د. الشفيع خضر سعيد
د. الشفيع خضر سعيد

إلتقاني أحد الأصدقاء المهمومين بمستقبل البلاد، وقال إن لديه ما يود إستفساري عنه. إبتدر الصديق حديثه بتلك المقدمة التي أصبحت، ومنذ فترة طويلة، سمة عامة في كل جلسات النقاش و”الونسة” والتي عادة ما تبدأ بطرح ذات السؤال المشحون بالقلق الغاضب والحزين، والذي ما اجتمع إثنان إلا وتداولا حوله، وهو “البلد دي ماشة لي وين؟”!. لكن، سارع صديقي بنفي أن يكون هذا هو ما يود إستفساري عنه، وطرح سؤالا آخرا، مركبا، فحواه ” ما هو جدوى الحوار مع نظام الإنقاذ؟ وهل يمكن عبر الحوار والتفاوض وضع حدا لأزمة البلد؟ وما هو أقصى ما يمكن أن يصل إليه التفاوض الجاري الآن في أديس أبابا؟”. أسهبت في الإجابة على الصديق، ورأيت مشاركتكم إجابتي، بإقتضاب آمل ألا يكون مخلا، في هذا الحيز وفي المقال القادم. أتت إجابتي على سؤال الصديق كالآتي:

–  من حيث المبدأ، وبشكل عام، حيث لا أخص بهذه النقطة الحالة السودانية الراهنة، فإن أي حوار وأي تفاوض، ما دام سيوقف العنف ويجنب سفك الدماء، سيظل دائما هو الخيار المفضل للبدء في فتح طريق حل الأزمات.

لكن من الضروري والهام جدا التفريق بين الحل التحاوري التفاوضي الحقيقي والحلول التصالحية السطحية التي لا تخاطب جوهر الأزمة وجذورها، بل تكتفي بالتعافي المتبادل وإختصار الحل في إقتسام كراسي السلطة وبدلات الحكومة الجديدة، علما بأنه من المؤكد أن النظام الحاكم، سيحظى بنصيب الأسد في تلك القسمة، وسيشكل الجزء الأقوى في البديل الجديد، مما يعني الرجوع إلى مربع الأزمة وإعادة إنتاجها. صحيح أن الحوار الجاد والتفاوض الحقيقي من المفترض أن يؤدي إلى المصالحة الوطنية، أو الوفاق الوطني، وهما، في العرف السياسي للشعوب، لا يعنيان سوى التوافق على فترة إنتقالية مهمتها الأولى هي التصفية النهائية لأشكال الحكم القائم التي قادت للأزمة، وتكوين أشكال جديدة يقننها دستور ديمقراطي يصون حقوق الجميع ويجنب البلاد كوارث الصراعات الدموية والحروب الأهلية.

وكما ذكرنا في عدة مقالات سابقة، فإن تجارب الشعوب التي دفعتها ظروف الأزمات لأن تسلك طرق الوفاق الوطني عبر الحوار والتفاوض تؤكد أن الوفاق يبدأ بتغيير أساسي في جهاز السلطة القائمة ودستورها وقوانينها، ويعاد للقضاء استقلاله ولحكم القانون سيادته، فتتوفر الحريات الديمقراطية الكاملة دون قيود على الأحزاب السياسية والنقابات والمنظمات الجماهيرية والصحف وسائر وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، ليدلي الشعب برأيه، ويتقدم كل حزب واتجاه بما يرى من حلول، ويبعد من مواقع المسؤولية الحكومية كل من أرتكب جرائم في حق الشعب والوطن وتتم مساءلته، ويجبر الضرر برد المظالم ونشر حيثيات المحاكمات الجائرة….الخ.

–        ومن حيث المبدأ، وأيضا بشكل عام لا يتعلق بالحالة السودانية فقط، فإن محصلة أي حوار وتفاوض تخضع لقانون المساومة وتوازن القوى. وبالتالي فإن قصر الحوار والتفاوض على النخب وداخل الغرف المغلقة بعيدا عن جموع الناس، سيجعل ميزان القوى يميل لصالح المجموعة المحاكمة التي ستتمسك بإحتكار كل أشكال التواصل مع الجماهير، وفي الغالب سيكون أقصى ما ينتهي إليه التفاوض هو المشاركة في السلطة مع النخب المعارضة، دون التصدي لعلاج جذور الأزمة، وما سيترتب على ذلك من نتائج، دائما هي وخيمة…، وهل سننسى إنفصال الجنوب؟.

 في حين التفاوض في الضوء وبعيدا عن العتمة المنشطة لمساومة الصفقات الفوقية، وتحت أعين ورقابة الجماهير، وفي ظل مناخ ملائم يوفر التواصل الحر بين الجماهير وممثليها في طاولة التفاوض، سيعطي هولاء الممثلين سندا وقوة تلعب دورا محوريا في حركة ميلان ميزان القوى. وأعتقد، إذا كان ما ذكرته في هذه النقطة واضحا، سيكون من السهل فهم لماذا تقاوم الإنقاذ وترفض إجراءات تهيئة المناخ للحوار والتفاوض التي تطرحها المعارضة!

–        أما بالنسبة للحالة السودانية، فإذا كان السؤال المركب حول جدوى الحوار والتفاوض مع نظام الإنقاذ، وعما إذا كان ممكنا أن يضع حدا نهائيا لأزمة البلد، إذا كان هذا السؤال قد طرح علي قبل عشرين عاما ونيف، ربما كانت إجابتي بالإيجاب حول جدوى الحوار وحول إمكانية أن يفتح الطريق، وليس يضع حدا نهائيا، لحل أزمة البلد.

أما في الوضع الراهن، وبالنظر إلى تجارب الحوار والتفاوض في مشاكوس ونيفاشا وأبوجا والقاهرة وأسمرا… وغيرها من مدائن العالم، وبالنظر إلى حال المعارضة الذي لا يسر إلا الحكومة، ومع الأخذ في الإعتبار توجهات المجتمع الدولي والإقليمي، سأتردد كثيرا في التصريح بنعم، وسأقول إن أقصى ما أطلبه من أي حوار هو وقف الحرب الأهلية وإرساء أسس وقواعد السلام العادل، وأن يخلق الأجواء المواتية ويمهد التربة لمواصلة الحراك والنشاط الجماهيري الواسع من أجل إستعادة الديمقراطية والحريات الأساسية وحقوق الإنسان.

وهنا قاطعني صديقي مستنكرا: كيف يمكن أن تقبل بالحوار والتفاوض وانت تشكك في جدواهما، وهل من الأخلاق أن تنخرط في حوار وانت في نفس الوقت تأمل، وربما تخطط لإنتفاضة جماهيرية؟ قلت له، لا أرى تناقضا أو تعارضا. فإن قبولي بالحوار والتفاوض هو أولا قبول بمبدأ إنساني وحضاري عام. وثانيا هو مسألة تفرضها ظروف ومعادلات معينة، فيها الداخلي، داخل الوطن وداخل معسكر المعارضة، وفيها الخارجي. وثالثا، إن قبولي مشروط بعدة عوامل أهمها تحقيق حزمة إجراءات تهيئة المناخ، وتمسكي بموقف تفاوضي جوهره بحث جذور الأزمة وليس مجرد المشاركة في السلطة. أما من حيث المعيارية الأخلاقية، فهي غير واردة هنا، والوارد هو فن السياسة.

 حكومة الإنقاذ فاوضت الحركة الشعبية واتفقت معها في مشاكوس ونيفاشا وهي تضمر أجندة أخرى ظهرت على السطح في اول يوم لتنفيذ الإتفاقية، وكانت النتيجة التفريط في وحدة البلاد من اجل الكنكشة على السلطة. وهي فاوضت واتفقت مع التجمع الوطني الديمقراطي في القاهرة، وهي أيضا تضمر آخرا كانت واثقة من قدرتها على التخطي به لكل ما جاء في الاتفاقية من بنود حول التحول الديمقراطي وقومية الأجهزة المدنية والعسكرية والعدلية، وكانت النتيجة تفجير التجمع من داخله، وقفل إتفاقية القاهرة في ذاكرة البعض فقط. ما الذي يمنعني من التفاوض وإستثمار نتيجة التفاوض لإستنهاض نشاط جماهيري سلمي واسع، هدفه المعلن وليس الخفي أو السري هو تصفية دولة الحزب الواحد لصالح النظام الديمقراطي التعددي، والمحاسبة القضائية لكل من ارتكب جرما ضد الوطن والمواطنين وجميع قضايا الفساد في ظل هذا النظام، وفتح الطريق لإعادة بناء الدولة السودانية على أساس قومي لا مركزي يلتزم العدل في اقتسام السلطة والثروة ويراعي التعدد الإثني والديني والثقافي والنوعي في السودان، مما يحقق إقامة سودان موحد ديمقراطي مستقر بإرادة شعبه الطوعية….، ما الذي يمنعني من ذلك؟؟ وقلت للصديق: إذا أردنا فعلا اقتلاع الأزمة من جذورها فلابد من عمل جماهيري واسع وضارب، يهز في وقت واحد البناء السياسي والاجتماعي والاقتصادي في البلاد.

لكن، هذا العمل الجماهيري لن يتم بالرغبة الذاتية، مثلما لا يمكن تحقيقه، في ظل واقع البلاد الراهن، بمناهج ووسائل العمل القديمة، وإنما عبر الإبتكار والإبداع للجديد الذي يمكن أن يحقق إعادة اصطفاف القوى بالارتكاز على أربعة أسس أساسية، هي:

  1. الطابع الجماهيري الإنتفاضي والسلمي لعملية التغيير.
  2. التعددية بمفهومها الواسع والذي يلبي واقع السودان السياسي والاجتماعي والعرقي والثقافي والديني.
  3. الديمقراطية الواسعة المرتبطة بواقع التعددية أعلاه، والتي تمارس وفق أرضية سودانية، لا أرضية وست منستر، وتلبي في الأساس الحاجات الرئيسية للمواطن ( لقمة العيش).
  4. دور المناطق المهمشة وقضايا القوميات في اتجاه جذب جماهير هذه المناطق للتحالف مع قوى القطاع الحديث بهدف التصدي لعلاج المشكل السوداني، حيث في إطار هذا العلاج سيتم حل قضايا مناطقهم التي عانت طويلا من التهميش والإهمال والظلم.

إنفعل صديقي صارخا: لكن لماذا لا تكتبون بالتفصيل في مقالاتكم كيف يمكن فعل ذلك، كيف يمكن عمليا صنع التغيير؟ وكانت إجابتي هي ما سألخصه في المقال القادم. (نواصل).

د. الشفيع خضر سعيد

كيف ومن يصنع التغيير؟ (1 من 2)https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-300x142.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتالأزمة السياسية في السودانإلتقاني أحد الأصدقاء المهمومين بمستقبل البلاد، وقال إن لديه ما يود إستفساري عنه. إبتدر الصديق حديثه بتلك المقدمة التي أصبحت، ومنذ فترة طويلة، سمة عامة في كل جلسات النقاش و'الونسة' والتي عادة ما تبدأ بطرح ذات السؤال المشحون بالقلق الغاضب والحزين، والذي ما اجتمع إثنان إلا وتداولا حوله، وهو...صحيفة اخبارية سودانية