اصبحت “العصا البيضاء” رمزا عالميا للمكفوفين ولأحقيتهم في إستقلاليتهم الكاملة في التنقل بكل حرية، وهي تعكس مطالبهم في حصولهم على الدعم والمساندة اللازمين من المجتمع ومؤسساته، وهذا الحق الذي ينبغي الحفاظ عليه وضمانه بتهيئة البيئة اللازمة لذلك من ناحية توفير البنية التحتية والإمكانيات العامة والضرورية وخاصة تعزيز توعية المجتمع التي لها الدور الأساسي والفعال في تيسير حياة الشخص الكفيف في جميع المجالات بما فيها إعتماده على نفسه بإستخدامه العصا البيضاء دون الحرج من نظرات الشفقة والإستغراب من المحيطين به، ويوم العصا البيضاء، الذي يصادف الخامس عشر من اكتوبر، هو دعوة عالمية للتضامن مع المكفوفين والتركيز على حقوقهم وكيفية التعامل معهم ليتجاوزوا مصاعب الإعاقة. وتقام فيه الاحتفالات فى جميع دول العالم عبر أنشطة مختلفة تعمل على تعريف المجتمعات بالعصا البيضاء.

 وتمثل معاني الإحتفال بهذه المناسبة العالمية، وقفة مشتركة هادفة يتم التأكيد من خلالها على ضرورة تقديم مكتسبات جديدة للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية وتسليط الضوء على أهم المستجدات التي تخصهم في هذا المجال، وأيضا التركيز على قدرات هذه الفئة من المكفوفين وإمكاناتهم وطاقاتهم المتفاوتة وضرورة دمجهم في المجتمع.

ماهي العصا البيضاء ؟ 

العصا البيضاء هي وسيلة مساعدة يستخدمها الشخص الكفيف في حياته اليومية تعينه على الحركة والتنقل وتزيد من اعتماده على نفسه وتحميه من المخاطر ومن الأشياء المحيطة به سواء في المنزل أو العمل أو الطريق حيث يستطيع أن يحدد وجود عائق في طريقه، أو حاجز حجري، أو أي تغيير في إنسيابية سطح الأرض أمامه ، وتميزت باللون الأبيض تعريفا  للناس أن من يحملها ويستعملها هو كفيف البصر فيبادرون إلى تقديم المساعدة له إذا اقتضى الأمر.

الاحتفال فى السودان بيوم العصا البيضاء

 نظم إتحاد المكفوفين بمحلية عطبرة،  إحتفالية إستمرت لمدة أسبوع ، من يوم 15 وحتى 24  أكتوبر المنصرم، بعنوان: ( نحو تجوال آمن لكل كفيف ) تضمنت عدة أنشطة، منها ورشة تدريب حول كيفية استخدام العصا البيضاء، ومسيرة شارك فيها أعضاء وعضوات الاتحاد بالإضافة  لأفراد من فئات مختلفة من المجتمع ، جابت شوارع مدينة عطبرة بالإضافة لإحتفال ختامى فى دار الاتحاد.

 وقال محمد عبدالله دبورة ، رئيس اتحاد المكفوفين بمحلية عطبرة، بولاية نهر النيل، الذي تأسس فى العام 1967م ، ويضم  فى عضويته حالياً (316 ) كفيف وكفيفة، ان الاتحاد يعمل على تحقيق تسعة أهداف رئيسية تصب كلها فى خدمة الكفيف/الكفيفة والدفاع عن حقوقهم ، ودمجهم فى المجتمع حتى يصبح الشخص الكفيف فى فعال فى مجتمع مدينة عطبرة.

وبحسب دبورة، فإن “الاتحاد يرعى معهد الضياء والأمل لتعليم المكفوفين، وهو معهد يختص بتعليم المكفوفين/المكفوفات فى مرحلة الأساس فى الفترة المسائية، ومراجعة المواد الاكاديمية، بالاضافة الى مواد تعليمية أخرى تهم الكفيف بشكل خاص مثل تعلم لغة برايل و المهارات الحياتية مثل الحركة و ادراك الحياة اليومية من حولهم عبر المجسمات. و كانت ثمرة هذا الجانب هى وجود طلاب وطالبات من المكفوفين/المكفوفات فى المراحل الثانوية والجامعية .ويدار هذا المعهد بواسطة خريجيه”.

  أما فى جانب توظيف المكفوفين فيقول دبورة،  “استطعنا خلال الأعوام القليلة الماضية توظيف عدد (31 ) كفيف وكفيفة عبرالحصول على استثناء لتوظيف (20 ) كفيف بالإضافة للنسبة المقررة لهم فى القانون بـ(2% ) كما هى ورادة فى قانون الخدمة المدنية العامة. وتعتبر محلية عطبرة من المحليات الرائدة فى تطبيق نسبة الـ(2% ) المقررة لتوظيف الأشخاص ذوى الإعاقة فى السودان”.

ويضيف دبورة: “حالياً يركز الاتحاد جهوده فى العمل على تعديل وتعزيز التشريعات والقوانين التى تحفظ حقوق الاشخاص ذوى الاعاقة بشكل عام، إذ تعتبر ولاية نهر النيل متأخرة على بعض ولايات السودان الأخرى فى بعض الجوانب… بالإضافة إلى انشطة تخص قضايا المكفوفين/المكفوفات كأسبوع العصا البيضاء وأعياد الاعاقة وقضايا المجتمع ككل، مثل الاحتفال بالمناسبات الوطنية والدينية والاجتماعية”.

الحق في امتلاك العصا البيضاء 

وفيما يتعلق بامتلاك العصا البيضاء كحق من حق الاشخاص ذوى الاعاقة البصرية، يقول المحامي المختص فى حقوق الأشخاص ذوى الإعاقة ، الرضي حسن الرضي : ” تنقسم العصا البيضاء لنوعين إحداهن العادية وهى التى تتوفر بكثرة فى السودان لاعتبارات مختلفة ،والنوع الآخر هو العصا الطويلة والتى لها مقاسات محددة ومنها أن طولها لابد أن يتناسب مع جسم المستخدم . وتحتوى فى نهايتها من الاسفل على كرة بيضاوية تتحرك على الارض ، وتعتبر هى الأجود والأفضل من حيث تحقيق السلامة للشخص الكفيف. لأنها تعطى مساحة أفضل لرد الفعل من قبل الشخص الكفيف تجاه اى خطر مثل التوقف والتحكم فى النفس. . ولها استخدامات محددة لكل مكان او سطح على حدة”.

ويشرح الرضي : “من الأسباب التى لا تجعل العصا البيضاء الطويلة غير مستخدمة فى السودان عدم تهيئة البيئة المادية من شوارع وأرصفة ومبانى وعمل العلامات التى تساعد على حركة الكفيف فى الأرض ( وهى عبارة دوائر بارزة على الأرض). لذا لابد من مراعاة معايير سهولة الوصول للأشخاص ذوى الإعاقة فى تصميم وتنفيذ الطرق والمبانى حتى يستطيع الكفيف التحرك باستقلالية وأمان”.

ومن الناحية الحقوقية تعتبر العصا البيضاء من الأدوات المهمة للمكفوفين والمكفوفات ويعتبر امتلاكها حق لهم حتى يعيشوا حياتهم بشكل مستقل و آمن.

والحق فى الحياة المستقلة ورد فى فى المادة رقم (19 ) للإتفاقية الدولية للأشخاص ذوى الإعاقة لسنة 2006م  التى وقع وصادق عليها السودان.

ويقول الرضي، “يعتبر  الحق فى الإستقلال من الحقوق المهمة والتى يختلف مفهومها من منطقة لأخرى… ففى منطقتنا الاقليمية عموماً ولوجود الاسرة الصغيرة والاسرة الممتدة يكون تطبيق هذا الحق مهم عبر توفير المعينات التى تتيح لهم العيش بصورة مستقلة ومنه هذه المعينات العصا البيضاء لأنها تساعد المكفوفين فى حركتهم فى الأماكن التى يرغبون فى الذهاب إليها. أيضاً تدخل العصا البيضاء فى إطار حق إمكانية الوصول وهو الحق الذى يتيح لهم الوصول لحقوقهم الأخرى… وكل هذه الحقوق مثل حقي الإستقلالية وإمكانية الوصول هدفها هو تسهيل دمج الأشخاص ذوى الإعاقة فى المجتمع وتمتعهم بحقوقهم كاملة مثلهم مثل غيرهم”.

ويرى الرضي، انه ” لا يمكن الحديث عن دمج الأشخاص ذوى الإعاقة فى السودان عبر الاتفاقية الدولية أوالسياسات بدون توفير المعينات التى تسهل لهم حركتهم وتعزز مشاركتهم فى المجتمع. وتمتد وتتشابك علاقة العصا البيضاء بكل الحقوق الأخرى مثل الحق فى الوصول و المشاركة فى الحياة الثقافية كمثال”.

مجهودات طوعية فى التعريف بالعصا البيضاء

تشترك العديد من الجهات والافراد في الاعمال التطوعية في مجال تعليم المكفوفين، ومن بين هذه الجهات منظمة بصيص، التي يقول مؤسسها أبوالعباس المهدي، ان تركيز المنظمة في الوقت الحالي ينصب في مجال “تطوير تعليم المكفوفين عبر أكثر من مشروع … و لنا خطة لمدة خمسة سنوات تهدف إلى محو أمية المكفوفين فى مجال لغة برايل وتصنيع الأدوات المعينة فى السودان بالإضافة لإنشاء قاعدة بيانات عن المكفوفين فى السودان حتى يتم توفير بيانات لحظية عن تواجدهم واحتياجاتهم فى السودان بشكل متاح لمن يرغب ويعمل فى المجال من أجل تطوير شريحة المكفوفين”..

ويضيف ابو العباس : ” أدخلنا التعريف بالعصا البيضاء فى كل أنشطتنا التوعوية … ومن بينها وقفة النور، قبل عامين، وكانت عبارة عن حملة توعوية استمرت لثلاثة ايام  اشتملت على معارض وأنشطة أخرى”.

قصور فى تفعيل قانون العصا البيضاء 

يقول أبو العباس المهدى ” ان المعضلة  الأساسية الآن هى أن قانون العصا البيضاء غير مفعل ،فعلى الرغم من أن شرطة المرور تقول أن كوادرها ملمين بعلامات العصا البيضاء الخمسة ويعملون على تفعليها ولكن على أرض الواقع لا يحدث فعل يدعم هذا التفعيل، فإن حاول أحد المكفوفين القيام بإحدى حركات العصا البيضاء فلا يوجد أحد من السائقين او المارين فى الشارع على علم بما يفعله او أحد يلاقيه ان لم يلتزم بهذه العلامات.

ويرى ابو العباس، انه “إلى الآن يتم التعامل مع المكفوفين بنظرة الشفقة بدلا من نظرة الحقوق والمشاركة …. ولا يتم التعامل معه فى الشارع كشخص مستقل على الرغم من ان هنالك طلاب في  معهد النور تقل أعمارهم  عن الـ 18 عاما ، يستطيعون السفر  وحدهم لأهاليهم فى مناطق خارج العاصمة”.

و يقول ابو العباس، “توجد عقبة كبرى وهى عدم تأهيل الشوارع لحركة المكفوفين ونتيجة لذلك تكون هناك صعوبات ومخاطر فى حركتهم وحتى حالات وفاة بسبب الإهمال الحكومى فى هذا الجانب … وهذا يعمل كعائق فى حركتهم وتنقلهم وبالتالى مشاركتهم فى المجتمع ومساهمتهم فيه من كل النواحى”.

دعوة لإتخاذ اجراءات تفعيل قانون العصا البيضاء

يختتم ابوالعباس المهدى حديثه قائلا” لابد على الجهات الحكومية وشركاءها من مصممين ومنفذين للمشاريع العامة فى الطرق والمبانى مراعاة كود البناء الذى يراعى حاجات الأشخاص ذوى الإعاقة ككل والمكفوفين خصوصاً. والعمل على تفعيل قانون العصا البيضاءومراقبة تنفيذه ، بالإضافة الى تحديد جهة مختصة ومسؤولة من توفير العصا البيضاء مجانا” للاشخاص ذوى العاقة البصرية وتدريبهم وغيرهم من افراد المجتمع  على علاماتها . بالإضافة الى العمل على توعية المجتمع عبر جميع وسائل الاعلام وخصوصا” الحكومي منها”.

وليد النقر 

  • أخصائي تخاطب وناشط في حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة
https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2016/11/atbra-300x180.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2016/11/atbra-95x95.jpgالطريقمجتمع مدنيمجتمع مدنياصبحت 'العصا البيضاء' رمزا عالميا للمكفوفين ولأحقيتهم في إستقلاليتهم الكاملة في التنقل بكل حرية، وهي تعكس مطالبهم في حصولهم على الدعم والمساندة اللازمين من المجتمع ومؤسساته، وهذا الحق الذي ينبغي الحفاظ عليه وضمانه بتهيئة البيئة اللازمة لذلك من ناحية توفير البنية التحتية والإمكانيات العامة والضرورية وخاصة تعزيز توعية المجتمع...صحيفة اخبارية سودانية