على عكس أيام الآحاد المعتادة، والمعروفة بازدحامها، أشرقت شمس أول من أمس الأحد، في العاصمة السودانية الخرطوم، وكأنما المدنية لم تزل نائمة.

لم تكن نومة المدينة تلك، إلا إيذاناً بدخول عصيان السابع والعشرين من نوفمبر يومه الأول، ودخول البلاد نفسها في تجربة فريدة، لا تدفع فيها مالاً للحكومة لثلاثة أيام بلياليها. يقول الكاتب الصحفي والناشط السياسي، محفوظ بشرى، في حسابه على الفيسبوك: ” لن أدفع رسوماً حكومية، لن أشتري كهرباء، لن أشتري سكر، لن أشتري رصيد اتصالات، لن أشتري الصحف، لن أجري معاملات بنكية، لن أدفع من جيبي لجيب الديكتاتور، لثلاثة أيام، ولغيرها إن استطعت”.

كانت بداية تشكل ملامح العصيان المدني السوداني على مواقع التواصل الاجتماعي فيسبوك وتويتر بـ هاشتاق#أعيدوا_الدعم_للأدوية، بعد أيام من إعلان وزير المالية السوداني، بدر الدين محمود، عن إجراءات اقتصادية وصفت بالقاسية، تم بموجبها تعويم الجنيه السوداني، وتحرير سعر الصرف، ليقفز سعر الدولار المخصص لشراء الدواء، إلى 16 جنيهاً.

في خضم تلك الحملة الرافضة لزيادة أسعار الدواء، في وسائل التواصل الاجتماعي، وتحقيق هاشتاق #أعيدوا_الدعم_للأدوية، الترند الأول على مستوى العالم العربي، والثاني عالمياً، بحسب ما أعلن ناشطون. دخل بشكل مفاجيء، ساحة معركة الدواء، طلاب وطالبات بعض المدارس الثانوية صباح الخميس الماضي، بمدينة الخرطوم بحري، شمالي العاصمة، بعدما جابوا مدينتهم طولاً وعرضاً مطالبين بإعادة دعم الدواء، وسط حالة ذهول انتابت الكثير من المراقبين.

وبينما لم تخرج حالة الذهول تلك من الأذهان، جراء فعلة طلاب وطالبات المرحلة الثانوية الغاضبة والمحتجة على الأوضاع، حتّى أعلنت السلطات السودانية، عن عقد وزير الصحة، بحر إدريس أبو قردة، “مؤتمر صحفي عاجل”، نهار الجمعة، وسط تلميحات، بـ”تعديل الإجراءات”، الخاصة بالدواء، وسرعان ما اتّضح، أن الأمر مجرد مراوغة، بحسب ما دوّن نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ لم يتم إلغاء رفع الدعم عن الأدوية.

من قلب هذه الجمعة، ومن منصة وسائل التواصل الاجتماعي انبثقت المناداة، وانطلقت الدعوات، لأجل عصيان مدني، لمدة ثلاثة أيام بدأ منذ يوم الأحد الماضي وينتهي اليوم، تقوم فلسفته، على عدم الذهاب إلى العمل، أي البقاء في المنازل، وحرمان الحكومة، من أموال يدفعها المواطنون عادةً، بشكل يومي، سواء أكانت رسوماً لتخليص إجراءات حكومية، وغيرها، وتشكيل رأي عام ضد سياسات الحكومة، والإعلان عن أن “بيدنا الكثير لنفعله”، كان ذلك في مقابل تشكيك وسخرية، من جهات وأفراد موالون للحكومة، حول من هي الجهة التي تدعو للعصيان المدني وما هي أهدافها.

ولكن ما إن حان اليوم الأول للعصيان، وفي وقت مبكر من صباح الأحد السابع والعشرين من نوفمبر، حتى بدت منصات وسائل التواصل الاجتماعي، ملأى بصور وفيديوهات بثها ناشطون تظهر أجزاءً واسعة من العاصمة وبعض المدن الأخرى، وهي لم تفق من نومتها بعد، لكن كانت نومة المدينة هذه المرة في عز صحوها، وأوج حركتها، على عكس أيام الآحاد المعتادة، المعروفة بازدحامها، كان الأحد الماضي.

وبينما تتصاعد الدعوات والحملات العاصية، وتبث مقاطع الفيديو وتنشر الصورة، المثبتة لنجاح العصيان، وردود الأفعال. كان قد حان يوم الاعتصام الثاني، أمس الإثنين محملاً بأصداء بدا أنها وصلت كل العالم، من أجهزة إعلام تقليدية، وصولاً إلى الإعلام البديل، على مواقع التواصل الاجتماعي، وبدأ العصيان المدني السوداني، يحصد تعاطف مغردين ومدونيين، وكتاب وسياسيين من كل أنحاء العالم. مقابل ردود فعل حكومية اتسمت بالإنكار والغضب، بينها اعتقالات طالت ناشطين وسياسيين واتخاذ إجراءات عقابية ضد عدد من الصحف بمصادرة أعداداها الصادرة أمس واليوم، بالإضافة لإغلاق إحدى القنوات، ودخول الرئيس السوداني، الموجود في الإمارات، على خط العصيان المدني، بإنكاره نجاح العصيان في مقابلة أجريت معه اليوم.

ولكن من أين ولد عصيان نوفمبر؟، يقول الأمين الإعلامي لحركة القوى الديموقراطية الجديدة (حق)  خالد بحر، إنه وليد شباب خارج صندوق العمل السياسي، رغم أنه نتاج تراكم من العمل السياسي للقوى السياسية بشكل غير مباشر، وأنها ساهمت في تسوية تربة العصيان.

ويضيف بحر لـ(الطريق)، أن دخول مجاميع جديدة من الشابات والشباب غير الناشطين في مضمار السياسة، شكل نقطة جوهرية في نجاح الاعتصام، وحظيان هذه المجاميع على وسائل التواصل الاجتماعي، بعدد ضخم من المتابعين، ما ساعدهم على تشكيل مجتمع موازي وكامل الدسم.

ويمتدح الناشط السياسي منتصر إبراهيم، فكرة وتجربة العصيان المدني ويقول لـ (الطريق)، العصيان المدني كان أثره مضاعفاً واستثنائياً، فهو أعاد الثقة في نفوس الأجيال الجديدة، وفتح نوافذ وإمكانيات التأثير على السلطة بوسائل خارج طرائقها وأسالبيها المحدودة.

هنالك من هم أكثر بعداً عن السياسة، لكنهم تفاعلوا مع العصيان المدني بشكل لافت، مثل مجموعة “منبرشات”، وغيرها من المجموعات. وهو الأمر الذي يعزوه بحر إلى أن الزيادات الأخيرة مسّت اللحم الحي للمجتمع وأثرت في قطاعات واسعة ومتباينة في خلفياتها الاجتماعية والمادية والمعرفية، بخاصة وأن هذه المجموعة “منبرشات”، لم يعرف لها سابقاً أي نشاط في جبهة العمل العام، إلا في مرات نادرة جداً. وتفاعل هذه المجموعة يؤكد مساحة الإدانة الواسعة لرفع الدعم عن الدواء، وبل رفض كل السياسة الاقتصادية للحكومة.

وفي غمرة موجة العصيان المدني هذه، كان لافتا إعلان إحدى السيدات تأجيلها لحفل زواجها الذي كان مقررا له يوم أمس، ما وصفه البعض بالتضحية العظيمة.

وبدا أن اليوم الثالث للعصيان المدني السوداني، أصاب تأثيرا خارجيا كبيرا، فخرج سودانيون في فرنسا مؤيدين لعصيان نوفمبر، لكن الحدث الإكثر جذرية وتأثيرا تصدير العصيان المدني إلى الخارج، إذ تنامت دعوات العصيان المدني في الجارة ليبيا، وانطلاق دعوات مماثلة في الجزائر، وفق ما يقول ناشطون.

تقارير- الطريق

https://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2016/11/عصيان-2.jpg?fit=300%2C143&ssl=1https://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2016/11/عصيان-2.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقMain Sliderتقاريراحتجاجعلى عكس أيام الآحاد المعتادة، والمعروفة بازدحامها، أشرقت شمس أول من أمس الأحد، في العاصمة السودانية الخرطوم، وكأنما المدنية لم تزل نائمة. لم تكن نومة المدينة تلك، إلا إيذاناً بدخول عصيان السابع والعشرين من نوفمبر يومه الأول، ودخول البلاد نفسها في تجربة فريدة، لا تدفع فيها مالاً للحكومة لثلاثة أيام...صحيفة اخبارية سودانية