تراجع كثيراً الحديث عن الحوار الجامع الذي شغل المجتمع السوداني والإقليمي والدولي منذ أن طرح رئيس الجمهورية مبادرته الأخيرة قبل خمسة أشهر في يناير من هذا العام، لكنَّ القضايا المتفجرة التي شغلت الرأي العام هي بطبيعتها وثيقة الصلة بالحوار الدستوري ولابد أن تصبح جزءاً من أي أجندة تطرح للحوار إذا أردنا له أن يكون حواراً شاملاً يؤسس لدولة حكم القانون، والتحول الديمقراطي الراسخ، والحكم الراشد، وجماعية المشاركة في الوطن دون إقصاء لأحد أو لرأي.

–         القضية الأولى التي تفجرت واستأثرت باهتمام الرأي العام هي قضية خليق بها أن تثير اهتمام الناس؛ فالفساد أصبح قضية عالمية له آثاره السالبة بعيدة المدى ليس على نزاهة الحكم فحسب بل ايضا على التنمية والعدالة الاجتماعية واتساع دائرة الفقر والإخلال بمبدأ المساواة أمام القانون وتكافؤ الفرص وترشيد التعامل مع المال العام.

–         القضية الثانية التي تفجرت واهتم بها الناس كثيراً هي قضية البلاغ الذي فتحه جهاز الأمن والمخابرات ضد رئيس حزب الأمة على ضوء تصريحاته الناقدة لمسلك قوات التدخل السريع. وليست هناك غرابة في أن تلجأ السلطات إلى القضاء في قضية ما وتوجِّه الاتهام لأي شخص، فليس هناك أحد فوق حكم القانون وكل الذي يطالب به الناس إجراءات عدلية سليمة، وقضاء مستقل، وقوانين ذات طبيعة دستورية. ولقد شاب هذه القضية احتشاد سياسي قام على أساس محاكمة علنية وإدانة مسبقة، واتهام بالعمالة والخيانة والارتزاق قبل أن يفتح البلاغ الذي مازال في مرحلة التحريات الأولية. ولا يتمثل ذلك في الإعلان عن الاتجاه لفتح البلاغ بل يتمثل في المؤتمر الصحفي الذي عقده قادة القوات موضوع الاتهام ووجد تغطية واسعة من كل أجهزة الإعلام التي وجَّه له الدعوة جهاز الأمن، ثم الحوار المفتوح والجامع الذي حدث في البرلمان والذي وجِّهت من خلاله أخطر التهم والإدانات لرئيس حزب سياسي غير موجود في ذلك المنبر لا هو ولا حزبه، وقد تم ذلك رغم أن الرئيس السابق للجنة القانونية بالمجلس نبَّه إلى أن مثل هذا الحوار يجافي اللوائح والقواعد المرعية بعدم تعرض الهيئة التشريعية بالنقاش لقضية هي قيد التحري أو قيد المحاكمة. واليوم سيعقد السيد الصادق الهدي مؤتمراً صحفياً وسيرد على كل تلك الاتهامات والإدانات وتصبح القضية قضية رأي عام قبل أن تصل إلى المحاكم.

–         القضية الثالثة هي رفض تسجيل الحزب الجهموري رغم اكتمال الوثائق إذ أعطى المسجل لنفسه حق الحكم على النوايا وليس اتخاذ القرار حسب الوثائق المقدمة له وأجهض مبدأً دستورياً هاماً وهو حق التنظيم الذي كفله الدستور واحترام الرأي الآخر مهما كانت درجة الاختلاف معه.. هذه قضية ذات أبعاد دستورية ولا يمكن إحداث تحول ديمقراطي راشد حال محاصرة أو رفض الرأي الآخر.

–         أخيراً قضية(الردة) الواردة في القانون الحالي وفيه خلاف بين المسلمين أنفسهم وقد ثار جدل حوله، وهي قضية ما زالت في بداياتها والحكم الذي صدر فيها هو حكم ابتدائي مفتوح على كافة الدرجات الاستئنافية حتى المحكمة الدستورية لكنه يعيد إلى الذاكرة حكماً سابقاً أودى بحياة زعيم الجمهوريين في قضية حكمت المحاكم لاحقاً وبعد أن نفذ حكم الإعدام بعدم صحتها قانوناً، وقد أثارت هذه القضية ردة فعل على المستويين العالمي والمحلي، ونادى إمام الأنصار السيد الصادق المهدي بالأمس بتجميد مادة الردة في القانون الجنائي (المادة 126 من القانون الجنائي) إلى حين(الاتفاق بين المسلمين حول الاجتهاد الصائب الذي يحقق مقاصد الشريعة ويوافق مطالب السياسة الشرعية في القرن الحادي والعشرين) وبذلك يعود الجدل حول هذه القضية ايضا إلى مربع الحوار الشامل. ويستوقفنا في هذا الصدد تصريح أدلى به السيد أسامة توفيق القيادي بالمؤتمر الوطني سابقاً والقيادي بحزب (الإصلاح الآن) حالياً والذي اعتبر فيه كل هذه الوقائع دليلاً على انتكاس مشروع الحوار الجامع، وقال إنهم في حزب الإصلاح (أكثر الناس علماً بأسلوب الحزب الحاكم… وهذا شغل كنا نعمله داخل المؤتمر الوطني ونعرف كيف (نشتت الكورة)!!

محجوب محمد صالح 

الحوار الجامع.. و(تشتيت الكورة)!https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-300x156.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتالحوارتراجع كثيراً الحديث عن الحوار الجامع الذي شغل المجتمع السوداني والإقليمي والدولي منذ أن طرح رئيس الجمهورية مبادرته الأخيرة قبل خمسة أشهر في يناير من هذا العام، لكنَّ القضايا المتفجرة التي شغلت الرأي العام هي بطبيعتها وثيقة الصلة بالحوار الدستوري ولابد أن تصبح جزءاً من أي أجندة تطرح للحوار...صحيفة اخبارية سودانية