أخيرا أعلنت وزارة الداخلية الغاء قرار حظر سفر الاطباء خارج السودان الذي كانت قد فرضته قبل بضعة اسابيع وانتقدناه يوم صدوره وظل مطبقا حتى بداية تنفيذ القرار الأخير اذ لم يكن القرار منطقيا ولم يكن مقبولا ولا معقولا ان تصادر حق طبيعي لفئة من المواطنين بحكم مهنتهم وان يطبق المنع على كل من ينتمي لمهنة بعينها.

كانت حجة الوزارة انها قد استجابت لطلب من وزارة الصحة حين اتخذت قرارها على ان وزارة الصحة نفت ذلك موضحة أنها طلبت فقط الرجوع اليها في حالة سفر الاطباء المتعاقدين معها وان الداخلية اساءت فهم ما طالبت به الصحة- ولكن حتى لو كانت الصحة قد قدمت مثل هذا الطلب فكان الأجدر بوزارة الداخلية ان تمتنع عن تنفيذه لانها مؤسسة ينبغي ان تسهم في حماية الحقوق الدستورية للمواطنين التي ينتهكها قرار بهذا القدر من الشمول بحيث يطبق على كل فرد ينتمي الى مهنة ما- والمنع لا يكون مبررا الا اذا كان بصفة فردية ووفق سلطة قانونية- وليس حقا اداريا مطلقا دون قيود.

بل ان الدستور ينص على ان اي قانون يتعرض لحقوق المواطنين لابد ان يكون هدفه حماية تلك الحقوق وليس مصادرتها وهذا يعني ان اي قانون يمنع السفر منعا شاملا ومطلقا هو قانون غير دستوري.

على ان القضية الأهم التي يثيرها صدور قرار حظر السفر هي قضية ضعف الالتزام المؤسسي بحقوق الانسان وقضية وجود قوانين وسلطات وممارسات واوامر ادارية نافذة تتعارض تماما مع مبادئ اساسية تضمنتها وثيقة الحقوق التي اعتمدها الدستور وقد ظل المطلب الشعبي بتعديل القوانين التي تتعارض مع الدستور قائما والمطالبة مستمرة منذ نفاذ الدستور وحتى يوم الناس هذا دون ان يتحقق هذا وقد وعدنا وزير العدل الجديد الذي يبذل جهدا مقدر في ارساء دعائم حكم القانون بتعديل تلك القوانين عما قريب وسننتظر لنرى.

على ان امر الانتهاكات ليس وقفا على القوانين التي تستحق التعديل وحدها اذ ان هناك ممارسات من الجهاز التنفيذي وهناك اوامر ادارية تصدر وهي تصادر حقوقا منصوصا عليها في الدستور مثل هذا المنع الجماعي لسفر الاطباء الذي اعتمدته وزارة الداخلية ولم تتصدى لها وزارة العدل لتنبهها الى قرارها ذلك يصادر حقا دستوريا- وهذه مهمة ينبغي ان تضعها وزارة العدل في اعلا قائمة مهامها.

وهذه الممارسات تكشف ايضا عن ضعف ثقافة حقوق الانسان لدى مستويات السلطة التنفيذية المختلفة وهذا يقتضي ان يتصدى له المجلس الاستشاري لحقوق الانسان التابع لوزارة العدل ومفوضية حقوق الانسان وغيرهما من المؤسسات العاملة في هذا المجال فتقيم سمنارات وندوات وورش العمل لترفع من درجة الوعي بوثيقة الحقوق لدى اجهزة الدولة المختلفة خاصة وان اداء السودان في ملف حقوق الانسان مازال يشكل هاجسا للحكومة كل عام وهي تواجه نقدا حادا لادائها امام مجلس حقوق الانسان العالمي ابان دورات انعقاده السنوية وقد التزم بذلك وضع السودان تحت رقابة دولية مشددة تحت البند الرابع أو مخففة تحت البند العاشر ومثل هذا الاجراء سيخفف كثيرا من تلك الضغوط على الأقل !!

لقد أعلنت وزارة الداخلية الغاء قرارها السابق ووضع ضوابط جديدة ذات طبيعة فردية وينبغي ان تتابع كيف تنفذ هذه الضوابط الجديدة !!

محجوب محمد صالح

منع سفر الاطباء وانتهاك حقوق الانسانhttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/محجوب-21-300x148.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/محجوب-21-95x95.jpgالطريقأصوات وأصداءحقوق إنسانأخيرا أعلنت وزارة الداخلية الغاء قرار حظر سفر الاطباء خارج السودان الذي كانت قد فرضته قبل بضعة اسابيع وانتقدناه يوم صدوره وظل مطبقا حتى بداية تنفيذ القرار الأخير اذ لم يكن القرار منطقيا ولم يكن مقبولا ولا معقولا ان تصادر حق طبيعي لفئة من المواطنين بحكم مهنتهم وان يطبق...صحيفة اخبارية سودانية