د. الشفيع خضر سعيد
د. الشفيع خضر سعيد

  في المقال السابق، رصدنا خمس نماذج لمنعطفات تاريخية في تحديد دور المثقف في التغيير. في النموذج الأول رصدنا صرخة إميل زولا الداوية “إني أتهم” في رسالته الشهيرة إلى الرئيس الفرنسي فليكس فور، وصدور “بيان المثقفيين”، أول بيان ثقافي في تاريخ الفكر الغربي الحديث، إحتجاجا على ذبح العدالة. وفي النموذج الثاني تناولنا كيف نجح مفكروا التنوير والنهضة العرب الأوائل، في إطلاق الشرارات الأولى لثورة ثقافية حقيقية، عن طريق سعيهم إلى الإصلاح الديني، والترويج للحرية والدولة الدستورية، ودعوتهم إلى تحديث اللغة العربية، ونضالهم من أجل تحرير المرأة، ومن أجل إصلاح التعليم..الخ. أما النموذج الثالث فكان حول إندلاع الثورة الطلابية في فرنسا،في شهر مايو 1968، وما فجرته من تغييرات نفسية وثقافية وسياسية وفلسفية. النموذج الرابع كان عن محكمة الضمير العالمي” أو محكمة “برتراند راسل”، التي أسسها برتراند راسل، مع جان بول سارتر وسيمون دو بوفوار وآخرين، عام 1969، لمقاضاة الولايات المتحدة الأميركية على جرائمها ضد الشعب الفيتنامي. وأخيرا، في النموذج الخامس رصدنا دلالات رفض الروائي المصري صنع الله ابراهيم،إستلام جائزة من الحكومة المصرية، في عهد مبارك،عام 2003.ونواصل في مقال اليوم رصد بقية النماذج:

نموذج سادس

يعتبر السودان بلد التنوع والتعدد الأول في إفريقيا، التنوع والتعدد الإثني والديني والتقافي واللغوي…، والحضاري. ولأسباب سياسية وآيديولوجية، كما كتب د. صلاح محمد حسن في تقديمه للسيرة الذاتية للفنان التشكيلي السوداني إبراهيم الصلحي، “تمحورت هذه التعددية في مجموعتين ثقافتين: الأولى، إسلامية العقيدة وعربية الهوى والثقافة، مختلطة بما سبق تسرب الإسلام من عناصر ثقافية/عرقية محلية، وتنتشر في شمال ووسط السودان. أما المجموعة الثانية، فتتكون من مجموعة من عناصر الثقافات الأفريقية، وهي في الغالب مسيحية أو أرواحية المعتقد، وتنتشر في جنوب السودان وبعض هوامش الشمال”.[1] وفي ستينات القرن الماضي، إحتدم في الأوساط الفكرية والثقافية السودانية حراك عميق وثري، إزداد إتساعا وعمقا بعد ثورة الحادي والعشرين من أكتوبر 1964، بحثا عن كيفية تحويل هذا المخزون الهائل من التنوع والتعدد الثقافي إلى ثقافة سودانية وطنية/قومية، تسهم، عبر الإجابة عن سؤال الهوية السودانية، في تخلق وتشكل وعي وطني جديد، في التغيير والتحرك نحو إرساء دعائم الدولة الوطنية السودانية، المستقلة حديثا، في 1956. ذاك الحراك العميق عبر عن نفسه في مجالات الفكر والأدب والفن التشكيلي، فتأسست “مدرسة الخرطوم”، و”مدرسة الغابة والصحراء”، و”الجماعة الكريستالية”، و”مجموعة أباداماك”، ومدرسة الواحد”، وأنتظمت في صفوف طلاب المدارس الثانوية مجموعات “طلائع النخيل”، و”طلائع الهدهد”، واللتان أسهمتا في نشر الوعي الثقافي والفكر الديمقراطي وسط الطلاب والمناطق الريفية. هذا، بالإضافة إلى الكتابات والمسجالات الثرة المنشورة في صحف ومجلات الخرطوم في تلك الفترة. ويشير د.صلاح محمد حسن، في ذات المصدر السابق[2]، إلى  مقال للمفكر والمعلم والفنان التشكيلي السوداني أحمد الطيب زين العابدين، نشر بتاريخ 15 يوليو 1989، في مجلة الثقافة السودانية، العدد 15، يتحدث فيه عن مفهوم “السودانوية” بإعتباره المصب لتطور المنظور الفكري لتلك الحركات والمدارس. والسودانوية في تعريف زين العابدين، “هي عملية تخلق ثقافي طويلة المدى، تعتمد في جوهرها على مبادئ الهجنة وإستمرارية الثقافة على أمتداد وادي النيل. وهي في نهاية التحليل، بمثابة تتويج نهائي لعملية تداخل طبقات مختلفة من عناصر الواقع الديني والإثني والإجتماعي/الإقتصادي والفني، والتي إستمرت منذ آلاف السنين في السودان”.

نموذج سابع:

رغم ان الكاتب الكولومبى الشهير غابريال غارسيا ماركيز ظل يرفض، بإصرار، أن يتحول لمنبر للدعاية السياسية، الا انه استفاد من مناسبة فوزه بجائزة نوبل (1982) في تسليط الضوء على امريكا اللاتينية فى خطابه المعنون “عزلة امريكا اللاتينية”: (في يوم من الأيام، قال أستاذي ويليام فولكنر من هذا المنبر: «لن أقبل بنهاية الإنسان». أشعر بأنني لست أهلا لأقف في هذا المكان الذي كان له إذا لم أكن أدرك تمام الإدراك، و لأول مرة منذ عهد طويل، أن الكارثة المهولة التي لم يقبلها منذ اثنين و ثلاثين سنة لا تعدو أن تكون اليوم سوى إمكانية علمية بسيطة. أمام هذا الواقع المروع، الذي كان يبدو كالخيال لسنين عديدة، نشعر، نحن واضعي الخرافات الذين نصدق كل شيء، و لنا الحق في ذلك، أن الوقت ليس متأخرا لنشرع في خلق خيال مضاد. خيال جديد وجامح، حيث لا سلطان لأحد على أحد بتحديد حتى طريقة موته، وحيث يسود الحب الحقيقي وتسود السعادة، و حيث تكون للأجيال المحكوم عليها بمائة عام من العزلة فرصة أخرى و للأبد فوق كوكب الأرض.).[3]وبالإضافة إلى سباحته في عوالم الإبداع والأدب والصحافة، ساهم ماركيز في عالم السياسة، بشكل غير مباشر، حيث ظل فى كتابته يكشف عن الظلم والقمع الذى يعيشه الكولومبيون، كما جمعته علاقة صدلقة قوية مع زعيم الثورة الكوبية فيدل كاسترو، وكان يتواصل مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، كما إستغل شهرته ومكانته الأدبية للتوسّط من أجل إحلال وقف إطلاق نار وبدء مفاوضات سلام بين الثوّار اليساريين والحكومة الكولومبية. ورغم ميول ماركيز اليسارية الواضحة، إلا أنه لم يكن يوماً عضواً في أي حزب أو تنظيم سياسي.

قراءتنا لهذه المنعطفات، وغيرها كثر، تقول أن المثقف اذا لم يتفاعل مع القضايا اليومية والاستراتيجية يفقد الصفة نفسها، أو بحسب تعبير غرامشى، اذا لم يقم بالوظيفة فهو لا يستحق الصفة. والأهم ان المثقف لا ينال التفويض الاجتماعى الا بعد ان يتصدى للقضايا التى يواجهها المجتمع. ثم أن المثقف لا يحتاج الى أن يكون في موقع السلطة الفعلية، موقع إتخاذ القرار، لممارسة دوره، بل هو يمارس دوره بشكل أفضل، وبالتحديد، من موقعه كمراقب للسلطة من على البعد، وبأعين الجماهير. أى الموقع الذى يسمح له بالانتقاد الصارم دون مساومة، وهذا يتطابق مع وصف كارل ماركس للمثقف: “أن يكون شجاعا ومستعدا بالذهاب بالمذهب العقلانى الى أبعد مدى، وأن يقوم بنقد صارم لكل ما هو موجود، صرامة تحول دون تراجع النقد، لا أمام النتائج التى يقود اليها نفسه، ولا أمام الصراع مع السلطة أيا كانت”[4].

(نواصل)

د. الشفيع خضر سعيد

[1]إبراهيم الصلحي، “قبضة من تراب، سيرة ذاتية”، منتدى دال الثقافي، 2012، ص22.

[2]إبراهيم الصلحي، مصدر سابق

[3]http://www.maghress.com/alittihad/132317

[4]محمد عابد الجابري، مصدر سابق، ص24،25

المثقف والتغيير (5)https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-300x142.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتالتغيير  في المقال السابق، رصدنا خمس نماذج لمنعطفات تاريخية في تحديد دور المثقف في التغيير. في النموذج الأول رصدنا صرخة إميل زولا الداوية 'إني أتهم' في رسالته الشهيرة إلى الرئيس الفرنسي فليكس فور، وصدور 'بيان المثقفيين'، أول بيان ثقافي في تاريخ الفكر الغربي الحديث، إحتجاجا على ذبح العدالة. وفي...صحيفة اخبارية سودانية