د. الشفيع خضر سعيد
د. الشفيع خضر سعيد

  في المقالات السابقة، ناقشنا تعريف المثقف وتعريف التغيير، وأبدينا بعض الملاحظات عن التعريفيين، ثم تناولنا مفهوم التغيير الثقافي، كما إستعرضنا عددا من النماذج لمنعطفات تاريخية فى تحديد دور المثقف في التغيير. ندلف الآن لمناقشة موضوع علاقة المثقف بالسلطة، حيث يحتدم الجدل، خاصة فى العالم العربى، وتطرح الأسئلة حول هذا الموضوع: هل المثقف هو أداة من أدوات السيطرة السياسية، أم أن التمرد والمعارضة هما بيئته الطبيعية ومجاله الحيوي؟. هل تتحدد علاقة المثقف بالنظام السياسى المعين وفق معادلة “مع أو ضد”، أم هناك خيار ثالث؟.وإذا كانت السلطة متوافقة مع رؤى المثقف، ومتصالحة مع فضاءات الديمقراطية وتطلعات الشعب،هل يمكن للمثقف أن يخدم رسالته وهو في مواقعها، أي مواقع السلطة، أم الأفيد أن يحتفظ بإستقلاليته عنها؟. وفي ظل الديكتاتوريات، هل يقوم المثقف بمقاطعة أجهزة التواصل الإعلامي والثقافي مع الجمهور، أم يتعامل معها، في حدود الممكن، لتوصيل رسالته؟. وهل المثقف محصن ضد أن تسلبه “حدود الممكن” هذه سمات وظيفتة، أي وظيفة المثقف، أم أن ح”دود الممكن” هذه هي المنزلق ليدخل المثقف في عالم “المثقف المطبل للسلطان”، المثقف “المزور”؟.[1]هل نوافق على أن كل هذه الأسئلة، وغيرها، لا داع لها ونكتفي بإقرار أن المثقف حر في تحديد موقفه وموقعه مادام هو يلتزم ويتقيد بمعيار الإنحيازلصالح الانسان والعدالة الاجتماعية؟؟

من الواضح أن سؤال المثقف والسلطة أغوانا، لأننا مشغولون بالصراع السياسى وتعقيداته، ولم نلتفت لأهمية الوجه الآخر للسؤال، وهو إستقلالية المثقف،رغم أن سؤال الاستقلالية هذا، قديم وأثاره دى ليبرا عندما طرح ضرورة تحرر الفلاسفة من مهنة الإستاذية بين جدران الجامعات. وأثاره إبن رشد، بشكل غير مباشر، عندما طرح الفصل بين الدين والفلسفة، تلك الأطروحة التى بنى عليها كانط كثيرا من أفكاره. بالطبع ليس هناك مثقف محايد فى قضايا الصراع الاجتماعى السياسى، لأن هذه القضايا تتعلق بمعايير الحريةوالعدالةوالكرامة الانسانية…،والتى على ضوئها تتخذ المواقف. ولكن،لأن التغيير عملية ليست لها نقطة نهاية محددة، فسيظل دور المثقف هو أن يبقي عينيه مفتوحة على مجريات الامور،مرسلا النظرة الثاقبة، ومنشطا الفكر الناقد. وهذا يستدعى أهمية أن يكون المثقف مستقلا عن أى مؤسسة أو حكومة، أو أى جهة تسلبه حاسة النقد،ليحتفظ بقدرته على النقد وإصلاح الإعوجاج، ليس للحكومات فقط بل لمجتمع كامل بعاداته ومسلماته وسلوكه. وبالطبع، ستصبح هذه الإستقلالية بلا معنى إذا لم يتمثل المثقف معايير دقيقة يشرف هو شخصيا فى تنمية دقتها أو حساسيتها تجاه القضايا المطروحة. إن معظم المثقفيين الذين لعبوا دورا هاما فى خلق دوائر تأثير مضادة للافكار السائدة او القرارات الى تفرضها السياسة، هم من خارج الدوائر التنفيذية للحكومات والمؤسسات التعليمية الحكومية، علما بأن الطفرة التكنولوجية ساعدت كثيرا فى إمكانية خلق منابر مستقلة للمثقفيين. لكن، سيكون من العسف أننختصر سؤال المثقف والسلطة فى هل المثقف يعمل مع الحكومة المحددة أم لا، مستفيدا أم غير مستفيد…، ونتجاهل جانبا هاما يتعلق بهل تتوفر للمثقف الحرية التى يستطيع أن يكفل بها عيشه، وفى ذات الوقت يصون إستقلاليته، والى أى مدى نسمح بالحرية للمثقف؟؟ كما أن الإسترسال في طرح هذا النوع من التساؤلات، دون حذر وإنتباه، سيجعلنا نبدوا وكأننانركض بحثا عن من هوالمثقف؟ هل هو المبدع أم المتعلم، الكاتب أم القارئ، المهنى أم استاذ الجامعة، البورجوازى أم العامل،اليساري أم اليميني، الثورى أم المستسلم….؟ وهذا النوع من الاسئلة،يمكن أن يبعدنا، حتى من أكثر التعريفات قربا من لساننا، وهو تعريف غرامشى الذى يحدد المثقف بالوظيفة. فالتعريف بدون التصدى للوظيفة، كما ذكرنا من قبل، يشمل جميع الناس الذين تلقوا قدرا من الانفتاح الذى يسمح لهم بالتعاطى الفكرى مع الاحداث. نلخص، بقولة مهدي عامل الشهيرة: “متى كان للدولة فكر، متى كان للفكر الثوري طابع رسمي! إما أن يكون الفكر نقديا، وإما أن يكون مخصيا، وهو المخصي إذا إستمد من سلطة الدولة سلطته. إذاك يتمأسس، فيستحيل فكرا بيروقراطيا. وما هذا الفكر بفكر. إنه خادم السلطان وخائن نفسه. إنه المرتد بامتياز“.[2]

المثقف والإنقلاب المعرفي

نحن اليوم، نعيش في عصر سمته الأساسية هي التطور المذهل في المعرفة، وفيإكتشاف الفضاءات الجديدة،[3]عصر تتسارع فيه وتيرة التراكم العلمي والمعرفي، ووتيرة تطور الثورة التكنولوجية، بشكل غير مسبوق، لا يمكننا تخيل حدوده، أوتخيل سقفه الأعلى. ونحن نرى، أن هذا الواقع فتح الباب على مصراعيه لتخلق وتشكل نموذج معرفي جديد، إنقلاب معرفي، (paradigm shift) قائم على ذاك التراكم العلمي والمعرفي ونتائج الثورة التكنولوجية، وعلى الخبرة والتجارب الإنسانية، إضافة إلى الانخراط المباشر في سلسلة من الأنشطة العلمية، عبر المؤهلين المتخصصين في مجالات المعرفة المختلفة. ونتصور أن هذا الإنقلاب المعرفي، سيفرض نفسه، وسيحدث نقلة نوعية في تطور الوعي البشري ضد الحلقية الضيقة وضد الجمود الآيديولوجي، مما يمكن من إختراق جدران التخندق الإثني والتعصب العقائدي والتمترس الآيديولوجي. ويتحدث توماس كوهين فى كتابه “بنية الثورات العلمية”،واصفا التغيير الذى يحدث فى الفرضيات الاساسية فى النظرية المطبقة أو المسيطرة على العلم،بأن الثورة العلمية تحدث عندما تواجه بحالات غير طبيعية لا يمكن تفسيرها بالنموذج المعرفى السائد عالميا والذى احدثه التطور العلمى.أى أن النموذج المعرفى،بحسب كوهين، ليس مجرد نظرية جديدة، بل هو الرؤية العالمية الكلية التى تتولد فيها النظرية الجديدة وكل ما يترتب عليها.[4] واذا نظرنا الى واقعنا اليوم، سنجد كثيرا من الاسئلة الحائرة المتروكة دون إجابات،كما سنجد كثيرا من الحالات والإشكالات التى لم تستطع الآيديولجيات المختلفة تقديم حلول لها.وبسبب هذا الوضع، تحدثعدد كبير من المثقفيين العرب، حولضرورة إحداث تغيير جذرى على مستوى التفكير، سواء كان ذلك عن طريق القراءة النقدية للموروث الدينى والتاريخى،أو عن طريق تبيئة المفاهيم العالمية.

(نواصل)

د. الشفيع خضر سعيد

[1]مثقفوا التزييف/التزوير، تعبير إستخدمه المفكر الفرنسي باسكال بونيفاس لوصف الذين يسيطرون على المشهد الثقافي الفرنسي ويوجهونه لخدمة أجندة سياسية رخيصة، لا علاقة لها بالثقافة حتى في أبخس تجسيدها، وهم، بتعبير بونيفاس؛ يصنعون عملة ثقافية مزورة. (هاشم صالح، “باسكال بونيفاس والفكر المستنير”، صحيفة الشرق الأوسط، 1 مايو 2008).

[2]-مهدي عامل، مناقشات وأحاديث، دار الفارابي، 1990، ص 159-160

[3]-ترصد المواقع الإسفيرية مئات المؤشرات الدالة على ذلك، مثل: ما نشر على الإنترنت  في عام 2009 وحده، أكثر مما نشرته البشرية بالطرق التقليدية في آخر5000 عام..! وأن ما قدمه تلسكوب هابل الفضائي في أول عام بعد إطلاقه في التسعينيات يفوق معارفنا الفلكية التي توصلنا إليها في آخر 10 آلاف عام، وأن المعلومات التقنية تتضاعف كل عامين وهو ما يعني أن المعلومات التي يدرسها الطالب الجامعي في سنته الأولى تصبح (قديمة) حين يصل الى سنته الثالثة!!..الخ.

[4]ترجمة الكاتب من www.princton.edu/achaney/tmve/wiki100k/docs/paradigm:

المثقف والتغيير (6)https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-300x142.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتالتغيير  في المقالات السابقة، ناقشنا تعريف المثقف وتعريف التغيير، وأبدينا بعض الملاحظات عن التعريفيين، ثم تناولنا مفهوم التغيير الثقافي، كما إستعرضنا عددا من النماذج لمنعطفات تاريخية فى تحديد دور المثقف في التغيير. ندلف الآن لمناقشة موضوع علاقة المثقف بالسلطة، حيث يحتدم الجدل، خاصة فى العالم العربى، وتطرح الأسئلة حول...صحيفة اخبارية سودانية