(1)

إن تاريخ الشعوب لا يبنيه الافراد الأُحْدانُ لفرادتهم، ولا تنسج قماشته الاحداث المعزولة، وانما تبنيه الشعوب بفعلها الجمعي ومن خلال الاحداث التي توحدها.  إن الاحداث، سيما الكبرى منها، وبصفتها الجمعية تلك إنما تمثل مفتاحاًحقيقياً لتفسير العلاقة بين الشعوب وتاريخها. فمن هذا المدخل ينبغي النظر لحركة مزارعي السودان وفي طليعتها حركة مزارعي مشروع الجزيرة والمناقل، خاصةً ونحن نستقبل الذكرى الثانية والستين للموكب المهيب الذي سيره مزارعو مشروع الجزيرة والمناقل في يوم 29 ديسمبر 1953، والذي عُرِفَ وإندرج في التاريخ تحت”موكب المزارعين في ميدان عبد المنعم”، في الخرطوم.

تمر هذه الذكرى وفي الخاطر حسرة كبيرة مما آل إليه حال المزارعين، ليس في مشروع الجزيرة لوحده وإنما حال مجمل مزارعي السودان، الذين لم تستقبلتهم سجون الاستعمار بمثلما فعلتْ سجون هذا النظام الظالم. ولكنها ذكرى عزيزة لحدثٍ ملهم. وفي ذلك، بالقطع، الكثيرُ من العزاء.

(2)

كان موكب 29 ديسمبر 1953 لأجل الاعتراف باتحاد مزارعي الجزيرة والمناقل، الذي كونه المزارعون بملء ارادتهم الحرة ودونما وصايا، بديلاً لهيئة المزارعين التي قام بتعيينها المستعمر. وقد تم للمزارعين ما ارادوا، فقد كسبوا معركتهم ضد الادارة المستعمرة، وفرضوا على إثرها الاعتراف باتحادهم. وكانت معركة كبرى، وبكل المقاييس. وهي كبرى لسببين،الأول يتمثل في أنها كانت حدثاً فاصلاً في تاريخ السودان الحديث، واما السبب الثاني،فهو انها أسهمت في الدفع بمسيرة السودان نحو حداثته إلي مراقي اعلى.

ونستبين ذلك في الآتي، إنه وبعد ان استقر الامر للحكم الاستعماري في عام 1898،إثر هزيمته للدولة المهدية، واجهت الإدارة الاستعمارية احداث متعددة،ولكن من بينها ثلاثة احداث مميزة، إنطلقت من مواقع مختلفة للفرز الاجتماعي، إذ أنها إرتبطت بفئات جديدة ذات وعيجديد ناهض،لم يكن وعياً ملامساً للاستنارة وحسب، وانما وجوده نفسه لم يكن ممكناً بدونها.

فاول تلك الاحداث قادته جمعية اللواء الابيض، وقد تجلى ذلك في إنتفاضة 1924، التي وبالرغم من إنكسارها اسهمت في نشر وعي نوعي جديد ومختلف. وعيٌ ترك تداعياته على مجمل تطور الحركة السياسية في السودان فيما بعد، كان أقلها شأناً في مجرى الصراع الذي خلَّفه هو القول بوضاعة المنبت الإجتماعي لقادتها!!!. وثاني تلك الأحداث هوذلك الموكب الذي سيره عمال السكك الحديد بمدينة عطبرة لاجل اجبار السلطة الاستعمارية على الإعتراف بهيئة شؤون العمال، والذي كان في يوم 11 يوليو 1947.إشترك في ذلك الموكب حوالي 12 الف عامل، وقد كان ذلك ذي دلالة كبيرة.

واما الحدث الثالث، فهوالموكب الذي سيره المزارعون في 29 ديسمبر 1953 لاجل الاعتراف باتحاد مزارعي الجزيرة والمناقل، كممثل شرعي للمزارعين. وكان قوامه حوالي 25 الف مشارك. مثَّلَ موكب المزارعين، بحجمه ذاك وفي ظرفه التاريخي ذلك، تحولاًوطفرةً جديدين في العمل المنظم ذي العمق الشعبي. وتلك كانت هي السمة الفارقة التي اهَّلتْ موكب المزارعين ليكون حدثاً فاصلاً في تاريخ السودان الحديث.

وأما فيما يلي دفعه لمسيرة السودان نحو حداثته، فهناك ملمحان لذلكالامر، الملمح الاول هو ان الباحثين والكتًّابَظلوا يؤكدون،وعلى الدوام، بان العمل الجماهيري القاعدي الذي سبق ذلك الموكب لم يكن مسبوقاً. فلقد وصل قادة حركة المزارعينإلى كافة المزارعين في قراهم ومدنهم، ووضعوا لهم قضايا المشروع بين يديهم، ومن ثمَّ لم يتم تسليحهم بوعي جديد وحسب، بل ان حالة ثورية مشهودة كان أن انتطمت كافة المشروع بتفاتيشه واقسامه الزراعية المختلفة. اما الملمح الثاني فهو أن تمَّ، ولاول مرة في تاريخ السودان الحديث، الاجتماع بين تنظيمات العمل النقابي الجديدة للاحتفاء بالوحدة التي حققها مزارعو مشروع الجزيرة والمناقل.وتلك حقيقة اكدها المرحوم الاستاذ كامل محجوب حين كتب عن المؤتمر التأسيسي لاتحاد مزارعي الجزيرة والمناقل، قائلاً “وتعبيراً عن التأييد والمساندة حضر المؤتمر مندوبون عن إتحاد العمال واتحاد مزارعي الشمالية وإتحاد العمال السودانيين بمصر”، (كامل محجوب، 1999، ص 71).هذا، وتعزيزاً لمسيرة التحديث التي بدأت في النمو فقد شرع مزارعو الجزيرة في التصدي لمهمة بناء حركة نقابية وسط المزارعين، فكان تعاونهم مع مزراعي النيل الابيض والنيل الازرق لاجل تاسيس اتحاداتهم، وقد تمت تلك المهمة بالفعل، حيث قامت اتحادات للمزارعين في ام هاني، قلي، الفشاشوية، ام جر وكساب، وغيرها من المشاريع الخاصة. فهكذا إتسعتْ رقعة الوعي، وهكدا تعددت حواضنه.

(3)

عملتْ الحكومات البريطانية المتعاقبة باستمرار على بعث انجب موظفيها للعمل في مستعمرتين محددتين من بين كل مستعمراتها،  الاولى هي الهند وذلك لانها كانت، ولأهميتها، تمثل “جوهرة التاج البريطاني”. واما المستعمرة الثانية، فهو السودان وذلك لانه كان يتميز بوضعٍ فريد من بين كل مستعمرات الامبراطورية البريطانية، إد كان يتبع لوزارة الخارجية بدلاً من ان يكون تابعاً لوزارة المستعمرات كبقية المستعمَرَات الأخرى!!!.

وفيما يخص السودان، يُلاحظ أنه قد جمعتْ بين الاداريين الذين إختلفوا فيه على منصبي الحاكم العام والسكرتير الإداري،جمعتْ بينهم جملة منالصفات المشتركة، منها انهم من خريجي جامعتي كمبردج واكسفورد، وانهم كانوا على قدر عالي من الثقافة، حيث ترك كل منهم سَفَراً قيِّماً عن تجربته في خدمة الامبراطورية البريطانية، وخاصة تجاربهم في إدارة السودان. وفي المقدمة الابرز بين هؤلاء الاداريين ياتي السير هارولد ماكمايكل، والسير جيمس روبرتسون، واخيراً السير آرثر جيتسكل.وتحفظ المكتبة السودانية للاول كتابه المعروف بـ “السودان”، وللثاني كتابه المعروف بـ “السودان من الحكم البريطاني المباشر إلى فجر الاستقلال”، وللثالث كتابه الذي لا يضاهى، والمعروف بـ “الجزيرة، قصة تنمية في السودان”.

إنه ومن اهم ما جمع، أيضاً، بين هؤلاء الاداريين الثلاثة هو ان شهد السير ماكمايكل، كمساعد سكرتير وسكرتير إداريبدء إنشاء مشروع الجزيرة، وأن شهد السير روبرتسون بدء قيام إتحاد مزارعي الجزيرة والمناقل، ليس ذلك وحسب بل انه كان الطرف الآخر والغريم الدي لعق جراحه في معركته ضد المزارعين، تلك التي قام على اثرها إتحادهم. اما السير جيتسكل فقد شهد اهم حدث في تاريخ مشروع الجزيرة حين تم نقل إدارة المشروع من الشركة الزراعية السودانية،وليصبح هو اول محافظ للمشروع تحت إدارة جديدة مختلفة عما سبقتها. وقد عُرِفتْ الإدارة الجديدة بـ “مجلس إدارة مشروع الجزيرة”، ولتتأسس بعد ذلك على ضوئها العلاقة بين اطراف المشروع الثلاثة، المزارعون، الحكومة، وإدارة مشروع الجزيرة. وهي العلاقة التي إستمرت منذ العام 1950 وحتى صدور قانون سنة 2005 الزنيم!!!.

هذا السرد ليس مقصوداً لذاته، وانما القصد منه تبيان رفعة العقول وشأو القوى التي كان يواجهها مزارعو الجزيرة في مسيرة نضالهم ولأجل تحقيق مصالحهم!!!. وقد إنتصروا عليها في مواجهتهم لها، وفي كل المعارك الكبرى التي خاضوها ضدها!!!.

(4)

كتب السير جيمس روبرتسون فيما يشبه الندم في معرض رد فعله لما حققته الحركة النقابية الناهضة في السودان من انتصارات، كتب مُقَلِّلاً من شأن تلك الإنتصارات قائلاً، “كان هناك خطأ آخر في السودان وهو عدم إزالة أسباب الإضراب قبل وقوعه، ولكن بعد وقوعه، الشئ الذي جعل اعضاء النقابات يظنون أن للإضراب مكاسب”. (السير جيمس روبرتسون،ص 199). حديث السير جيمس روبرتسون واضحٌ،فهو لا يطابق الواقع، لان إزلة اسباب الغبن والذي هو بدورهكان سبباًلقيادة الاضرابات، هي إزالةغير ممكنة، لأنها وفي الأساس تتناقضوأهداف الاستعمار. إن المطالب التي رفعتها النقابات تتضمن وموضوعياًالهزيمة لمشروع المستعمر، اي مشروع الادارة البريطانية في السودان. وفي التدليل على ذلك، مثلاً، فقد تضمنت العريضة التاريخية التي رفعها المزارعون في موكب يوم 29 ديسمبر 1953 ومن ضمن ما طالبت به، في ذلك اليوم المشهود، المطلب التالي:

“واليوم يقرر مزارعو الجزيرة، وبغض النظر عن إتجاهاتهم السياسية والطائفية والاجتماعية، إنهم يرفضون رفضاً باتاً السياسة الإقتصادية البريطانية، القائمة على اساس نهب إنتاج الجزيرة وسلبه لصالح الشركات البريطانية. ونحن نصرُ ونكافح لتحقيق إصرارنا على إرجاع جميع حقوقنا وأن ننال ثمرة جهودنا كاملة، لرفع مستوانا المعيشي وتعليم ابنائنا، ووقاية عائلاتنا من الأمراض الفتاكة، والإفلاس المريع ولن نتراجع عن هذا الموقف).

إن الشخص المتمعن لهذا المطلب الراكز، لا يسعه ان يرى في حديث السير جيميس روبرتسون الوارد اعلاه سوى ان فيه بحثٌ عن السلوى إثر الهزائم التي لحقت بمشاريع الادارة المستعمرة، لا غير!!!. فهذا المطلب إلى جانب عدالته، فقد جاء يحمل في طياته روح المصادمة، وهو امرٌ ما كان سترضخ له الادارة المستعمرة بدون ذلك الموكب وبغير تلك مواجهة، وهو واضح أنه ومما لا يتفق ودعاوي السير روبرتسون وتمنياته بالإزالة المسبقة للاسباب التي تعطي النقابيين، عند تحقيقها، الاحساس بالإنتصار!!!.

ولكن، وبالرغم من كل ذلك فقد جرت الحقيقة منسابة على لسان السير روبرتسون في مكان آخر، اي في مقدمته لكتابه حين ذكر قائلاً:

“حقاً فإن الاسس التي عملنا بمقتضاها، كانت تعتمد على نظرة ابوية حيال الناس الذين نحكمهم، وان التغييرات التي كنا نبحث لهم عنها كانت هي المناسبة في نظرنا نحن، وليس في نظرهم هم”. (السير جيمس روبرتسون، ص 9).

فهذا الدرس العميق والمشحون بالبلاغة الذي وصل اليه المستعمر بعد طول تجربة، يحتاج ان يعيه نظام الرأسمالية الطفيلية الاسلامية (رطاس)، وهو في غيبوبة هجمته الحالية على المشروع!!!. بلولاكثر من ذلك، إذيحتاج ان يتأمل في تاريخ المشروع كما درج على ذلك اهل المشروع أنفسهم.

(5)

إن الكتب تسلب الأحداث دفأها، ولا تسد الشواغر في تسلسلها. أهل الجزيرة حكاؤون.  يحفظون تاريخ المشروع عن ظهر قلب، سيما احداثه العظام.
في خريف عام ١٩٨٢، وفي عزاء جدنا علي ود العبيد في قرية الكتير مساعد، جلس الناس كعادة اهل الجزيرة، ودونما إتفاق مسبق، يتناوبون بحماس وعفوية في رواية تاريخ المشروع، غير انه لم يكن هناك منْ يضارع عمنا احمد ود الماحي، مؤذن جامع الكتير، وقتها، في روايته لأحداث موكب  المزارعين في ميدان عبد المنعم. فلقد كان، وكلما جاء ذكر الأمين محمد الأمين أثناء سرده، لميتوانَ في ترديد مقطعه الأثير “اللمين مو راجلاً  ضكر”، ثم يتابع في سلاستهالممتعة التي أعانته عليها ملكتهالآسرة في الحكي، بل ان سبابته، اي  “شيخ اللمين” كانتا ترتفع من وقت الى اخر في مواجهة السكرتير الاداري،كما روى عمنا احمد ود الماحي، وفي الخارج تتصاعد النداءاتمن مكبرات الصوت إلى عنان السماء،وفي جنبات الميدان، “يا طالب الغذاء وَيَا طالب الكساء، اليوم يومك”.، على حسب ما روى هو.

فهذه التفاصيل الحميمةوالتي قد لا يتم التوفر عليها من بطون الكتب، هي التي صنعت لحمة ذلك الحدث وسداه، وجعلته يسير بين الناس، إلى يوم الناس هذا!!!.

(6)

إن زبدة القول هي ان نضع موكب المزارعين في 29 ديسمبر 1953 في مكانه الذي يستحق حين التصدي لتاريخنا الحديث، وحين البحث في اسباب حداثة السودان، وحين التقصي في جذروها كذلك. فإتحاد المزارعين الذي تأسس كنتاج لذلك الموكب وما سبقه من عمل شعبي واسع، ساهم في ترسيخ العمل الديمقراطي في منطقة الجزيرة من خلال تكوين مجالس الانتاج الزراعية، وفي تكوين مجالس مناديب المزارعين في مختلف مكاتب التفتيش. وإذ ان هذه المجالس كانت تعتمد الانتخاب الحر الديمقراطي سبيلاً وحيداً لاجل تكوينها.

كان إتحاد مزارعي الجزيرة والمناقل من اكبر نقابات العمل في السودان إذ انه يمثل 125 الف مزارع، من بينهم 17500 من النساء، وتلك ميزة لم تتوفر عليها اي من النقابات الكبرى في البلاد. وبفضل الوعي الذي عززه إتحاد المزارعين في منطقة الجزيرة، والتي يقارب عدد سكانها 6 ملايين فقد ساهمت الجزيرة، على صعيد العمل الوطني، في تأسيس موتمر الخريجين وفي الانتصار للاستقلال ولثورة اكتوبر 1964 ولإنتفاضة ابريل 1985، وهي تنتصر الآن في وجه الرأسمال الطفيلي الإسلامي، وذلك بوقوف ذلكالتاريخ المجيد الذي صنعته وبكل تقاليده الراسخة ترياقاً في وجه “إقطاعي”العصر و”نبلائه”، الذين يحتفلون ويرقصون الآن وسط الجوع وانين السرطان والفقر، ويطربون من فوق الخراب وجثث الموتى.

صديق عبد الهادي

Siddiq01@sudaneseeconomist.com

في ذكرى المعارك الكبرى ... مزارعو مشروع الجزيرة وموكبهم في 29 ديسمبر 1953مhttps://i1.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21.jpg?fit=300%2C142&ssl=1https://i1.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقآراء وتحليلاتمشروع الجزيرة    (1) إن تاريخ الشعوب لا يبنيه الافراد الأُحْدانُ لفرادتهم، ولا تنسج قماشته الاحداث المعزولة، وانما تبنيه الشعوب بفعلها الجمعي ومن خلال الاحداث التي توحدها.  إن الاحداث، سيما الكبرى منها، وبصفتها الجمعية تلك إنما تمثل مفتاحاًحقيقياً لتفسير العلاقة بين الشعوب وتاريخها. فمن هذا المدخل ينبغي النظر لحركة مزارعي السودان وفي طليعتها...صحيفة اخبارية سودانية