د. الشفيع خضر سعيد
د. الشفيع خضر سعيد

  حتى الآن، ناقشنا من هو المثقف وما هو التغيير. وقبل أن ننتقل لمناقشة العلاقة بينهما، بمعنى بحث دور المثقف في التغيير، نتطرق إلى مفهوم التغيير الثقافي لما له من دلالات واضحة في مسألة علاقة المثقف بالتغيير.

التغيير الثقافى

 من مدونة (Blog) للباحث المغربي محمد مستوري [1]، نقتطف تعريف عالمالإجتماع درسلير (Dircclir) للتغير الثقافي، والذي يقول فيه: “التغيير الثقافي هو تحول أو انقطاع عن الإجراءات المجربة والمختبرة والمنقولة من ثقافة الماضي مع إدخال إجراءات جديدة، وهو يمس الاعتقاد والأذواق الخاصة بالمأكل والمشرب والملبس والتقاليد والفن والأخلاق والتكنولوجيا، بالإضافة إلى التغيرات التي تحدث في بنيان المجتمع ووظائفه”.ويلاحظ الباحث حمدي عبد الحميد احمد مصطفى [2] ،“أن التغير الثقافي يتسارع كلما تعرض المجتمع لأزمة ما، وهو يتضمن مجموعة من المفاهيم منها التثاقف، والتفكك، والانحراف، والتطور، والتغير التدريجي، والإبداع، والتكامل، والنقل، وإعادة الإحياء، وإعادة التفسير… والتغيير الثقافى معني باحداث تغيير على مستوى الافكار والوعى، لكنه لا يتحقق بالسرعة التى تعتمد على نظام الاضافة والملحقات، اذ انه عملية بطيئة تتحقق بطريقة الاحلال والتجديد”. والمثقف المنفتح على روح عصره والقادر على مراجعة مسلماته ومنطلقاته الأولية، وانتقادها، هو الذى يقوم بدعم التغيير او بما أطلق عليه عملية التعجيل الثقافى. وهى عملية يمكن ان تتم بشكل مباشر، أى عن طريق السلطة السياسية مثلما حاول ماوتسى تونج فى الصين، أو بطريقة غير مباشرة عبر إصلاح نظام التعليم والتأهيل المجتمعي كما نفذها مهاتير محمد في ماليزيا. وعملية التعجيل الثقافي تهدف إلى اللحاق بالتغيير في المستويات الاخرى، والذى عادة ما يحدث بسرعة اكبر، في سياق عملية التنمية. اما المثقف الذى يختار أن يطلب مهلة حتى يقرأ ويراجع الكتب لتحديد ما هو صحيح وما هو خطأ، فسيضع نفسه خارج التاريخ.

ونحن، نتفق مع القائلين بصعوبة الحكم على المجتمعات التى تعجز عن خلق ثقافاتها،بأنها مجتمعات متخلفة ثقافيا، لأن مناقشة التخلف الثقافى تستدعى مناقشة الوضع السياسى، وكلاهما يشد بعضه الى بعض. فالتغيير الثقافى يخضع للتغيير السياسي، ولا يمكن فصله عن التغيير الاجتماعى إلا من ناحية التعريف الاكاديمى الذى يرسم خطا رفيعا بينهما. والميدان الثقافى العالمي يتعرض ايضا لتذبذب علاقات القوى. فثقافة الدول الضعيفة، أو المهزومة، تأتى فى مرتبة دنيا، لذلك ليس مستغربا ان يكون العالم العربى قابعا فى ركن قصي فى المسرح العالمى. فهو، بعد فوران ثورات التحرر الوطنى، أصيب بحالة تخبط ثقافى بسبب أزمة الحكم والصراعات الايدولوجية والتبعية الاقتصادية ونظم التعليم المستندة على الارث الماضوى وفشل المشروع النهضوي. ولكن إنتفاضات الشعوب العربية، الربيع العربى، ربما تعيد الأمل لشعوب المنطقةلتستعيد مفاتيح بناء الثقافة الوطنية والقومية. فهل يتصدى المثقف العربى لهذه المهمة،أم يبقى حبيس المسلمات الفكرية والنقاشات المعلقة فى الهواء؟!

نماذج لمنعطفات تاريخية فى تحديد دور المثقف في التغيير

نموذج أول:

فى نهاية القرن التاسع عشر، صرخة إميل زولا الداوية “إني أتهم” في رسالته الشهيرة إلى الرئيس الفرنسي فليكس فور، وصدور “بيان المثقفيين”، أول بيان ثقافي في تاريخ الفكر الغربي الحديث، إحتجاجا على ذبح العدالة في محاكمة الضابط الفرنسي”ألفرد دريفوس”، وتشكل حركة جديدة مكونة من الفنانيين والكتاب والاكاديميين، خلقت تأثيرا قويا على الرأى العام ووسائل الاعلام والدولة في فرنسا، مدشنة مرحلة جديدة في تأسيس سلطة المثقفيين، والتى بلغت شاؤا كبيرا فيما تلى ذلك من عهود، رغم ما تخلل ذلك من إنتكاسات خطيرة.

نموذج ثان:

شرعن مفكروا التنوير والنهضة العرب الأوائل، في القرن التاسع عشر، عملية الإقتباس من الغرب، على قاعدة التفاعل البناء وليس التقليد الأعمى، معتبرين أن تغيير الذهنيات والعقليات وأنماط السلوك هو المدخل إلى تملك أسس الحداثة والنهضة، فنجحوا في إطلاق الشرارات الأولى لثورة ثقافية حقيقية، عن طريق سعيهم إلى الإصلاح الديني، والترويج للحرية والدولة الدستورية، ودعوتهم إلى تحديث اللغة العربية، ونضالهم من أجل تحرير المرأة، ومن أجل إصلاح التعليم والتربية، داخل الأسرة والمدرسة.

نموذج ثالث:

يمثل العام 1968 منعطفا هاما في تاريخ العالم. ففي هذا العام تم اغتيال مارتن لوثر كنغ، وروبيرت كندي، وقمعت موسكو تمرد تشيكوسلوفاكيا فيما عرف بربيع براغ، وذاع صيت حركات تحرر المرأة في الغرب، ورسخت حركة التحرر الوطني اللفلسطينية أقدامها على مسرح التاريخ. لكن، الحدث الأهم، من حيث العلاقة بموضوع مناقشتنا، هو إندلاع الثورة الطلابية في فرنسا،في شهر مايو، والتي هزت نظام الجنرال ديغول، وكاد أن يسقط.هذه الثورة، لعبت دورا كبيرا في إحداث تغييرات نفسية وثقافية وسياسية وفلسفية عميقة في حياة المجتمع الفرنسي. نزل إلى شوارع الثورة كبار المثقفين والفنانين والأدباء، سارتر وميشيل فوكو وجيل ديلوز وإيف مونتان، والعشرات غيرهم. وكان سارتر يوزع منشورات الطلاب ضد النظام، مما تسبب في إعتقاله الذي أثار ضجة كبيرة، حنى أن الرئيس ديغول تدخل لإطلاف سراحه قائلا “من يستطيع أن يعتقل فولتير!أتركوه حرا”. ومعروف أن ستينات وسبعينات القرن الماضي إرتبطت بظهور حركات الهيبيز، التي إبتدأت في الولايات المتحدة الأمريكية، كظاهرة احتجاج وتمرد على قيم المجتمع الرأسمالي من أبوية سياسية، ومظاهر المادية، والنفعية وثقافة الاستهلاك…الخ، وكذاك رفض الحرب والدعوة لعالم تسوده الحرية والمساواة والحب والسلام. ولعل هذه الحركات كانت المقدمات الأولى لظهورالجماعات المناهضةللتسلح النووي، وجماعات حماية البيئة، وجماعات دعم للعالم الثالث، وحركات مناهضة العولمة، والحركات المناهضة للحرب.

نموذج رابع:

بمبادرة منه، أسس برتراند راسل، مع جان بول سارتر وسيمون دو بوفوار وآخرين، محكمة الضمير العالمي” عام 1969، والتي عُرفت أيضا بمحكمة برتراند راسل”، وكانت مهمتها مقاضاة الولايات المتحدة الأميركية على جرائمها ضد الشعب الفيتنامي، وقدمت الرئيس ليندون جونسون ومساعديه كمجرمي حرب، وأصدرت حكماً بالإدانة. كانت المحكمة بمثابة سلطة رمزية للمثقف فى التصدى لشطط وعسف السلطات الرسمية.

نموذج خامس:

رفض صنع الله ابراهيم، الروائي المصرى الشهير،إستلام جائزة من الحكومة المصرية، في عهد مبارك،عام 2003، لأنها، بحسب خطابه الذي ألقاه في إحتفال تسليم الجائزة، صادرة عن حكومة تقمع الشعب وتحمي الفساد وتسمح للسفير الإسرائيلي بالبقاء في مصر، في حين أن إسرائيل تقتل وتغتصب فى الشعب الفلسطينى. برفضه إستلام الجائزة، سلط صنع الله إبراهيم الضوء على معيار هام للحكم على المثقف: هل هو مقاطع/مصادم للأنظمة الديكتاتورية، أم متورط/مشارك فيها؟. وفرضت طريقة صنع الله تاكتيك المقاطعة للفت النظر تجاه ما تفعله الديكتاتوريات في المنطقة العربية.

نواصل في الأجزاء القادمة إستعراض بقية النماذج.

د. الشفيع خضر سعيد

[1]– محمد مستوري، http://medmastoury.blogspot.com

[2]– حمدي عبد الحميد احمد مصطفى، http://hamdisocio.blogspot.com

المثقف والتغيير (4)https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-300x142.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتالتغيير,سياسة  حتى الآن، ناقشنا من هو المثقف وما هو التغيير. وقبل أن ننتقل لمناقشة العلاقة بينهما، بمعنى بحث دور المثقف في التغيير، نتطرق إلى مفهوم التغيير الثقافي لما له من دلالات واضحة في مسألة علاقة المثقف بالتغيير. التغيير الثقافى  من مدونة (Blog) للباحث المغربي محمد مستوري ، نقتطف تعريف عالمالإجتماع درسلير (Dircclir)...صحيفة اخبارية سودانية