أمام أحد محال منطقة صناعية مصغرة، تكتظ بالسيارات المتراصة في انتظار الصيانة، قريباً من وسط العاصمة السودانية الخرطوم، وجدتُ سحر إبراهيم البركة (21 عاماً)، تتناول إفطارها تحت ظلال إحدى الأشجار، وهي تتوسط خمسة شُبان، يعملون جميعهم في مهنة مكيانيكا السيارات.

كانت سحر، تبدو عادية وهي ترتدي “الأبرول”، لكنها تضع طرحة على رأسها.

سحر البركة، التي درست الميكانيكا، بأحد معاهد التدريب المهني في الخرطوم، بدت واثقة من نفسها، وهي تُعمِّل يديها وأدواتها، في سيارة أحد الزبائن التي كان بها عُطب بدائرتها الكهربية.

“لا اقدم تضحيات، بل اتحمل مسئولياتي”- سحر البركة (الطريق)

كان صاحب السيارة يجلس بقرب بائعة طعام تُنادى عوضية، منهمكاً في أحاديث كونية وأخرى عن تطور البلدان، ومتحسراً على السودان القابع في لجةِ ظلام كالح- على حد قوله.

تقول البركة لـ(الطريق) : “رغم دراستي للميكانيكا، إلا أنني، عدلت عنها مؤقتاً في الآونة الأخيرة، بالعمل بكهرباء السيارات، نسبةً لارتفاع مدخولها مقارنة بالميكانيكا”.

تعيش سحر بضاحية سوبا، 22 كيلومتراً جنوبي الخرطوم، وتضطر إلى التنقل عبر ثلاث خطوط مواصلات، لتتمكن من الوصول، إلى محل عملها، بحي الديم، القريب من وسط الخرطوم.

رغم ذلك تقول: “أنا لا أقدم تضحية، فقط أتحمل مسؤولياتي. أعول أمي وأخي الصغير، فالحياة تؤخذ بالمنطق وتحكمها الظروف، طالما كنت قادرة على العمل، فعلي أن أساعد نفسي وعائلتي”.

تقول سحر: “أكثر ما يسعدني، هو أن أمي وأخي الصغير الذي يدرس بالمدرسة، فخوران بي. كما ألقب في الحي بالباشمهندسة، وألقى احترام الجميع”.

“منذ وقت باكر في حياتي، فكرت أن مصيري قد يكون مختلفاً، فبعد عام واحد من دراستي في الصف الأول الثانوي، تحولت إلى معهد التدريب المهني، علمت أنه طريقي إلى الحياة”- تقول سحر البركة.

تخبرنا سحر عن حبها لمهنتها، وتقول: “أنا جد شغوفة بمهنتي وسعيدة مذ أن ولجت عالمها في عام 2011م. آمل وأخطط أن أمضي فيها قدماً، بنهاية هذا العام سأرتب لأداء الامتحان النهائي المؤهل لدراسة الميكانيكا بالجامعة”.

تضيف سحر: “ما أخرني في المضي إلى تلك الخطوة حتى الآن، عدم قدرتي على توفير مال الدراسة، لكني أسعى إلى إيجاد حل لذلك قريباً”.

تعمل وتتلقى دروسها في نفس الوقت، على الرغم من ذلك لا ترى سحر في ذلك ما يرهق. تقول: “وقتما بدأت هذا العمل، كنت أذهب إلى المعهد في الصباح الباكر، جنوب الخرطوم، وبحلول الساعة الثانية منتصف النهار، أعود وأداوم في العمل”.

“أما الآن فأداوم منذ العاشرة صباحاً وحتى السابعة ليلاً، ما عدا أيام الجُمع. هذا الأمر أثر على اجتماعياتي، لكني اعتدت على ذلك”.

“تعودت على عملي تماماً وتشكلت مع بيئته”- سحر البركة (الطريق)

اكتنزت سحر البركة تجارب غنية من عملها في أماكن مختلفة. تقول: “عملت في إحدى الشركات سابقاً لمدة 7 أشهر، وتنقلت لأماكن أخرى عديدة، كميكانيكية وكهربائية سيارات، فضلاً عن زملائي الحاليين، لم أجد غرابة في ذلك، ساعدني أن كل من عملت معهم رائعون وجيدون”.

في بيئة تُقيّد عمل النساء بمهن محددة، تشق سحر البركة طريقها المختلف بكامل الثقة، وتقول: “تعودت على عملي تماماً وتشكلت مع بيئته. بعض الزبائن حينما يجدونني أعمل، يصيبهم شيء من الدهشة، لكنها سرعان ما تزول. وقتما يرونني منكبة وغارقة فيه. لم يرفض أحدهم أن أصلح له سيارته، لأنني امرأة”.

“بيد أني أشعر بحاجة إلى زميلات أخريات يشاركنني المهنة التي أحبها، أتمنى أن أرى الكثيرات منهن، يؤدين هذه الأعمال، وأقول لكل راغبة، الأمر ليس مستحيلاً، فصعوبات المجتمع تواجه الناس في أي مكان سواء بالمدرسة او الجامعة، أو أي عمل آخر”- تضيف سحر.

أمنية البركة لالتحاق النساء بواحدة من المهن التي ارتبط تاريخها طويلاً بالرجال في السودان، محققة بشكل جزئي. فليس أبعد من نحو مئتي متر فقط، تعمل زميلتها في العمل ودفعتها بالمعهد، ماريا عبد الرحمن أرسلي (23 عاماً).

ماريا عبد الرحمن،  تخصصت في كهرباء السيارات، ولا تعمل حالياً بعيداً جداً عن تخصصها، في تنظيف وصيانة فوانيس السيارات.

فأرسلي والتي تقطن بضاحية أمبدة السبيل، بمدينة أم درمان غربي الخرطوم، عملت في مجال كهرباء وميكانيكا السيارات بشكل عام، منذ تخرجها في معهد التدريب المهني عام 2011م .

أعمل بمجتمع عادي، ولا يوجد سبب للخوف. فأنا أوفر مصروفي وأساعد أسرتي، وأرغب بتطوير نفسي، تقول أرسلي لـ(الطريق).

تخبرنا ماريا: “المعادلة جد بسيطة، مثلما أن والداك يشقيان ويتعبان من أجل تربيتك، فعليك بمرور الوقت أن تلعب دوراً عكسياً، وتقوم بمساعدتها وتحمل المسؤولية معهما”.

“أساعد أسرتي، وأرغب بتطوير نفسي”- ماريا عبدالرحمن (الطريق)

“والدتي وأخي هما من لعبا دوراً كبيراً في التحاقي بمجالي الحالي، لقد سجل لي أخي بالمعهد”، تقول ماريا.

لكن ماريا الآن تصحو يومياً، عند الساعة السادسة صباحاً، عدا أيام الجمع، لأداء بعض واجبات المنزل واستعداداً للذهاب إلى مقر عملها والذي يبعد كثيراً عن منزلها، ويبدأ دوامها عند التاسعة صباحاً ويمتد إلى الساعة السادسة مساءاً.

تقول ماريا: “أجد تعاملاً جيداً من زملائي، ونُعطى أجراً متساوياً. أما الحوافز فتأتي على حسب زيادة المجهود”.

“كوني امرأة، أعمل وسط رجال، أمر لا يؤثر علي. وأدعو البنات أن لا يتخوفن من ذلك. وأن يقتحمن أي مجال يرين أنهن قادرات على العمل فيه. حتى لو كان حكراً للرجال”- تضيف ماريا.

تنصح ماريا من يرغبن بالعمل في مجال الميكانيكا بالقول: “طالما تثقين بنفسك وتتدبرين شؤون حياتك بشكل جيد، فلا خوف من أي شيء”.

تخطط ماريا لأن تطور قدراتها اكثر واكثر في مجال كهرباء السيارات… ” لا أقول أن عملي الحالي هو عمل مؤقت، لكني اعتبره مدخلاً لأترقى في مجالي وأطور قدراتي”.

“وأسعى لإكمال دراستي بالالتحاق بجامعة السودان، في وقت قريب، فأنا أطمح لتحقيق أشياء كثيرة تتعلق بمستقبلي”، تقول ماريا.

 

الخرطوم – الطريق

https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2017/03/٢٠١٧٠٢٢٧_١٣٠٥١٤-300x183.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2017/03/٢٠١٧٠٢٢٧_١٣٠٥١٤-95x95.jpgالطريقMain Sliderتقاريرحق العملأمام أحد محال منطقة صناعية مصغرة، تكتظ بالسيارات المتراصة في انتظار الصيانة، قريباً من وسط العاصمة السودانية الخرطوم، وجدتُ سحر إبراهيم البركة (21 عاماً)، تتناول إفطارها تحت ظلال إحدى الأشجار، وهي تتوسط خمسة شُبان، يعملون جميعهم في مهنة مكيانيكا السيارات. كانت سحر، تبدو عادية وهي ترتدي 'الأبرول'، لكنها تضع طرحة...صحيفة اخبارية سودانية