مصر احتلت (حلايب) احتلالا عسكريا منذ عقدين من الزمان وظلت تدير المنطقة كما تشاء وخلال هذه الفترة سعت لتغيير الواقع على الأرض واحدثت حراكا سكانيا وحراكا اقتصادية ومجتمعيا وحراكا خدميا وفر خدمات للسكان كانوا يفتقدونها وهي تهدف من كل ذلك لتغيير الواقع على الأرض- بينما السودان لا يملك الا ان يردد شعار ان (حلايب) سودانية وانها ستظل سودانية دون اي جهد آخر- جهد سياسي او دبلوماسي بحثا عن حل للمشكلة.

ويتبارى المسئولون في الحديث عن سودانية حلايب والتأكيد على انها ستظل سودانية الى الأبد ولكنهم يقرنون هذه الشعارات بالتأكيد على انهم لن يسمحوا لمشكلة حلايب بأن تسمم الاجواء بين البلدين مع انها واقعا (سممتها) وما تزال تسممها ما دامت غائبة عن الاجندة السياسية والدبلوماسية فالصمت لا يثبت حقا والاهمال لا يغير من الواقع شيئا وما من احد يريد لها ان تنفجر حربا بين البلدين، لكن بين الصمت وحسن العلاقات مجال واسع للحراك الرسمي الذي يسعى لحل المشكلة قبل ان تزيد استفحالا فهي اصلا مستفحلة.

المعالجة السلمية متاحة عبر مجالات عديدة ولكن السودان لا يضغط في سبيل تحقيق واحدة منها- نحن مع استبعاد الحل العسكري والتركيز على الحل السلمي اولا وهذا يقتضي ان تدخل حلايب فورا اجندة الحوار المشترك بين البلدين وان تنتهي مرحلة(العجز السكوتي) فالصمت لا يحل قضية وتأجيل النظر يزيد الامر تعقيدا ولكلا البلدين حججا قانونية تستند عليها في تأكيد حقه في المنطقة لكن السودان في الوضع الاقوى لان المنطقة كانت واقعا وقانونا تابعة له منذ مطلع القرن العشرين وحتى احتلال مصر لارضها بعد اكثر من تسعة عقود من الحكم الثابت والمستقر- بل هي كانت خارج نطاق القطر المصري حتى قبل الحكم الثنائي.

مصر من جانبها تحتكم الى نص وارد في اتفاقية الحكم الثنائي يجعل كل المنطقة شمال خط عرض (22) ارضا مصرية وكل ما جنوبه ارض سودانية ومثلث حلايب يقع شمال هذا الخط وبموجب هذه المادة هي ارض مصرية ولكن الذي تتجاهله مصر عن قصد ان هذه المادة عدلت بعد عامين من توقيعها بقرار رسمي احدث تعديلات على الحدود الشمال بحيث الحق مواقع شمال الخط بالسودان في منطقة حلايب ووادي حلفا والحق مثلث صغير جنوب الخط بمصر التزاما بمبدأ مراعاة الحدود للتركيبة السكانية.

هذا الخلاف لابد من حسمه ولابد من ان نرفض مبدأ منح الحق لاي طرف لكي يفرض رؤيته بالقوة ولذلك المتاح للبلدين هو الدخول في حوار مباشر وطرح كل الحجج القانونية والادارية واستدعاء الواقع السكاني البعد القبلي خلال الحوار لحسم القضية ثنائيا ووديا اما اذا تعذر ذلك فيمكن ان يتفق الطرفان على التحكيم وعلى تكوين هيئة التحكيم والاتفاق على رئيسها ومجالي تفويضها وتمثيل الطرفين في الهيئة ثم عرض النزاع امامها.

والاحتمال الثالث والاخير- اذا تعذر الحل الاول والثاني- هو اللجوء لمحكمة العدل الدولية وهو طرح اقترحه السودان ولم توافق عليه مصر ومحكمة العدل الدولية لا تتدخل في اي قضية الا بموافقة الطرفين وما دامت مصر ترفض اللجوء للمحكمة فان محكمة العدل الدولية لا يمكنها النظر في القضية مما يثير السؤال هو تقبل مصر محكمة تفصل في الصراع بينها وبين اسرائيل في قضية طابا وتمتنع عن الموافقة على ازمة تحدد علاقاتها مع اكثر دول الجوار التصاقا بها؟

اذا تركنا هذه القضية معلقة لاكثر من هذين العقدين فإننا سنعرض العلاقات الثنائية لخطر عظيم وهو ليس في صالح اي من البلدين ونحن نتابع ما يكتب في وسائل الاعلام المصري وردود الفعل الاعلامية السودانية فيزداد احساسنا بان هذه القنبلة الموقوته قد اقتربت من لحظة الانفجار وترديد المسئولين السودانيين وتأكيدهم على سودانية حلايب هو مجرد تعبير عن تفكير رغائبي لان الواقع على الأرض يمكن ان يتغير فربط حلايب بطرق نافذة الى العمق المصري وتوفير فرص العمالة وتقديم الخدمات بصورة شاملة وفتح المدارس والتوسع في الخدمات التعليمية والصحية كلها اجراءات تحدث واقعا مختلفا على الارض وتؤدي الى نتائج محسوسة وقد انخرطت مصر ي مثل هذه الخطط الآن وتحظى حلايب بخدمات بمستوى افضل مما يتوفر للمناطق المصرية الأخرى العربية منها وذلك لتأليف قلوب اهلها ولمدهم بخدمات اساسية عجزنا ان نقدمها لهم وقد اخذ الواقع من حول سكانها الآن يتغير كثيرا.

السياسة الحكيمة الوحيدة التي تخدم مصلحة البلدين والشعبين هي الانخراط فورا في حوار لحل هذه المشكلة وفق اي من الخيارات الثلاثة التي طرحناها: اما الحل التفاوضي المباشر أو اللجوء للتحكيم او احالة القضية لمحكمة العدل الدولية واي تسويف او مماطلة سيؤدي في نهاية المطاف الى تصعيد لا تحمد عقباه!

محجوب محمد صالح

اذا لم نعالج الأزمة فلن تظل(حلايب سودانية للأبد) !https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2016/05/mahjoob-1-196x300.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2016/05/mahjoob-1-95x95.jpgالطريقأصوات وأصداءعلاقات خارجيةمصر احتلت (حلايب) احتلالا عسكريا منذ عقدين من الزمان وظلت تدير المنطقة كما تشاء وخلال هذه الفترة سعت لتغيير الواقع على الأرض واحدثت حراكا سكانيا وحراكا اقتصادية ومجتمعيا وحراكا خدميا وفر خدمات للسكان كانوا يفتقدونها وهي تهدف من كل ذلك لتغيير الواقع على الأرض- بينما السودان لا يملك الا...صحيفة اخبارية سودانية