د. الشفيع خضر سعيد
د. الشفيع خضر سعيد

  اشرنا من قبل إلى أن تعريف مفهومي المثقف والتغيير، وتبيان دلالاتهما، سيقدم ملمحا رئيسا حول كيف هي العلاقة بينهما. ومثلما ناقشنا مفهوم المثقف ، في المقالين السابقين، نتناول اليوم مفهوم التغيير.

ما هو التغيير؟

التغيير لغة، كما تخبرنا المعاجم العربية، هو تحويل الشئ وتبديله بغيره، أو جعله على غير ما كان. وبشكل عام، تتحقق عملية التغيير بظهور الجديد، سواء كان منتج تكنولوجى أو إختراع أو قانون أو مشروع اقتصادى أو نظام سياسي إجتماعي. والتغيير لا يحدث بضربة واحدة فى كل المستويات، في الطبيعة أو في المجتمع، وهو لا يحدث ميكانيكيا، وليس بالضرورة أن يسير في خط مستقيم، كما أن مستوياته المختلفة، خاصة سياسيا وإجتماعيا وثقافيا، تحتفظ بعلاقة تداخل وتشابك فيما بينها.

إن تحقيق الحرية والديمقراطية والتنمية الشاملة، هي من الغايات الأساسية للتغيير الثوري في المجتمع، والذي ستنجزه قوى الوعي المناضل والمبدع، وهي القوى التي يبنيها المثقفون. وهولاء لا ينحصرون في المثقف المتخصص وممتهن الثقافة فحسب، ولكنا، في الحقيقة، نعني الإنسان المدرك للشرط الإجتماعي للتغيير والتجديد، والمدرك لحقائق المنجزات العلمية والتكنولوجية والمعرفية، ولعلاقات القوى السياسية والإجتماعية المختلفة والمتناقضة في العالم، ولمحتوى التحالفات ومحتوى البدائل والحلول للقضايا، والذي لا يعتقل حركة التغيير في مجرد الشعارات التعبوية المجردة.  وفي الحقيقة، في عصرنا الراهن أصبحت الثقافة، وبالتالي المثقفون، قوة إنتاجية ثورية تعمل مع القوى الأخرى لإكتشاف حلول وبدائل للقضايا والمشاكل المختلفة، على مستوى كل قطر أو على المستوى الإنساني عامة، من خلال تنويع الخيارات وتجديد الخبرات القديمة أو إنبثاق خبرات جديدة، وإقامة علاقات حضارية إنسانية متشابكة ومتنوعة ، برغم هذا التنوع وبفضله. هكذا نهزم مفاهيم نهاية التاريخ.

وإذا أخذنا في الاعتبار فشل النخب التي ظلت تحكم شعوب المنطقة، منذ فجر استقلالها، في تنفيذ التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي ظلت تحلم بها هذه الشعوب في بلدانها، وإنتبهنا إلى التركيبة الطبقية في هذه البلدان، وإلى الدور الذي ظلت تلعبه مجموعات المثقفين والمهنيين والضباط وحركة المجموعات الإثنية والقومية…الخ، وبالنظر لما أفرزنه إنتفاضات الشعوب العربية الأخيرة، وخاصة تجارب مصر وتونس واليمن، فمن الواضح أن تحقيق التغيير المنشود يتطلب:

أولا، مشاركة واسعة من مختلف طبقات وفئات الشعب وشرائحه السياسية والإجتماعية والثقافية والدينية وحركة المجموعات الإثنية والقومية…الخ، علي الرغم من وجود فوارق في المصالح، وعلي الرغم من وجود نزاعات قائمة بين هذه الفئات والشرائح. إن الدروس المستخلصة من واقع المستجدات والمتغيرات المعاصرة والمعايشة، بما في ذلك إنهيارات التجربة الاشتراكية، تقول بأن تطور الثورة الاجتماعية نحو تنفيذ تلك التحولات، لا يرتبط بفكرة أن التغيير يمكن أن ينجز بواسطة حزب واحد أو طبقة واحدة، بل يرتبط بالمشاركة الواسعة، بعدم إلغاء الآخر، بل إحترامه والإقتناع بدوره. والمسألة لا تقتصر على واقع بلداننا فحسب. فإذا امعنا النظر، على الصعيد العالمي، إلى المستجدات والتطورات الجديدة والمعاصرة، سنجدها تطرح قضايا جديدة، واسعة ومتشعبة، من نوع: الموقف ضد الحرب ومن أجل السلام العالمي، الحركة المناهضة للعولمة الرأسمالية وضد السيطرة المحكمة للإحتكارات المتعددة الجنسيات، النضال ضد أسلحة الدمار الشامل ومن أجل لجم المجمعات الصناعية العسكرية، إتساع نشاط المنظمات غير الحكومية وتعاظم دورها داخل المجتمع الرأسمالي وفي مناطق العالم الأخرى، حركة الحفاظ على البيئة، الحركة العالمية من أجل حقوق الإنسان، الحركات والمدارس العديدة المرتبطة بقضايا الشباب وقضاياالمرأة والنوع…الخ. هذه القضايا، وغيرها، توحد قوى جماهيرية واسعة وعريضة من مختلف الطبقات والشرائح الاجتماعية.

ثانيا، إقامة النظام الديمقراطي التعددي على أساس مضامين ومفاهيم المجتمع المدني الديمقراطي، وما يستتبع ذلك من ترسيخ لمبدأ التداول الديمقراطي الدستوري للسلطة، والاحترام المتبادل بين الأحزاب والتنظيمات المختلفة، واحترام حقوق الإنسان وحق الشعب وحريته في اختيار الطريق الذي يرتضيه.

ثالثا، تجسيد قوى التغيير هذه في قوام وبرنامج ملموسين، أوسع بكثير مما كان متعارفا عليه.

ولا شك أن البعض سيتساءل منزعجا: ولكن أي مشروع فكري ستستند عليه قوى التغيير هذه؟ فأنت تتحدث عن قوى متعددة المدارس والمشارب الفكرية، بل أن أقساما منها متباعدة المسافات الفكرية؟! أعتقد، أن الإنزعاج مشروع! ولكن من الممكن تبديده إذا نظرنا بتمعن، وبحثنا بعمق، في النقطتين التاليتين:

النقطة الأولى: لابد من الأخذ في الإعتبار أن تلك القوى المتباعدة فكريا، أولا: قد إنتبهت إلى ذات القضايا السياسية والاجتماعية المطروحة في أجندة التغيير، وثانيا: إرتضت التحالف والعمل المشترك في إطار برنامج إشتركت هي في صياغته، وثالثا: المعالجة المشتركة لذات القضايا، وفي خضم معركة نضالية، طويلة نسبيا، ستولد، بفعل تأثير ديناميكية الإنعكاس الديالكتيكي، عند هذه القوى أفكارا ومفاهيم جديدة، متقاربة المسافات مقارنة بالمسافة بين المنطلقات الفكرية عند أي منها قبل الخوض في معركة المعالجة المشتركة.

النقطة الثانية: لا أعتقد أن تعدد المدارس والمنطلقات الفكرية لقوى التغيير بالضرورة سيفضي إلى وحدة فكرية بين هذه القوى. ولكن، ما أعتقده جازما، كما بينت التجربة الملموسة في مصر وتونس، أن ذلك لن يقف عائقا أمام صياغة وتنفيذ البرامج المشتركة بين هذه القوى. بل، إن البرنامج الواحد الذى يتغذي من مدارس فكرية متعددة ومتنوعة أكثر جدوى من وحدة فكرية لا تتحقق على أرض الواقع.

وفي واقعنا الراهن، يتزايد يوميا عدد المبتعدين عن السياسة بسبب الخوف من الألغام المزروعة في طرقاتها، وبسبب المكابدة في الحياة اليومية، وأيضا بسبب اليأس من جراء الفشل المتواتر. وفي ذات الوقت، يتزايد عدد الوافدين الجدد إلي السياسة بفكرة البحث عن الثراء وبناء الجاه الفردي. وقطعا هذا يصب في دائرة الفشل العام، والتي لا فكاك منها إلا بالسير في طريق التحالف والإستقواء المتبادل بين المثقفين والكادحين والمهمشين. هذا هو المصل الواقي والمحصن ضد روح الهزيمة واليأس واللامبالاة، وهو المبتدأ لخوض غمار التجربة الشاقة حتى تندحر مجموعات الإنتهازيين وسماسرة السياسة والثقافة، وحتى يتصدى لقضايا الوطن كل من له عقل وقلب إنساني، مؤمن بأن ما يربط بين البشر ويمنع العنف هو القدرة على التواصل والتفاعل بالخطاب الواضح الشفاف الذي يخاطب وجدان الآخر بكل تقدير وإحترام، وليس خطاب المغالطات والفجاجة الذي يحرك الغرائز ويحي الفتنة. ومن هنا أهمية وضرورة الثقافة في المهن التي تلعب دورا في التعبئة والتأثير على إتجاهات الرأي العام. فالصحفي، مثلا، هو ليس مجرد آلة تصنع المواضيع وتفرخ الخبطات الصحفية، وتسيد حديث الإثارة. بل هو إنسان منفعل ومتورط إلى حد بعيد في كل ما يدور حوله، ليستخلص كل ما يمكن أن يضمنه رسالته النبيلة تجاه المجتمع من إشارات إيجابية، وهو قبل كل شيئ مواطن له وجهة نظره الخاصة. وهو في كل ذلك يحتاج إلى درجة من الثقافة والتثقيف.

وكثير من المثقفين يكتفي بممارسة حرية التعبير، بما في ذلك حرية إنتقاد المسؤولين في السلطة، ويعتبر ذلك في حد ذاته نقلة كبيرة وقفزة هائلة في إتجاه التغيير. بالطبع، هذا صحيح. ولكن، حرية التعبير ستصبح رافعا حقيقيا في عملية التغيير، عندما يتطور هذا النقد، وما يثيره من قضايا، ويتحرك فعلا ملموسا مجسدا على أرض الواقع. فمثلا، ماذا يعني أن يتم التشكيك علنا في كفاءة وأهلية عدد من ذوي المناصب الدستورية، بينما تقف الجهات العدلية والقانونية لا تحرك ساكنا؟ وماذا يعني أن تتحول تقارير فساد المسؤولين إلى مجرد كلام والسلام؟. وضع كهذا، يجعل سقف الأحلام يتضاءل. فالقول الذي لا ينتج عنه فعل، ربما يبرئ الذمة، لكنه لا يحقق الغرض المنشود، ويؤدي إلى شعور الفرد المحدد، ناشطا سياسيا كان أو صحفيا، بالإمتلاء الكاذب، أي أن مجرد حديثه في الموضوع المعين، يشعره بأنه قد أدى واجبه كاملا. هذه الحالة دفعت بقطاع واسع من المثقفين إلى الخلف ليسجلوا غيابا ملحوظا في معارك القضايا الكبيرة التي من المفترض، تاريخيا، أن يتصدى لها المثقفون، بل ويحتلون مقدمة الصفوف.

(نواصل)

د. الشفيع خضر سعيد

المثقف والتغيير (3)https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-300x142.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتسياسة  اشرنا من قبل إلى أن تعريف مفهومي المثقف والتغيير، وتبيان دلالاتهما، سيقدم ملمحا رئيسا حول كيف هي العلاقة بينهما. ومثلما ناقشنا مفهوم المثقف ، في المقالين السابقين، نتناول اليوم مفهوم التغيير. ما هو التغيير؟ التغيير لغة، كما تخبرنا المعاجم العربية، هو تحويل الشئ وتبديله بغيره، أو جعله على غير ما...صحيفة اخبارية سودانية