موضوع قديم،  [1] لكنه جديد متجدد، وبإستمرار تظل هنالك حاجة ماسة لمواصلة مناقشته وتجديد الإستنتاجات حوله. ولعل مرد ذلك هو الجدل المحتدم حول تعريف المفهومين، المثقف والتغيير، والإلتباس الذي دائما ما يصاحب محاولات تأطير العلاقة بينهما. فقد تعددت تعريفات المثقف بدرجة لافتة، مثيرة غبارا كثيفا من إصطدام المعاني، وبنفس المستوى، نال مفهوم التغيير حظه من النقاش بدءا من التعريف ومرورا بكيفيته والمحصلة المتوقعة، أو المرجوة، منه. ولعل هذا التعدد في التعريفات، وإحتدام الجدل حولها، يعود، في جانب منه، إلى إختلاف الرؤى والمواقف، وتنوع المناهج المعرفية، وأننا عندما نعرًف شيئا ما فإننا نعطيه ملامحه ودلالاته كما نفهمها، أو كما نراها، وأحيانا كما نتمناها…

 اذن نحن أمام عنوان يتكون من مفهوميين ظلا يثيران جدلا محتدما، ومنتجا في ذات الوقت، مثلما هي العلاقة بينهما..! وأعتقد أن تعريف المفهومين وتبيان دلالاتهما، سيقدمان ملمحا رئيسا حول كيف هي العلاقة بينهما.

فمن هو المثقف؟ وما هو التغيير؟ وكيف هي العلاقة بينهما؟..

من هو المثقف؟

على صعيد اللغة، نجد أن اللفظين العربيين (مثقف) و(ثقافة) يقابلان على التوالي اللفظين (intellectual) و(culture) ذوَي الأصل اللاتيني، المستخدمينِ في اللغات الأوربية. ويحاجج بعض المتحدثين العرب بأن كلمة مثقف لا تعكس المقابل اللغوى لكلمة انتلجنسيا (intellectual) الإنجليزية، والتي تعنى المفكر وليس المثقف، بإعتبارها مشتقة من كلمة (intellect)، أي الفكر، بينما تحمل كلمة (culture) معنى الرعاية والعناية، وهي تستخدم حقيقةً للدلالة على الشروط التي يوفِّرها المزارع لنمو زرعه، أي حراثة الأرض (cultivation)، وتستخدم مجازًا للدلالة على الشروط التي يوفرها المجتمع للنمو النفسي والعقلي لأفراده.([2]) ولكني لا أرى فرقا يذكر، ولا أرى جدارا عازلا بين مفهومي المفكر والمثقف، إذ من الصعب تخيل المفكر غير المثقف، أو المثقف غير المفكر، كما أعتقد بصعوبة الفصل بين الثقافة والفكر.([3])  

وأحيانا يتسع الإلتباس ليشمل تعريفي الحضارة والثقافة، حيث نجد من من يطابق بينهما، أو من يفصل بينهما فصلا تعسفيا. ومع الإقرار بوجود درجة ما من التداخل بين المفهومين، إلا أن الفرق بينهما واضح وبين. فالحضارة تشتمل على الثقافة باعتبارها جزءا من النهوض العام للمجتمع، وهي منظومة متكاملة لا تقبل التجزئة، في حين الثقافة يمكن ان تتحدد وتتشكل بحسب القوة المؤثرة على المنطقة المحددة أو حتى المجموعة المحددة. المفكر المصري الراحل محمود أمين العالم، يتعامل مع مصطلح الحضارة دون تمييز جوهري بينه وبين مصطلح الثقافة بمفهومها الأنثربولوجي، كما يقول هو. لكنه يرى فرقا بينهما يكمن في “أن الحضارة هي ثقافة تطورت تطورا ذاتيا مما دفعها ويدفعها إلى تجاوز حدودها المجتمعية المحلية الخاصة، وإلى التوسع والإمتداد، فارضة نفسها على مجتمعات وأقاليم وتشكيلات إقتصادية وإجتماعية وثقافية أخرى، في عصر ما أو مرحلة تاريخية معينة. إنها نقلة من الخاص إلى العام مهما كانت حدود هذه النقلة. أي أن الحضارة هي خصوصية ثقافية معممة وسائدة خارج حدود نشأتها المحلية.” ([4])

تتسع كلمة مثقف عند غرامشي، لتشمل كل من يفكر، أى جميع الناس. وهو يرى أن كل البشر مثقفون بمعنى من المعاني، بدرجة من الدرجات، ولكنهم لا يملكون الوظيفة الاجتماعية للمثقفين، والتي لا يمكن أن يقوم بها الا المثقف المنخرط فى قضايا اليومى والاستراتيجى، وهي وظيفة لا يمتلكها الا اصحاب الكفاءات الفكرية العالية الذين يمكنهم التأثير في الناس. ومن هنا جاء تقسيم غرامشي للمثقفين إلى المثقف التقليدي والمثقف العضوي: الأول يعيش على مسافة من الناس، في حين أن الثاني يحمل هموم كل الجماهير وكل الفقراء والمحرومين والكادحين، ويعيش هموم عصره ويرتبط بقضايا أمته. ويشدد غرامشي على أن أي مثقف لا يتحسس آلام شعبه، لا يستحق لقب المثقف حتى وان كان يحمل أرقى الشهادات الجامعية. وفي دفاتر سجنه، كتب غرامشي: “أعتقد أن أكثر الأخطاء شيوعاً، هي البحث عن معيار التمييز في الطبيعة الجوهرية لأنشطة المثقفين، بدلاً من البحث عنه في مجمل نسق العلاقات الذي تجري فيه هذه الأنشطة”. وبالنسبة لغرامشي فإن المثقفين العضويين يمكنهم أن يشكلوا هيمنة بديلة عن الهيمنة الرأسمالية، بل ويلعبون دورا حاسما في إحداث التغيير الإجتماعي. و يقول غرامشي أن المثقفين قادرون على صنع المعجزات اذا ما التزموا بقضية الشعب الاساسية التزاما عضويا وحيويا، لذلك فإن “البورجوازية تخشاهم..، فهي تعرف أن نفوذهم كبير وقوي، ولذلك تحاول دائما أن تشتريهم بأي شكل وبأي ثمن”.([5])

جان بول سارتر يتحدث عن المثقف بوصفه ضمير شقى، وشخص قلق يقرأ ما وراء الاحداث، ويرفض أن يعيش حياة عادية تحتفى بالسائد. شخص يعلن عن تمرده بوضوح، ويبشر بزمن قادم. فمثقف سارتر يسبق زمنه، وهو منخرط فى التغيير منذ البداية. ويقرر سارتر أن المثقف، هو الانسان الذي يدرك بوعي، في داخله وفي المجتمع، ذلك التعارض بين البحث عن الحقيقة العملية وبين الايديولوجيا المسيطرة، وهو مثقف كوني، يوجه الناس في ما يتعين عليهم أن يختاروه من خيارات سياسية ضد جبروت السلطة الحاكمة. ومع عدم امتلاكهم شيئاً من القوة الاقتصادية أو الاجتماعية، إلا أن المثقفين يعتبرون أنفسهم نخبة، وهي نخبة مدعوة الى أن تحاكم كل شيء، وتبدي رأيها وتحكم في كل الأمور([6]).

(نواصل)

د. الشفيع خضر سعيد

 – المراجع:

[1] ورقة قدمت في الندوة التكريمية لذكرى الأديب والمفكر الراحل محمد دكروب. بيروت، 28 مارس 2014.  

[2] راجع المعاجم والقواميس العربية والإنجليزية.

[3] في المعاجم العربية، كلمة مثقف مأخوذة عن “ثقف”. وثقف الشئ أى اجاده واتقنه واصبح حاذقا فيه، وهى جميعها من صفات العقل حيث هو المسئول عن التنمية الذهنية. والثقافة، لغةً، تدل على الحذق، وسرعة الفهم، والفطنة، والذكاء، وسرعة التعلُّم، وتسوية المعوجِّ من الأشياء، والظفَر بالشيء. ويعرَّف مجمع اللغة العربية (الثقافي) بأنه: “كل ما فيه استنارةٌ للذهن، وتهذيبٌ للذوقِ، وتنميةٌ لِمَلَكة النقد والحُكْم لدى الفرد والمجتمع”.

[4] محمود أمين العالم، “العولمة وتحديات المستقبل”، كراسات آفاق إشتراكية، القاهرة، 2007، ص 59.

[5] – لمزيد من التفصيل أنظر: 1- إدوارد سعيد، المثقف والسلطة، ترجمة محمد عناني، دار رؤية للنشر، القاهرة، 2006. وإدوارد سعيد، صور المثقف، ترجمة غسان غصن، www.wafainfo.ps 2- ستيفن جونز، “أنطونيو غرامشي”، دار روتلدج، ط1، 2006، باللغة الإنجليزية، من موقع د.سيار الجميل، www.sayyaraljamil.com

[6] لمزيد من التفصيل، يمكن الرجوع إلى عدد من كتابات سارتر، أبرزها مؤلفه “دفاعا عن المثقفين”، ترجمة د. مصطفى دندشلي، دار الآداب، بيروت 1973.

المُثقّف والتغيير (1)https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-300x142.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتسياسة  موضوع قديم،   لكنه جديد متجدد، وبإستمرار تظل هنالك حاجة ماسة لمواصلة مناقشته وتجديد الإستنتاجات حوله. ولعل مرد ذلك هو الجدل المحتدم حول تعريف المفهومين، المثقف والتغيير، والإلتباس الذي دائما ما يصاحب محاولات تأطير العلاقة بينهما. فقد تعددت تعريفات المثقف بدرجة لافتة، مثيرة غبارا كثيفا من إصطدام المعاني، وبنفس المستوى،...صحيفة اخبارية سودانية