د. الشفيع خضر سعيد
د. الشفيع خضر سعيد

   لا زلنا عند محطة الإجابة على سؤال من هو المثقف؟… وكنا في المقال السابق قد تطرقنا إلى بعض الإلتباسات المتعلقة بالمفهوم، كما إستعرضنا تلخيصات، نأمل ألا تكون مُبتسرة، لكيف يرى كل من محمود أمين العالم وغرامشي وسارتر معنى المثقف.

نواصل اليوم، فندلف إلى زيارة المفكر الفرنسي ميشال فوكو الذي يقول أن زمن مثقف سارتر الكوني الذي كان يعطي الدروس للناس في ما يتعين عليهم أن يختاروه من خيارات سياسية ضد جبروت السلطة الحاكمة، قد ولّى وانقضى. وأتى زمن مثقف من طراز جديد، أكثر تواضعاً من المثقف الكوني، وأكثر فاعلية منه في الآن نفسه. إنه المثقف الخصوصي الذي بدلاً من أن يتحدث محل الناس، يتحدث انطلاقاً من محله، خبيراً وتقني معرفة، متخصصاً في هذا القطاع أو ذاك من قطاعات الحياة. يقول فوكو “لا يتمثل دور المثقف في أن يحدد للآخرين ما يجب فعله. بأي حق يفعل ذلك؟ ولنتذكر كل التنبؤات والوعود والأوامر والبرامج التي استطاع المثقفون صياغتها خلال القرنين الأخيرين والتي رأينا نتائجها. لا يتمثل عمل المثقف في تشكيل الإرادة السياسية للآخرين؛ بل في إعادة مساءلة البديهيات والمسلمات عن طريق التحليلات التي يقوم بها في المجالات الخاصة به، وفي زعزعة العادات وطرق العمل والتفكير، وفي تبديد المألوف المسلّم به، وفي استعادة حدود القواعد والمؤسسات، وفي المشاركة انطلاقا من إعادة المَشكَلة هذه، حيث يقوم بعمله الخاص كمثقف، في تكوين إرادة سياسية، حيث يلعب دوره كمواطن.”[1]

أستاذ الفلسفة الأمريكي، جاري جوتينج، نشر في ملحق لجريدة النيويورك تايمز، بتاريخ، ديسمبر 2011، مقالا بعنوان “المثقفون والسياسة”، يقول فيه أن المثقف هو “شخص كرّس نفسه لما يسمى حياة العقل، أي التفكير ليس بوصفه أداة أو وسيلة لتحقيق أغراض عملية، وإنما بقصد المعرفة والفهم” .ويضيف: “المثقفون يخبروننا عن أشياء نحتاج الى معرفتها: كيف تعمل الطبيعة والمجتمع، ماذا حصل في ماضينا، كيف نحلل المفاهيم، كيف نقدر الفن والادب…؟ أنهم يجرون حوارا مع العقول العظيمة في الماضي. هذا الحوار ليس بالضرورة على مستوى المأمول ولكن يقدم نقاطا نقدية لتقييم أفتراضاتنا الحالية.” أما السياسي، ففي نظر جوتينج هو “ليس بحاجة إلى أن يكون مثقفا، ولكن يجب أن يكون لديه حياة فكرية”[2]

فى كتابه “خيانة المثقفيين” (1927)، يتحدث جوليان بندا عن المثقفيين بإعتبارهم في مرتبة تفوق مرتبة البشر العاديين، ويشدد على دورهم فى فضح وتعرية الفساد ومناصرة الضعفاء، ويسحب صفة مثقف عن كل من يتردد فى المجاهرة بالحق. ومنذ صدور ذلك الكتاب، صار مصطلح خيانة المثقفين يرمز للإشارة إلى تخلي المثقفين عن استقامتهم الفكرية، والذين تستهويهم مغريات السلطة فتقودهم للانحياز لمصالحهم السياسية والنفعية على حساب دورهم ومسؤولياتهم الأخلاقية.[3]

أما محمد عابد الجابري،  فيرى أن المثقف شخص يفكر بصورة أوبأخرى، مباشرة أو غير مباشرة، إنطلاقا من تفكير مثقف سابق يسير على منواله، يكرره يعارضه يتجاوزه…الخ، أي ليس هناك مثقف يفكر من الصفر.

ويتحدث إدوارد سعيد[4] عن مثقف يرفض ويصادم ويحتك ويتفاعل ويتطور، ولا يستجيب لحالة السكون، وهو صوت نفسه، ويعبر عن تصوراته قبل كل شئ. وهو ليس مجرد بيروقراطى كفء، بل إن إحدى مهام المثقف هي بذل الجهد لتهشيم الآراء المقولبة والمقولات التصغيرية التي تحد كثيرا من الفكر الإنساني والإتصال الفكري. وهو ايضا، بمعاييره المطلقة للعدل والحرية، يستحيل حبسه فى اطار حزبى معتمد أو فى مذهب فكرى جامد.

أما الأديب السوداني كمال الجزولي، وفي سياق مناقشته لهيمنة فئة الإنتلجنسيا السودانية على المفاصل الأساسية للعمل السياسي والإجتماعي العام في كل حقوله وساحاته، وتزعمها المطلق لأحزابه وكياناته، وتأثيرها الشديد على خطابه وأدائه، فضلا  عن سيطرتها شبه المطلقة على قنوات المعرفة والإتصال المعنية بتشكيل الوعي الإجتماعي، فإنه، وفي إطار هذا المناقشة تحديدا، يعني بالإنتلجنسيا “الفئة الإجتماعية التي تمتهن أو تختص بالعمل الذهني من مداخله التعليمية الحديثة، وبنسبية مائزة في مثل ظروف السودان”.[5] لكن، الجزولي لا ينفي تعاطيه مع المصطلح “بمعيارية دلالية نسبية لا تتقيد بمنهج الإحالة إلى السيرورة التاريخية لهذه الفئة وفق تضاريس الطبوغرافيا الطبقية في المجتمعات الصناعية في الغرب، وإنما بالتركيز على السمات الأولية المشتركة في كل المجتمعات البشرية، من حيث إشتغال هذه الفئة بالعمل الذهني، فيتحدد وجودها الإجتماعي بخصوصية المكانة التي يحتلها نشاطها في نسق التقسيم الاجتماعي للعمل، وبالقدرات العالية، نسبيا، التي يتطلبها هذا النشاط، بالقياس إلى نشاط الطبقات والفئات الإجتماعية الأخرى في البلد المعين، وخلال المرحلة التاريخية المحددة…، ويقول إنه بهذا الفهم يتفق مع الكتابات التي تدرج ضمن فئة الإنتلجنسيا في بلدان العالم الثالث: (الفكي)، وشيخ الطريقة الصوفية، والشاعر الشعبي، والطبيب البلدي، والنسَابة، وخازن الحكمة الشعبية، والمنجم، والعارف بأساليب القضاء وفض المنازعات…”[6]،[7]

ملاحظات حول تعريفات المثقف

  • بنيت جميع هذه التعريفات على الوظيفة، فهى تسعى الى تحديد دور المثقف وتأطيره، مثلها مثل العلوم الطبيعية، حيث يبدأ التعريف بالوظيفة (function) ثم ينطلق لتوصيف طريقة بعينها لأداء هذه الوظيفة. وكل تعريفات المثقف تقوم بتحديد دوره وترسمه بدقة، ثم بعد ذلك تصبغ على المثقف الصفات المناسبة للقيام بهذا الدور.
  • معظم التعريفات لا تفصل بين المثقف والمناضل السياسى، فهى تعتبر أن المثقف مناضل بطبيعته. فى اعتقادى أن أى مناضل، نقابي/ سياسى، ليس بالضرورة أن يبتدئ مثقفا، وإن كان بالضرورة يجب أن يكون لديه حياة فكرية، كما لاحظ جاري جوتينج[8]. لكن المناضل السياسي أو النقابي، هو مثقف محتمل، أي يحمل امكانية ان يتحول لمثقف. وأيضا، أى مثقف هو مناضل محتمل يحمل امكانية ان يتحول لمناضل سياسى. والمؤسسة الناجحة هي التي تثقف قيادتها، ولاتحتقر التنظير أو الثقافة، وفي نفس الوقت لا تلغي فردانية وخصوصية المثقف، وتمرده على الساكن والسائد. وعلى عاتق المؤسسة تقع مسؤولية تحويل سباحة المثقف إلى فعل ملموس. هذا لا يعني التعسف فى رسم دور بعينه للمثقف فى لحظات التغيير السياسي. وفي الغالب، فإن دور المثقف يسبق لحظة التغيير، وهو الذى يمهد لهذه اللحظة، بطرقه المباشر على القضايا الساخنة.
  • إهتمت كل التعريفات بربط إسهام المثقف بقيم عليا ترسم معايير دقيقة للحرية والعدالة والخير يحتذيها المثقف.
  • تحدثت التعريفات عن حرية المثقف الفردية، وعن أن ما يقوم به هو تعبير عن حالته الخاصة فى تفاعلها مع العام، ولم تضع حدودا أو سقفا لحرية المثقف في ما يطرحه من مواضيع وقضايا.
  • ومع إعتراف جميع التعريفات بفردانية المثقف، إلا أنها تحدد مجال عمله في الجماعات وليس الحالات الفردية. فالمثقف يعمل على قراءة تفاعل المجتمع مع القضايا المختلفة ولا يكتفي بتفاعله الشخصى مع الاحداث.
  • منذ عصر التنوير، وحتى ما قبل إنفجار الثورة الصناعية التكنولوجية الحديثة، نجد أن تعريفات المثقف تتحدث عن الشخص الذى أخذ على نفسه ملاحقة اليومى والمستقبلى، والذي يقرأ الاحداث فى آنيتها ليستشرف المستقبل وفق مرجعيته الفكرية، والتى بالتأكيد لها مردودها على دوائر تأثيره المباشرة. أما تعريفات ما بعد إندلاع هذه الثورة، فتتحدث عن المثقف الذى يجيد استخدام أدوات العصر، ويستوعب مستجداته ليكون قادرا على صياغة مقولات صادقة. وفى عالمنا العربي/الإسلامي، كان المثقف دائما موجودا، حتى قبل ظهور المصطلح. فقد تصدى لهذه المهمة رجال الدين، وعلماء الكلام، ثم الفلاسفة، وغيرهم، منذ فترة ما بعد دولة الخلافة الاولى.
  • أعتقد أن الجدل الواسع حول هل المثقفيين طبقة ام افراد ام فئة أو شريحة اجتماعية، وحول الحاق قطاعات بعينها الى قائمتهم..، هو جدل وهمى لا طائل منه. فالمثقفون يأتون من كل الطبقات، ومن كل الخلفيات والمستويات التعليمية، فليس بالضرورة ان يكون المثقف من حملة الشهادات العليا. والمثقف لا يحتاج من جهة ما ان تعترف به، بل هذه الجهات هي التى تسعى إليه بحكم بقدرته على التحليل واطلاق الاوصاف والاحكام والتأثير فى اتجاهات الرأى. واليوم، نجد أن الذين يسهمون فى تشكيل إتجاهات الرأى العام هم الصحفيون، وكتاب الرأي، ومقدموا البرامج، وناشطوا وسائط الميديا الحديثة، ونجوم الغناء…الخ، مما يثبت صحة تقسيم غرامشى.
  • وفى إطار الكلام حول تعريفات المثقف، نلاحظ اختفاء المثقف أوالمفكر أو المنظر الموسوعى، وكذلك الفيلسوف، وفق النمط، أو الوصف، القديم الكلاسيكي. وبالمقابل انتشرت مجموعات كثيرة، لها القدرة، ولها إعتبارها فى صناعة الاحداث أو التأثير عليها.
  • ورغم الإلتباس البين فيها، فإن كل تعريفات المثقف لا تتصادم مع بعضها البعض. فجميعها يتحدث عن إمتلاك المثقف لدرجة زائدة من التفاعل مع القضايا العامة، وجميعها يتفق على قدرة المثقف في التأثير على دوائر متعددة. لكن، من الواضح أن تعريف غرامشي أحدث نقلة نوعية تمنع حصر المثقفين في خانة القادمين من جهة أو فئة بعينها كالجامعات أو الفئات العليا من المتعلمين، بل تفتح الأبواب لإكتشاف من يمتلكون الحكمة والمقدرة على التأثير والتحليل واتخاذ القرار المناسب، في الأوساط المختلفة، سواء رجال الدين المستنيرين، أو شيوخ القبائل، أو العمد، أو الاطباء، أوالمعلمين. صحيح إن بعض هولاء يستمد قدرته على التأثير الثقافي من موقعه السياسي، ولكن في الاصل هو إستمد سلطته السياسية من سلطته الروحية أو الثقافية، أي من قدرته على التأثير في وعي وأفكار الآخرين. (نواصل)

د. الشفيع خضر سعيد

* المراجع :

[1] “مسارات فلسفية”، مجموعة من الكتاب، ترجمة محمد ميلاد، دار الحوار، اللاذفية، سوريا، 2004

[2]http://opinionator.blogs.nytimes.com…-and-politics/

[3] http://article.wn.com/view/WNAT487b7406e029bcbe454ff6137ad58466/

[4] إدوارد سعيد، مصدر سابق، ص12 و13..

[5] كمال الجزولي، “إنتلجنسيا نبات الظل، باب في نقد الذات الجمعي”، دار مدارك، طبعة أولى، 2008، ص107

[6] كمال الجزولي، نفس المصدر، ص 196.

[7] د.حيدر إبراهيم علي، المثقفون-التكوين في السودان، مركز الدراسات السودانية، القاهرة، 2001، ط1، ص 13،14،22.

[8] مصدر سابق.

المثقف والتغيير (2)https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-300x142.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتسياسة   لا زلنا عند محطة الإجابة على سؤال من هو المثقف؟... وكنا في المقال السابق قد تطرقنا إلى بعض الإلتباسات المتعلقة بالمفهوم، كما إستعرضنا تلخيصات، نأمل ألا تكون مُبتسرة، لكيف يرى كل من محمود أمين العالم وغرامشي وسارتر معنى المثقف. نواصل اليوم، فندلف إلى زيارة المفكر الفرنسي ميشال فوكو الذي...صحيفة اخبارية سودانية