د. الشفيع خضر سعيد
د. الشفيع خضر سعيد

  كثيرة هي التحديات التي تواجه المثقف لترسم ملامح دوره ومساهمته في عملية التغيير. ولكنا إخترنا مجموعة منها ناقشناها في المقالات السابقة، ووصلنا بها إلى تحدي النهضة والبعث الحضاري، والتي إبتدرنا مناقشتها في المقال السابق، وسنستكمل المناقشة في مقال اليوم الذي نختم به تناولنا لمسألة المثقف والتغيير.

من منصة الأمل والثقة في المستقبل، وبالنظر إلى إنتفاضات شعوب المنطقة، يحق لنا أن نستنتج أن حراك التغيير الراهن سيفتح أبواب الولوج لمرحلة تاريخية جديدة تفوق في أهميتها مرحلة عصر النهضةالعربية في العقود الاخيرة من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، ومرحلةبناء الدول الوطنية المستقلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.وذلك، لأنهذه المرحلةالجديدة يمكن ان تؤسس لإعادة بعث مشروع النهضة، في ظل ظروف جديدة مغايرة كليا تتميز بإندفاع رياح التغيير في المنطقة. ولسبب آخر هو ان قوى التغير هذه المرة تحمل وعي عصرها الذي أسقط كافة التعميمات والادعاءات الزائفة والافكار المسبقة، وهي قوى تجيد لغة العصر، والتعامل مع منجزات التكنولوجيا، بدرجة تمكنها من تطويعها لصالح قضايا الشعوب، وتتطلع للحياة الجديدة معززة مكرمة في بلدانها. وكل ذلك يدفعها لبناء مشروع نهضوي جديد لا يخضع لأي تابوهات سياسية أو عقدة العصبية القومية، وفي نفس الوقت يستثمر إيجابيات العولمة إلى أقصى حد ممكن. فبالنسبة للصراع الفلسطيني الاسرائيلي مثلا، لن تتم مواصلة اجترار انجراح الذات العربية، وبكائيات خيبات النكسة، ولكن ربما يتم التعامل معها كقضية سياسية قابلة للحل بغير معيار النصر/الهزيمة. وفيما يخص الضغوط الاجنبية والاطماع الخارجية، فستتصدر مصالح الشعوب قائمة الأولويات، لا سيما وإن شباب التغيير لا يحمل أي عقدة تجاه “الخواجة”. وقطعا هناك نموذج معرفي جديد سيفرض نفسه، لا لصياغة شعارات عامة أو هتافات تحريضية مؤقتة التأثير، وإنما لصياغة برامج علمية المحتوى تعبر عن مفهوم النهضة العربية الحديثة، وفي نفس الوقت تعكس نبض الشارع. برامج تجتهد في قضايا التراث والفكر العربي الإسلامي لمواصلة إستنتاجات المفكرين، أمثال الشهيد حسين مروة، حول أصالة العلاقة بين المحتوى التقدمي الديمقراطي لهذا التراث، والمحتوى التقدمي الديمقراطي لحركة التغيير المعاصرة وثقافتنا الحاضرة، دحضا لكل محاولات الإفتراء بأن المحتوى المعاصر دخيل ومستورد. وكذلك الأمر بالنسبة لمناهج التعليم في المدارس والجامعات والمعاهد، وكذلك قضايا تربية النشء والتثقيف ومحاربة التسطيح والاستلاب الثقافي، وقضايا الشباب والمرأة….الخ. والإطار العام لكل ذلك هو: البديل المرتبط بمشروع التنمية والإنفتاح على آخر منجزات الثورة التكنلوجية والثقافة العالمية، وبطرح تصور لتقديم المعرفة بذات الجودة للجميع بدون أستثناء، وبدون أعباء مالية على المواطن. وهكذا سيتم إحياء سر البناء المتمثل في تحرير العقل وعدم إعتقاله في سجون التجريم والتحريم، مما يساعد على نمو مجتمع مدني قادر على التصدي لدوره في التوعية والتثقيف ومراكمة جزيئات النهضة الحضارية الجديدة. نسوق كل ذلك دون تهويل أعمى، ودون إفتراض أن الانتكاسات قد ولى زمانها!!

إن الإنسان، هو الجوهر العام لأي مشروع نهضوي حقيقي. وبالتالي فإن الخطوة الأساسية في فك شفرة النهضة والتقدم وبعث الأمة تقوم على فكرة وضع الإنسان فوق جميع الإنتماءات الممكنة. وكما أشار جيلبير الأشقر[1]، فإن الأوروبيين ظلوا لعدة قرون يتقاتلون بدافع من الولاء للملك أو للسيد الإقطاعي أو لديانة أو لشيعة أو لطائفة أو لبلد، إلى أن دعا مفكروا التنوير وعصر النهضة إلى وضع الإنسان فوق جميع تلك الإنتماءات. ولعلنا جميعا قد إطلعنا على الإعلان الشهير الذي صدر عن المفكر الفرنسي مونتسكيو، والذي لخص فيه جوهر فكرة عصر التنوير حول التوجه نحو الإنسان: ((لو عرفت شيئا يفيدني ولكنه يسيئ إلى عائلتي، لأبعدته عن ذهني. ولو عرفت شيئا يفيد عائلتي ولا يفيد وطني، لحاولت أنساه. ولو عرفت شيئا يفيد وطني ويسيئ إلى أوروبا، أو يفيد أوروبا ويسيئ إلى الجنس البشري، لإعتبرته إجراما)).

وأعتقد أن الخطوات الأخرى اللازمة لفك شفرة النهضة والتقدم وبعث الأمة، وهي أيضا خطوات رئيسية وهامة، لا بد أن تتضمن عملية إحباط مفعول الألغام الآيديولوجية الكثيرة الناتجة من تباين الخيارات الفلسفية والمذاهب الفكرية والدينية، ومن سوء الفهم والتنافس الطبيعي بين الأحزاب والجماعات والأشخاص. وبالمقابل تعزيز التفاعل بين التيارات الفكرية المختلفة والمتعددة، وتحرير الوعي العام والفردي معا من خطر الإستمرار في معتقل منطق الثنائيات المحبطة والمواجهات المستنفدة للطاقة: الإسلام في مواجهة العلمانية، الليبرالية في مواجهة الديمقراطية الإجتماعية، الوطنية في مواجهة الأممية، القومية/الأمة في مواجهة الإثنية/القبيلة، الداخل في مواجهة الخارج، المحلي في مواجهة الأجنبي…الخ، وذلك في سبيل الوصول إلى تفاهم وطني راسخ يفضي إلى صياغة مشروع وطني تنموي، وإلى تحقيق التحديث الفكري – الثقافي للمكونات التي تقوم عليها الحداثة المجتمعية، وفي مقدمتها الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، العدل، المساواة، المواطنة، العلم، حب العمل، وتوفير لقمة العيش الكريمة.

وهكذا، فإن مشروع النهضة والبعث الحضاري، لا يمكن أن يتحقق إلا إذا توفرت له جملة من الركائز الرئيسية، أهمها في إعتقادي: الديمقراطية،الإستنارةوالإصلاح الديني، حل قضايا القوميات، التعليم، والتنمية. وأي من هذه الركائز يمثل مبحثا قائما بذاته، وتحديا حقيقيا مستفزا لعقول وقدرات مفكرينا ومثقفينا، لا على مستوى التنظير المجرد والمعتقل في زنازين الثرثرة الثقافية، وإنما ليصب الناتج في معتركات الصراع الإجتماعي وحراك البحث عن البديل. وعند هذه النقطة فقط، يتحدد ويتحقق موقع المثقف ودوره في التغيير الثوري. لكن، وحتى إذا إفترضنا توفر وتحقق الديمقراطية والإصلاح الديني وحل قضايا القوميات والتعليم والتنمية، بإعتبارها من أهم الركائز الأساسية لإنجاز المشروع النهضوي لبعث الأمة، فمن الصعب تصور نجاح هذا المشروع بدون توفر وتحقق ركيزة أخرى، لا بد منها ولا غنا عنها، ونقصد بها تخلق وتشكل المشروع الفكري الثقافي المصاحب لتلك الركائز. كتب الدكتور ماهر الشريف: “أن الأزمة التي تواجهها المجتمعات العربية قد نجمت، في الأساس، عن أن التحديث الذي شهدته هذه المجتمعات على مدى قرنين، ظل تحديثا برانيا، لم يطال الميدان الفكري الثقافي، بمفهومه الواسع، أي الحضاري، الأمر الذي حال دون تحوله إلى حداثة جوانية. أما السبب في ذلك فيعود، في المقام الأول، إلى إنتكاسة مشروع النهضة والتنوير، الذي كان يهدف إلى تحقيق مثل هذا التحديث الفكري الثقافي…”[2]

وعلى الرغم من القضايا المتشعبة التي ظل يفرزها الصراع السياسي في بلداننا، فإن المردود النظري والثقافي كان دائما دون المستوى المطلوب، أو دون المتوقع. وفي الحقيقة، فإن الإنفصام بين القاعدة والقيادة، بين الفكر والممارسة، وكذلك التعصب فى الدفاع عن المصالح الحزبية…، كلها من مغذيات العقلية التي لا يمكن ان تستفيد من الاختلاف والتنوع، الذى يوفره واقع التعدد في البلاد، لبلورة صراع/تلاقح فكرى ثقافى، ليس فيه منتصر أو مهزوم، وإنما تنتج عنه خصائص ثقافية مشتركة تفتح بوابة الإعتراف بالآخر لدخول فضاءات التعايش السلمي المستدام، والذي أيضا بدونه لا يمكن إنجاز أي مشروع نهضوي لبعث الأمة. ان عدم ايلاء الجهد النظري والفكري الأهميةالتي يستحقها،ينعكس سلبا على العمل السياسيوعلى العلاقة بين السياسيوالفكري، بين الثقافي والسياسي. بمعنى، يظل الفكري والثقافي خاضعا لمستلزمات العمل السياسي اليوميأومبرراته، فيفقد دوره وتميزه، ويصبحتابعا وليس شريكاأو ناقدا. ومن زاوبة أخرى، تجدر الإشارة إلى أنه إذا نظرنا إلى قضايا الديمقراطية والإصلاح الديني وحل قضايا القوميات والتعليم والتنمية والثقافة، كوحدات منفصلة عن بعضها البعض، سنصاب بالعجز عن مواكبة الحياة دائمة التحرك، وملاحقة العالم دائم التطور والتجدد من حولنا. وفي ذات الوقت، إذا فكرنا في ربط هذه الوحدات بأي “جنزير” آيديولوجي سنصاب بالعجز في مواجهة الذات الحرة القادرة على تبين الخطى في دماس العتمة.

د. الشفيع خضر سعيد 

+ المراجع:-

[1]جلبير الأشقر،مساهمة في ندوة “أشكاليات أزمة النظام العربي وإشكاليات النهضة”، برلين، ديسمبر 2006.

[2]د. ماهر الشريف،مساهمة في ندوة “أشكاليات أزمة النظام العربي وإشكاليات النهضة”، برلين، ديسمبر 2006.

المثقف والتغيير (الأخيرة)https://i1.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21.jpg?fit=300%2C142&ssl=1https://i1.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقآراء وتحليلاتالتغيير  كثيرة هي التحديات التي تواجه المثقف لترسم ملامح دوره ومساهمته في عملية التغيير. ولكنا إخترنا مجموعة منها ناقشناها في المقالات السابقة، ووصلنا بها إلى تحدي النهضة والبعث الحضاري، والتي إبتدرنا مناقشتها في المقال السابق، وسنستكمل المناقشة في مقال اليوم الذي نختم به تناولنا لمسألة المثقف والتغيير. من منصة الأمل...صحيفة اخبارية سودانية