أرجو أن لا يكون النموذج الذي تم به التحضير لمؤتمر الإعلام هو نفس النموذج الذي يتبع في مؤتمر الحوار الجامع لأنه لو حدث ذلك فإن الحوار الجامع سيُجهض قبل أن يبدأ؛ فالتحضير لمؤتمر الإعلام الحالي تم بنفس النهج الذي تم به إعداد مؤتمرات سابقة بحيث تشكله وتديره جهة حكومية تحرص على أن تكون الغلبة لممثلي الحزب الحاكم وللمواقع الحكومية الرسمية ويأتي تمثيل الآخرين محدوداً وديكورياً ليتيح الإدعاء (بقومية) الحوار اعتماداً على هذا الوجود المحدود وغير المؤثر للرأي الآخر.

هذا النموذج يتناقض تماماً مع ما ورد في خطاب رئيس الجمهورية ورئيس الحزب الحاكم في يناير الماضي والذي كرره مراراً حتى في مخاطبته لمجلس الوزراء والذي جدد  فيه الدعوة لحوار شامل لا يستثني أحداً، ولذلك كنت أتوقع أن يتم التحضير لمؤتمر الإعلام بنهج قومي مختلف، وأن تنعقد لقاءات تشاورية مع أصحاب المصلحة من العاملين في الأجهزة الإعلامية ومن كافة القوى المجتمعية والسياسية التي تتطلع إلى إعلام حر ومسؤول ومهني يلعب دوراً إيجابياً في تحول ديمقراطي راشد وفي مواجهة قومية لمشاكل السودان بمشاركة الجميع في جو حر وشفاف.

وكنت أتصور أن المبدأ هو أن يمتلك هذا الحوار ويديره المجتمع وليس الدولة التي ستكون جزءاً منه وليست المسيطرة عليه، تدعمه وتشارك فيه وتطرح رؤاها مثل ما يطرح الآخرون رؤاهم، وتتوفر حرية كاملة للجميع في المشاركة والتعبير عن آرائهم في صراحة ووضوح على أمل الوصول إلى استراتيجية إعلامية جديدة تقوم أساساً على تحقيق الحرية المسؤولة والمهنية، وتكف يد الدولة عن التدخل الإداري الجزافي الذي يعاني منه الإعلام اليوم.

لقد اتصل بي مشكوراً وزير الدولة للإعلام قبل شهرين وناقش معي فكرة المؤتمر، ورحبت بحوار حر وشفاف ومفتوح لا تسيطر عليه الدولة ومن ذلك الوقت لم يتصل بي أحد ولم أعرف شيئاً عن العمل التحضيري ثم فوجئت بموعد يحدد لاجتماع للجنة عليا ذات طابع حكومي وأهداف للمؤتمر تحددت دون سابق مشاركة، ووجدت لجنة عليا تم تعيينها بقرار جمهوري شملت أكثر من سبعين شخصاً، وكان أكثر من ثلث ذلك العدد من منسوبي الحزب الحاكم وشاغلي المناصب الدستورية وليس به سوى عدد محدود من الإعلاميين ذوي المصلحة في ذلك المؤتمر، وغاب عن التمثيل أغلبية القوى السياسية الأخرى التي تعاني من الحصار المفروض على الحريات، والتي يشكل الاستماع لرأيها أساساً للحوار الجامع في مثل هذا المؤتمر.

وصلت إلى قناعة بأن مثل هذا الأسلوب في إدارة الحوار لا يفضي إلى نتائج وسيعيد تكرار حوارات سابقة غير متوازنة وغير مجدية، ويزيد الأمر خطورة أن هذا المؤتمر بشكل من الأشكال يأتي في وقت يتطلع فيه الناس إلى حوار لا يستثني أحداً، ولا يمكن أن يكون الحوار راشداً ومسؤولاً ومنتجاً إذا كانت تديره لجنة عليا غير متوازنة يسيطر على أغلبيتها المطلقة طرف واحد.

إن المشاركة في مؤتمر تديره لجنة عليا بهذا التشكيل غير المتوازن لا يعدو أن يكون محاولة لإضفاء(قومية) على نشاط صُمِّم لأن يكون حزبياً منذ لحظته الأولى وبالتالي فقد تغيبت عن جلسة الأمس التي أصلاً لم تصلنا دعوة مكتوبة لها ولا أوراق مصاحبة للاجتماع؛ والأمر يحتاج لإعادة النظر لأن الوضع في الإعلام يحتاج إلى معالجات شاملة وإصلاح عاجل حتى يلعب دوره كاملاً.

إذا أعادت وزارة الإعلام النظر في هذا المنهج وحقت لقاءً جامعاً وحراً ومفتوحاً بمشاركة جماعية لبحث أبعاد هذه القضايا بروح قومية ومشاركة كاملة فإن الوصول إلى قواعد مشتركة لن يكون عصيَّاً.

محجوب محمد صالح 

https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-300x156.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتحرية صحافة,مؤتمر الإعلامأرجو أن لا يكون النموذج الذي تم به التحضير لمؤتمر الإعلام هو نفس النموذج الذي يتبع في مؤتمر الحوار الجامع لأنه لو حدث ذلك فإن الحوار الجامع سيُجهض قبل أن يبدأ؛ فالتحضير لمؤتمر الإعلام الحالي تم بنفس النهج الذي تم به إعداد مؤتمرات سابقة بحيث تشكله وتديره جهة حكومية...صحيفة اخبارية سودانية