د. الشفيع خضر سعيد
د. الشفيع خضر سعيد

 فيما يتعلق بالتحديات التي تواجه المثقف ويتصدى لها مساهما في عملية التغيير، ناقشنا حتى الآن قضايا مبدأ إعادة النظر، إدارة التنوع، بناء الدولة الوطنية، الإثنية والطبقية، العولمة، والحرية الفردية. ونواصل في مقال اليوم فنناقش:

المثقف ومشروع الإسلام السياسي                       

       دائما ما أردد بأن هنالك قطاعات واسعة وسط تيارات الحركات الإسلامية، تحلم فعلا بتحقيق حلم المدينة الفاضلة، وبتكرار تجربة عدالة وسماحة مجتمعات صدر الإسلام، كما روتها كتب السيرة. لكن، لا بد أن أقر بأن ترديدي لهذه المقولة سيعكس إختلالا وقصورا ونقصانا، إذا لم تصحبه مجموعة من المحاججات المكملة، أبرزها:

أولا:

تمثل هذه القطاعات جزءا من منظومة محددة، ذات سمات فكرية وآيديولوجية ملموسة، تفعل فعلها في كل مكونات المنظومة وقاطنيها. ولعل السمة الأوضح لهذه المنظومة، أي الحركات والتيارات الإسلامية، هي إدعائها التماهي الكامل مع الإسلام، وتمسكها بدور الممثل الوحيد له، الذي يحتكر الكلام بإسمه، وبالتالي تضع نفسها في موقع المحتكر للحقيقة المطلقة. ولعل هذا التماهي المزعوم، هو البذرة لمجموعة من الخصائص والسمات التي تشترك فيها الحركات الاسلامية، ومن ضمنها خاصية ضيق الأفق، التي تقلل من شأن، بل وتتعالى على، أفكار وآراء وإجتهادات الآخر، دون التمكن من دحضها وهزيمتها، ولكنها تحقر حاملها، وفي نفس الوقت تخشاه وتعتبره متراسا أمام خط سيرها، ولا تجد سوى العنف وسيلة للتعامل معه. كتب المفكر المغربي، عبد الإله بلقزيز، في كتابه “الإسلام والسياسة”، حول رواية التماهي المزعوم بين التيارات الإسلامية والإسلام، كتب يقول: “إن هذه الرواية لا تفعل أكثر من التوحيد القسري، وغير المشروع، بين النص الديني وبين الواقع التاريخي، فتفترض النظر إلى حركتهما الداخلية بوصفها حركة واحدة، وتدفع، بالتالي، إلى إلتزام آداب الإصغاء لخطاب النص وخطاب التاريخ وكأنهما خطاب واحد…”. ويقول أيضا: “إن التيار الإسلامي أقرب تيارات الفكر والسياسة، في البلاد العربية، إلى الاسلام بحكم نوع ثقافته ومرجعياته، ومع ذلك، فهو، في حساب المعرفة والواقع، ليس أكثر من قارئ في مدونة الإسلام. وهو ككل قارئ، يمارس فعل تأويل النصوص. والتأويل إجتهاد، والإجتهاد رأي، والرأي غير مقدس…. إن الإسلام، بالتعريف، عقيدة، وثقافة، وحضارة. أما الحركات الإسلامية فهي حركات سياسية بلا زيادة ولا نقصان…، وهذه الحركات لا تشكل، بأي معنى من المعاني، إمتدادا لمذاهب الفكر الإسلامي وتياراته. فلا مساهمة لها فعلية في التراكم الفقهي والفكري، لأنها لم تقدم نفسها بوصفها مدارس فكرية جديدة، بل بحسبانها تيارات سياسية”.[1]

ثانيا:

فقه التمكين، وهو مكون أساسي في أيديولوجيا الحركات الإسلامية. في السودان، ولما كانت الحركة الاسلامية قد فطنت منذ بدايات تكوينها إلى جدلية الاقتصاد والسياسة، مدركة أن الإقتصاد هو نقطة الإرتكاز لبسط النفوذ السياسي، فإنها عملت على توسيع قاعدتها الاقتصادية، وتقوية إرتباطها بحركة رأس المال النقدي عبر العديد من البنوك الإسلامية العاملة في السودان، بدءا ببنك فيصل الإسلامي، وعبر علاقات الدعم والإسناد مع رأس المال النقدي الموظف عالميا من قبل التيار الإسلامي العالمي. وهكذا كبرت الحركة الاسلامية السودانية إقتصاديا، وهي بعد صغيرة في عالم السياسة، مستثمرة مناخ الكبت والقمع في ظل حكم الديكتاتور نميري، والذي تحالفت معه حينا من الدهر، متمسكنة حتى تمكنت! هذا الحراك المنطلق من أيديولوجيا التمكين، دفع، ضمن عوامل أخرى، بولادة شريحة الرأسمالية الطفيلية، التي نمت وترعرعت في ظل نظام النميري، ثم شبت عن الطوق بقدوم نظام البشير في 1989، وكانت الحركة الإسلامية هي المعبر السياسي عنها. وفي الحقيقة، ومنذ الوهلة الأولى بعد إنقلابها في 30 يونيو 1989، نفذت الجبهة الإسلامية السودانية عددا من الإجراءات الإقتصادية، بقوة الحديد والنار والمشانق، هدفها واحد، هو ضرب مجموعات الرأسمالية التقليدية وطردها من حركة الإقتصاد، وفي نفس الوقت تحقيق المزيد من الإحتكار والتمكين لشريحة الطفيلية التي نفذ موظفوها السياسيين والعسكريين عملية الإستيلاء على الحكم. وهكذا، باتت الحركة الإسلامية، اللافتة السياسية لطبقة الرأسمالية الطفيلية التي هي غير معنية بأي أشواق وأماني وأحلام تتعلق بمجتمع العدالة والسماحة في عهد النبوة والخلافة الراشدة، ولا بتلك المعاني النبيلة التي تتوق لنهل مباديء الاسلام، والتي ظلت تحلم بها مجموعات من أعضاء الحركة، خاصة من الشباب. جل هم الحركة كان، ولا يزال، مواصلة مراكمة رأس المال وأرباحه بأي وسيلة كانت، أما الوطن وشبابه وشيبه، بما في ذلك حملة لافتتات “هي لله”، فليذهبوا جميعهم إلى الجحيم المعد من خبراء الطفيلية بمواصفات عالية الجودة.

ثالثا:

فكرة التماثل والخوف والهلع من التنوع والإختلاف، والتي ترتبط أيضا بمسألة فقه التمكين. فالحركة الاسلامية في السودان أرادت جهاز دولة خالصا لها، نقيا من أي آخر له قدرة على التفكير المختلف والنظرة الناقدة، حتى ولو لم تكن له أي علاقة بالسياسة، معتقدة ومقتنعة بأن هذا هو السبيل لتثبيت أقدامها. ومن هنا تلك المجزرة، غير المسبوقة في تاريخ السودان، بطرد وفصل وتشريد الآلاف من الخدمة المدنية والعسكرية، وإحتكار كل المناصب الأساسية في مفاصل جهاز الدولة دون أدنى إهتمام بالكفاءة والقدرة على شغل المنصب، بل ومحاولة إحتكار المجتمع المدني والأهلي، بما في ذلك وسائط الإعلام والثقافة، وحتى إدارات الأندية الرياضية. وكل ذلك، كان يتم تحت شعار تثوير الخدمة وأسلمة المجتمع. وهو سلوك آيديولوجي من الطراز الأول، ينطلق من فرضية التماثل ورفض كل مختلف يمكن أن يعطل حركته السريعة لإرساء دعائم الحكم وإحكام قبضته على الواقع. لكن مسار التعامل مع الواقع، أي واقع، بما في ذلك الاحتكاك مع الناس وحياتهم ومصالحهم، بالضرورة سيواجه بتحديات وتعقيدات، أصعب من أن تواجه أو تحل بفرض التماثل ورفض التنوع.

لقد سددت الحركة الإسلامية السودانية طعنات نجلاء ومباشرة في جسد الأمة الغض، فعصفت بحلم بناء الأمة وإكتمال أركان كيان البلاد الواعدة بالحياة الغنية بحكم تركيبتها الفسيفسائية، والتي كان، ولا يزال، يلزمها مقود مستدير يكمل إتجاه دورته ليبدأ من جديد، دون أن يميل إلى جهة أكثر من الأخرى. ولكن الحركة الاسلامية السودانية، مجسدة أيديولوجيتها في سلطة حاكمة بقوة البطش والإرهاب منذ ربع قرن، ذبحت الأخلاق السودانية السمحة على مذبح أسلمة جهاز الدولة. وما كاد القطار يفارق محطة القبيلة والحماس الأعمى للمنطقة والجهة، حتى جاء “هولاء”، والذين تساءل عنهم الأديب السوداني الطيب صالح، بسؤال التعجب والدلالات العميقة: “من أين أتى هولاء؟…بل من هم هولاء الناس؟”! هولاء، الذين شربوا من ضيق الأفق حتى عميت رؤاهم عن تحقيق تفاعل حقيقي بين قيم الدين السمحة ومتطلبات الواقع في بلد عنوانه التعدد في كل شيء، في الاعراق والأديان والثقافات ومستويات التطور، وحتى الجغرافيا ولون تراب أرضه!. “هولاء” ناصروا بشدة كل ما يلغي الذات الحرة، ويؤطر لثقافة الطاعة العمياء، ويبرر للإنزلاقات الخطيرة، بما في ذلك التعامل مع الإختلاف في الرأي بلغة التعذيب وشن الحرب، والتعامل مع موارد الدولة وجهازها، وكأنها ملك خاص ينهل منها هذا المسؤول أو ذاك من عبدة الجاه، ويفرض بها نفسه رقما أو مركزا في المجتمع، محميا بإدعاءات النفوذ القبلي/الديني. وكان ما كان من فساد ذاع وعم القرى والحضر، وتخطى الحدود، بل وفاق الخيال!.

(نواصل)

د. الشفيع خضر سعيد

+ المراجع:

[1]عبد الإله بلقزيز، “الإسلام والسياسة”، المركز الثقافي العربي، ط2، 2008، ص 21 ،22 ،.23.

المثقف والتغيير  (10)https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-300x142.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتالتغيير فيما يتعلق بالتحديات التي تواجه المثقف ويتصدى لها مساهما في عملية التغيير، ناقشنا حتى الآن قضايا مبدأ إعادة النظر، إدارة التنوع، بناء الدولة الوطنية، الإثنية والطبقية، العولمة، والحرية الفردية. ونواصل في مقال اليوم فنناقش: المثقف ومشروع الإسلام السياسي                               دائما ما أردد بأن هنالك قطاعات واسعة وسط تيارات الحركات الإسلامية،...صحيفة اخبارية سودانية