د. الشفيع خضر سعيد
د. الشفيع خضر سعيد

 في المقال السابق، قلت لصديقي المهموم بحال البلد:”ليس بإستطاعة المقال، أي مقال من أي كاتب، تقديم وصفات جاهزة، ومخطط تفصيلي، لكيف يكون التغيير ومآلاته. وهذا لا ينفي دور المقال السياسي وأهميته في تنوير وتشكيل الرأي العام، وفي المساهمة في رسم السمات والملامح العامة للتغير، وفي تسليط الضوء على متغيرات الواقع بهدف تجديد أدوات ومناهج التعامل معه، وبصورة لا تتجاوز العناوين والمفاهيم والأدوات والمناهج القديمة فحسب، بل تحتم أيضا إعادة النظر حتى في الشعارات الحديثة والجديدة والتي هي أيضا تحتاج إلى التطوير بشكل دائم ومستمر..”. هكذا أتت مساهمتنا في الإجابة على أسئلة الصديق المهموم، والتي أبتدرناها في الجزئين الأول والثاني من هذا المقال. أما في هذا الجزء، وهو الثالث والأخير، وفي إطار ما أشرنا إليه حول الدور الممكن للمقال السياسي فيما يخص عملية التغيير، سنتناول من خلال النقاط التالية بعضا من، وليس كل، السمات والملامح العامة لثورة التغير، والتي يجب النظر إليها والتعامل معها مجتمعة ومتداخلة، وليس بصورة مجزأة وإنتقائية:

  • التغيير لا يعرف المستحيل…، هكذا يثبت التاريخ ويؤكد الحاضر. فمهما بلغت أنظمة الإستبداد من قوة البطش وإمكانية السيطرة على مفاتيح الحراك الشعبي، فإنها لن تمنع الإنفجار الذي هو الناتج الوحيد والحتمي للإنسداد. وهي أنظمة إذ ترتعب من شعوبها، وتتمزق داخليا بهذا الرعب، فإنها أعجز من أن تصمد أمام شعب كسر حاجز الخوف وأجمع على التغيير. الإيمان المطلق بهذه الحقيقة هو بوابة التغيير، وذلك في مواجهة التخذيل والتيئيس وإفتراض الأفق المسدود ودعاوى المخارج الإنهزامية التي تعيد إنتاج الأزمة. هذا الإيمان المطلق ليس أعمى، وإنما تنير طريقه عدة قناديل، أهمها في نظري، رفض النمطية التي تعيش على إستدعاء تجارب الماضي، فتبحث عن كيفية تكرار ثورة اكتوبر 64 وإنتفاضة أبريل 85، في واقع يختلف عن واقع ستينات وثمانينات القرن الماضي، خاصة وأن من سيصنع التغيير الآتي ليس هو جيل أكتوبر أو أبريل. كسر صنم النمطية هذا سيفتح بوابات الخيال والإبتكار لإطلاق الشرارة التي ستوقظ الناس من سباتهم السياسي. ولا تسألني يا صديقي أين وكيف هي هذه الشرارة، ومن يطلقها، لأنني لا أملك الإجابة، مثلما لاتملكها أنت ولا يملكها هو..! ولكنا، أنت وأنا مع الآخرين، نملك أن نخلق وحدة تتمتع ببصيرة إختيار الطريق الصحيح المفضي لتلك الإجابة، والذي يبدأ بطرح الشعارات الصحيحة في الوقت الصحيح، والتي تتجسد في مطالب ملموسة تنبع من الهموم اليومية للناس، وتلقى صدى واسعا في دواخلهم، وتتفجر بهم حراكا ملهما.
  • في عالم اليوم نشهد طفرة هائلة في إنضاج العامل الذاتي للتغيير. فالثورة التقنية الحديثة، ثورة الإتصال والمعلومات، بقدر ما كسرت إحتكار أنظمة الإستبداد للمعلومة وقلصت قدرتها على المراقبة والتجسس والإختراق وشل الحركة بالإعتقال، بقدر ما كسرت أيضا العقلية النخبوية البيروقراطية للعمل المعارض، وخلقت مساحات وميادين ومنظمات إفتراضية لتوسيع أفاق العمل السياسي نحو أوسع صيغة من المشاركة والتفاعل، يمكن ترجمتها على أرض الواقع إلى قوة تغيير خارقة. ألم تلعب الثورة التقنية الحديثة دورا في إنتصار ثورات تونس ومصر أكبر بكثير من دور المؤسسات السياسية التقليدية؟. لكن أدوات ثورة الإتصال والمعلومات ستظل مجرد آلات صماء إذا لم تديرها عقول فعالة تحسن قراءة الواقع وتحولاته، وتترجم معطياته إلى مبادرات مبتكرة في كل المجالات السياسية والإقتصادية والثقافية والإجتماعية. (راجع كتاب علي حرب: ثورات القوة الناعمة في العالم العربي، الدار العربية للعلوم ناشرون، 2012). وفي حوار له مع جريدة السفير اللبنانية، بتاريخ 5 أبريل 2011، تحدث الشاعر المصري علاء خالد، معلقا على أحداث الثورة المصرية، قائلا:”إنها طاقة مختزنة من العواطف لدى الشعب المصري صنعت شبكة حميمية من التواصل السريع والآني أثناء المسيرات….، إنها إيماءات وإشارات وصور وخيالات لا مرئية تحولت في لحظة إلى جسد مرئ…”.
  • المتغيرات على أرض الواقع تفرض، وبالفعل فرضت كما حدث في نموذج ثورات تونس ومصر وليبيا واليمن…، مجموعة من النقلات والإنتقالات، منها: الإنتقال من فكرة إنتظار الزعيم الكاريزما والبطل المنقذ، إلى فكرة القيادي والرئيس المسؤول في وسط قيادة جماعية تتساوى في الواجبات والحقوق. والإنتقال من فكرة المناضل بالفهم القديم، الذي يحترف ويحتكر النضال، إلى فكرة الناشط الميداني، والذي هو ايضا مناضل ولكن بفهم حديث، إذ هو فرد يملك إستقلاليته ويفجر حيويته، مساهما في الميدان، مسؤولا ومشاركا، يبادر ويتحرك، يناقش وينتقد، يقترح وينفذ، يؤثر ويتأثر، زاده ووقوده هو الخلق والإبداع والإبتكار على نحو بناء لمنجزات العولمة والثورة التكنولوجية. والإنتقال من المنظومة الآيديولوجية المغلقة الصماء إلى رحاب الفضاء المفتوح للتداول والتفاعل، بحيث الجميع يتغير ويسهم في تغيير الآخر، وبحيث أن ثورة التغيير لم تعد ثورة الطلائع والتنظيمات المعلبة، بل هي ثورة الإنسان العادي الذي يدشن عهدا جديدا يتصرف فيه كمشارك في فعل التغيير، له كلمته ومساهمته ورأيه، بعد أن كان في الماضي مجرد متلقي في الحشد والندوات والليالي السياسية، يصفق ويهلل لبلاغة وخطابية الزعيم، بل وأحيانا يمارس طقوس التقديس والتعظيم لهذا الزعيم، القائد الملهم، ولمن يفكرون ويقررون بالإنابة عنه. في عدد 30 سبتمبر 2011 من جريدة لوموند الفرنسية، كتب الأديب علاء الأسواني:” بعد أن فرق البوليس المظاهرة، قلت للشباب يكفي ما فعلناه اليوم، لنذهب ونعود غدا للتظاهر. لكنهم رفضوا، وبكى أحدهم مصرا على البقاء في الميدان. عندها فهمت ما يحدث، ولذا بقيت معهم في ميدان التحرير طوال ثلاثة أسابيع..”.
  • صحيح أن نضوج البديل والإتفاق حوله سيسهم في إشعال شرارة التغيير، لكنه ليس شرطا، بدون توفره لن تشتعل الشرارة. فللتغيير ديناميكيته التي إما تفرز بدائلها الجديدة، أو تنفخ الروح في البدائل الموجودة. ودائما نتذكر، خرجت الملايين في تونس ومصر إلى الشوارع حتى سقط النظام دون أن يكون البديل جاهزا. وفي السودان، لم يكن البديل جاهزا، لا في إكتوبر ولا في أبريل، وأنتصرت الإنتفاضة. وأعتقد، مع إزدياد درجة تعقد وتشابك الواقع، وتسارع وتيرة تغيره مع متغيرات العصر العاصفة، فإن قضايا ومفاهيم البديل لم تعد تُفهم كما كانت تُفهم في الماضي، البعيد أو القريب، مما يتطلب تجديد الفكر والأفكار بإغناء العناوين القديمة، وفي ذات الوقت بإجتراح عناوين جديدة.
  • التغيير الحقيقي والجذري يتفجر عند نقطة إلتقاء حركة المدينة مع حركة الهامش، ومن هنا أهمية التحالف المتين بين النشطاء من أجل التغيير في المدينة، في مناطق القوى الحديثة، والنشطاء في الأطراف ومناطق الهامش.
  • وثورة التغيير هي ثورة سلمية بالكامل، دون الإخلال بواجب الحماية..!

وأختتمت حديثي للصديق المهموم بحال البلد مقترحا تنظيم ندوة أو ورشة أو سمنار أو جلسة عصف ذهني، أغلبية الحضور من نشطاء الأجيال الجديدة والشابة، ويدلي فيها ممثلون عن النخب القديمة التي ظلت تتصدر المسرح منذ فجر الإستقال وحتى اليوم، بشهاداتهم، أو إعترافاتهم، بفشلهم وإخفاقهم في تحقيق مشاريعهم، بل وتفرّيطهم في ما كان موجودا، بينما الأجيال الجديدة الشابة، تجادلهم وتناقشهم، بل وتحاكمهم، وتستخلص كيف يمكن أن تتجنب تكرار هذا الفشل.

د. الشفيع خضر سعيد

كيف ومن يصنع التغيير؟ (3 من 3)https://i1.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21.jpg?fit=300%2C142&ssl=1https://i1.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقآراء وتحليلاتالأزمة السياسية في السودان في المقال السابق، قلت لصديقي المهموم بحال البلد:'ليس بإستطاعة المقال، أي مقال من أي كاتب، تقديم وصفات جاهزة، ومخطط تفصيلي، لكيف يكون التغيير ومآلاته. وهذا لا ينفي دور المقال السياسي وأهميته في تنوير وتشكيل الرأي العام، وفي المساهمة في رسم السمات والملامح العامة للتغير، وفي تسليط الضوء على متغيرات...صحيفة اخبارية سودانية