د. الشفيع خضر سعيد
د. الشفيع خضر سعيد

 الصديق المهموم بمستقبل الوطن طرح علينا سؤالين، الأول حول جدوى الحوار مع نظام الإنقاذ، وهل يمكن عبر الحوار والتفاوض وضع حد لأزمة البلد، وما هو أقصى ما يمكن أن يصل إليه التفاوض الجاري الآن في أديس أبابا؟. وقد ناقشنا هذا السؤال بإسهاب في مقالنا السابق. ونضيف أننا في السودان أصبحت لدينا ذخيرة واسعة من تجارب المجتمع الدولي المعملية فينا، والتي تجرى تحت مسميات جولات التفاوض ومبادرات الحوار والوساطات وإعلانات المبادئ ومخرجات السمنارات وورش العمل وإجتهادات طلاب الماجستير والدكتوراة من شتى بقاع العالم…، بحيث لم تعد إجابتناعلى السؤالين مجرد إجتهاد نظري، أو إفتراضات عامة، بل تسندها ممارسة ملموسة تتجسد أمام ناظرينا الآن، وفي منابر التفاوض المختلفة المشبعة حتى الآن بالفشل. وفي المقال السابق أوضحنا كيف أنالصديق المهموم إنتفض فينا غاضبا،في نهاية المناقشة، وتحدث بحرقة مشيرا إلى أن الناس شبعوا تحليلات وتوصيفات لواقع الحال، وباتوا ينشدون التغيير وكيفية صناعته. ومن هنا كان سؤاله الثاني، والمشحون أتهاما لنا بالتقصير: لماذا لا تكتبون بالتفصيل في مقالاتكم الصحفية كيف يمكن عمليا صنع التغيير، ومن هم صنّاعه؟. وهو السؤال الذي سنبتدر مناقشته في مقال اليوم.

قلت للصديق المهموم: في البداية، دعني أطرح عليك عددا من النقاط التي أراها جوهرية وحاكمة: أولا، نحن عندما نكتب مقالا، أو نسهب في الإجابة على أسئلة اللقاءات والحوارات الصحفية، لا نفعل ذلك من موقع الإدعاء الأجوف بإمتلاك ناصية المعرفة والإلمام التفصيلي ببواطن الحقيقة، وإنما نتصدى لذلك، وبكل بساطة،من موقع ما حظتنا به الظروف من خبرة وتجارب، هي محصلة جملة من العوامل والأسباب، منها عامل السن، أي المدة التي قضيناها في هذه الحياة نشاهد ونشارك في العديد من الأحداث، دون أي توهم بالصحة المطلقة لقراءاتنا ومشاركاتنا تلك. ومنها عامل التفرغ والإنخراط في العمل السياسي، والذي وفر لنا قدرا من الخبرات قد لا تكون، أو لم تتوفر بعد، عند بعض قراء المقالات، ولكن أيضا، دون أي توهم بأن تفاصيل مساهمتنا الناتجة من تفرغنا وإنخراطنا ذاك كانت كلها صحيحة، ومع القناعة التامة بأن الذي كان صحيحا منها في وقته ليس بالضرورة أن يظل كذلك حتى اليوم، ومع الإقرار بأن الناس لا يستلهمون المعرفة والرؤى الجديدة من النجاحات فقط، وإنما أيضا من الإخفاقات والسلبيات. وثانيا، الخطاب الذي ننشره في الصحف ووسائل الإعلام، لا نخص به فئة بعينها، وإنما نستهدف أوسع قطاع ممكن. لذلك نحن، وأعتقد لأسباب بديهية، كثيرا ما نواصل الطرق على الفكرة الواحدة عدة مرات، ونكررها بصيغ مختلفة، بحثا عن التفاعل الإيجابي، إن لم يكن من هذا فمن ذاك، وإن لم يكن آنيا ففي لحظة قادمة، وإن لم يأتي التفاعل في القراءة الأولى فقد يأتي في الثانية والتي ربما ستكتشف صياغات ومداخل وتجليات مختلفة لذات الفكرة. ونحن نقصد بالتفاعل الإجابي كل ما يتعدى مجرد التعليق والإستمتاع، إشباعا لهواية القراءة، إلى الفعل الممكن. فنحن لا نكتب من أجل الكتابة في ذاتها، وإنما لهدف مباشر معلن وغير مستتر. وبالمناسبة، كثيرا ما يتذمر البعض منا ويتضجر عندما يشاهد وسائل الإعلام العالمية، مثال بي بي سي و سي إن إن، وهي تكرر برامجها ونشرات أخبارها عدة مرات في اليوم الواحد، دون أن ينتبه هذا البعض إلى أن ما يسمعه أو يشاهده في اللحظة الآنية، سمعه وشاهده آخرون في أزمنة وأمكنة مختلفة خلال الثماني ساعات الماضية مثلا، وسيسمعه ويشاهده آخرون، وأيضا في أزمنة وأمكنة مختلفة خلال العشر ساعات القادمة، وكل ذلك بسبب دوران الكرة الأرضية حول الشمس!. وثالثا، وبحسب طبيعة المقال السياسي، دائما ما تكون كتاباتنا من وحي الحدث الراهن، ولكن هذا لا يعني إكتفائنا بالتعليق على هذا الحدث، بل لابد من سبر غوره وكشف مستور ما ورائه وتخطي راهنيته. وفي هذا تكمن مساهمتنا في إرساء لبنات الجديد القادم وكيفية رسم بعض ملامحه، مع التشديد على حقيقتين هامتين، أولهما أن الجديد القادم، أو التغيير، لا يمكن أن يصنع بواسطة الكتابة في الصحف والحديث في الإعلام، إذ أن آليات إرساء لبناته أوسع وأعمق بكثير، وأشد تعقيدا وديناميكية من ذلك. وثاني الحقيقتين، هي أن مساهمتنا في إرساء لبنات الجديد القادم لا يمكن أن تختذل فقط في كتابة المقالات وفي الحوارات الصحفية والمسموعة والمشاهدة، فهذه تشكل مجرد جزء ضئيل من المفترض الإنخراط فيه. ورابعا، من طبيعة الأشياء ألا يرى أحدهم جديدا في مقال ما، بينما عند البعض الآخر يمكن أن تكون أفكار ذات المقال جديدة بل وموحية. وفي الحقيقة ستكون مشكلة عصية عند الذي يدمن إنتظار الجديد ولا يسهم في صنعه. فحالة إدمان الإنتظار هذه، تعتبر من الأسباب الرئيسية لمرض الكسل الذهني، وبالطبع هو مرض من ألد أعداء التغيير. وخامسا، للزمان والمكان حكمهما القاطع والمحدد لجوهر وطبيعة مساهمات الكل في صنع الجديد، مقالا أو حوارا أو نشاطا أو آلية. فهذه كلها إن خضعت للعنصر الذاتي فقط، أو أقحمت على زمن ليس زمانها ومكان ليس مقامها، فلن يلتفت التغيير إليها ولن يأبه بها. وسادسا، التحريض على التغيير عبر التعبير ليس حكرا على ما يكتب أو يقال في المقال السياسي أوالحوار مع الميديا، بل هنالك أدوات تعبير أخرى، هي قطعا أرقى مما أكتب وأشد فاعلية. مثلا، أنظر إلى حالة الإنجذاب الثوري التي تتملك الجماهير، وخاصة الشباب، وهي تستمع بحساسية مرهفة إلى المبدع أبوعركي أو عقد الجلاد أو الراحل مصطفى سيد أحمد، فتستبدل التصفيق والصفير المعتادين بالهدير والهتاف للحرية وللوطن.

وفي محاولة لتقديم إجابة مفيدة لتساؤله، واصلت حديثي مع صديقي المهموم بحال البلد، وقلت له: بعد هذه المقدمة الطويلة، وآمل ألا تكون مملة، فإن إجابتي المباشرة على سؤالك هي أن المقالات ليست هي مكان الإجابة على سؤال كيف ومن يصنع التغيير. فمثل هذا النوع من التساؤلات يطرح في مكان آخر ويجاب عليه بالخطة وبرنامج العمل وخرطة الطريق، وبالحراك العمليالملموس الذي يجسد كل ذلك. وأرجو ألا يفهم بالمكان الآخر الحزب أو التنظيم فقط، فهو أوسع من ذلك وأشد تنوعا، المهم أن نتحلى بالخيال المغذى من الواقع الملموس، وأن نستجيب لمتغيرات هذا الواقع في كل تفاصيله. وهكذا، فنحن عندما نكتب مقالا، وفي الحقيقة أي مقال من أي كاتب، لا نطرح مانفيستو لتغيير أو ثورة، ولا نقدم وصفات جاهزة لكيف يكون التغيير ومآلاته، حتى ولو زعمنا بذلك، لأنه إن فعلنا ذلك سيكون شأننا شأن المنجمين، يكذبون ولو صدقوا!. ولكنا، نسعى ونحاول المساهمة في تنوير وتشكيل الرأي العام، والإشارة إلى السمات والملامح العامة للتغير، وكذلك تسليط الضوء على متغيرات الواقع بهدف تجديد أدوات ومناهج تعاملنا مع هذا الواقع المتغير على نحو لا سابق له، وبصورة تتجاوز العناوين والمفاهيم وأدوات ومناهج العمل القديمة، وفي ذات الوقت بصورة تحتم أيضا إعادة النظر حتى في الشعارات الحديثة والجديدة والتي تحتاج إلى التطوير بشكل دائم ومستمر. (نواصل)

د. الشفيع خضر سعيد

كيف ومن يصنع التغيير؟ (2 من 3)https://i1.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21.jpg?fit=300%2C142&ssl=1https://i1.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقآراء وتحليلاتالأزمة السياسية في السودان الصديق المهموم بمستقبل الوطن طرح علينا سؤالين، الأول حول جدوى الحوار مع نظام الإنقاذ، وهل يمكن عبر الحوار والتفاوض وضع حد لأزمة البلد، وما هو أقصى ما يمكن أن يصل إليه التفاوض الجاري الآن في أديس أبابا؟. وقد ناقشنا هذا السؤال بإسهاب في مقالنا السابق. ونضيف أننا في السودان...صحيفة اخبارية سودانية