكون الشرطى فى المخفر متفهما للقضية ويتعامل مع اولئك الأشخاص كضحايا، وفى المقابل فإن تفكيرهم فى الشرطة يعنى الأمان والحماية وليس الخوف والهروب… وعندما يستوعب الكل ان إستعبادا وسخرة تمارس ضد الكثير من اطفال يزاولون التسول نهارا بليل مدفوعين من قبل عصابات منظمة قبل ان تعين لهم شرطة خاصة لمكافحة التسول.

 وفوق هذا وذاك عندما تقوم الحكومة بدورها بإتاحة مجانية التعليم والعلاج ومعالجة البطالة وتوفير الأمن والسلام  .. وعندما تفرض سلطة القانون بمعاقبة الجناة وتمكين قوانين العمل للمهاجرين والمحليين معا وتكون عينا وضابطا لمكاتب الإستخدام والإستقدام التى ملأت الشوارع والأزقة… وعندما تفتح نوافذ لمشاهد  تحكى ماضى أكثر بؤسا من الحاضر دفع بهؤلاء ممن لا يتطلعون الى مستقبل او يخططون له  بالقفز فى ظلام قد تكون فيه نهايتهم.

الإتحاد الأوروبى أراد فتح احدى تلك النوافذ عندما دشن حملته بالفيلم الوثائقى ” هذه ليست حياتى” من انتاج وإخراج روبرت بلهيمر حول الإتجار بالبشر، والذى استغرق انتاجه أربعة أعوام غطت13 دولة  “البانيا،البرازيل،كمبوديا،مصر،غانا،غواتيمالا،الهند،ايطاليا،نيبال،رومانيا،السينيغال،يوغندا والولايات المتحدة”. إستعرض الفيلم تجارب اشكال متعددة للعبودية الحديثة التى تمارس على نطاق واسع فى انحاء العالم ،عاكسا صورا بشعة من الإساءة للأطفال ممن ارغموا على العمل  قسرا لساعات طوال، وضحايا البغاء من نساء واطفال لا تتعدى اعمار بعضهم الست سنوات- التجنيد القسرى غيرها من الأشكال التى تعكس واقعا صادما… واقع هو بيننا دون أن يدرى به البعض، خرج ابطاله من وسطنا ليجسدوا قصصا يحكيها الرواة وتتشابك فيما بينها لتعكس مشهدا متكاملا.

 قصة صحيفة “الصن داى تايمز” رسمت الفصل الأخير من حياة قد تكون لـ”دندش”و “آدم” اللذان كانا بيننا. عندما تراص حوالى 520 من البشر ليغطوا كل بوصة من قارب متهالك يعود لمجموعة تمثل الحلقة الأخيرة من سلسلة منظومة إجرامية، جددت استنزاف يائسين بأخذ 1600 دولار عن كل “رأس” لرحلة فى أتجاه واحد هى الأخيرة كيف انتهت. انطلقت الرحلة من ميناء طرابلس بليبيا التى هى من بين 3 دول فى المحيط العربى لم تضع قانونا يناهض الاتجار بالبشر. كانت الوجهة لامبيدوزا، الجزيرة الصغيرة التى تقع قبالة صقلية بايطاليا والتى تعد البوابة الى اوروبا. عشرات الساعات من الإعياء والخوف.. ولكن هاهو الأمل يبرق من على البعد عدنما لاحت شواطئ لامبيدوزا .الكل تناسى الخوف والعناء وسيطر امل حياة جديدة فى أرض الميعاد .حلم قطعه توقف انين ماكينة القارب الصدئة بنفاذ الوقود…هرج من هلع أفقد القارب المثقل توازنه لتنكب مئات الأجساد فى مياه البحر مختتمة مئات القصص عن مأساة الإنسانية والكرامة عن أرض الفقر الإستبداد.

الفتى العشرينى من الناجين المائة غطت حكايته فصلاً آخر من قصص حياة تشابهت.. هايلى قال انه قدم الى السودان هربا من التجنيد والخدمة العسكرية القسرية فى اريتريا فضلا عن ضيق المعيشة مثل الكثيرين من اقرانه، بمساعدة والديه اللذان يوقنان انه ذاهب الى غير رجعة.

كان وصوله الخرطوم محفوفا بالألم والجوع والمخاطرة فهو يعلم انه ربما يتعرض للاختطاف او الأعتقال من قبل السلطات ليعاد الى الجحيم مرة أخرى، ليبدأ رحلة معاناة تجميع المال التى تستلزم سنوات قد تصل الى اربع فالرحلة فى مجملها تكلف 6000 الف دولار للفرد. فقد كانت وجهته طرابلس التى ينتقل منها الى بوابة اوروبا، عبر صحراء الشمال الى ان عبر نحو طرابلس حيث تم اعتقاله. فى ليبيا تتجسد معاناة اخرى من السجن والخطف واغتصاب الفتيات والموت جوعا وتعذيبا. هايلى لم يطلق سراحه الا بعد دفع 1000 جنيه ليكمل مسيرة الدفع لرحلة الموت تلك 1600 دولار.

وعلى شاطئ لامبيدوزا كان كوستانتينو الصياد الذى انقذ نحو 11من ضحايا القارب منهم محمد الذى لا زالت تطارده اصوات وصور ما قبل الغرق لغير الناجين حين اضطر للسباحة والبقاء فى المياه الباردة لخمس ساعات ..كان البعض يصيح “لا استطيع السباحة” وآخرون يحملون ابناءهم ولكن لم يتمكنوا من الصمود ليغوصوا امامه تحت المياه.. كوستانتينو من بين من انقذهم فتاة قاربت على الهلاك وكان الديزل يغطى وجهها.. حرص على اخراجها ولازمت المستشفى قبل اختفاءها لتغوص مع  الكثير من المهاجرين غير الشرعيين فى اوروبا وتتلغفها من جديد أيادى المتاجرين بالرقيق الأبيض.. وتكتمل الحلقة.

حكاية سودانية خالصة فى فيلم من انتاج مجلس الأفلام البريطانى واخرين ،حمل اسم “I am slaver  “ أننى عبدة. حكى قصة مريم ابنة احد زعماء  القبائل فى جبال النوبة تم اختطافها من قبل مجموعة مسلحة عندما كانت طفلة ورحلت للخرطوم حيث عرضت على احدى الاسر لتعمل خادمة دون أجر، عندما كبرت حاولت الهرب لعدة مرات دون جدوى ..وانتهى بها المقام مع الاسرة فى لندن.. وهناك وجدت المغيث من احد الشبان الأفارقة. قد يكون الفيلم قد تضمن بعض المبالغات، الا انه فى اعتقادى جدير بالمشاهدة ويمضى فى مسار حملة القلب الأزرق.

 بقلم: سمية المطبعجى

القلب الأزرق... حكايا إغتيال الإنسانيةhttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-300x142.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتالإتجار بالبشرمطلع الاسبوع الحالى اطلق الاتحاد الأوروبى حملة 'القلب الأزرق' فى السودان لمكافحة الإتجار بالبشر، وهى حملة دولية اطلقت من قبل مكتب الأمم المتحدة المعنى بالمخدرات والجريمة UNODC فى محاولة للفت انتباه العالم وإلباسه قلب بلون الأمم المتحدة رمزا للتعاطف والمساندة لأناس جردهم الاسترقاق الحديث من كرامتهم وانسانيتهم ولتعريف المجتمعات...صحيفة اخبارية سودانية