د. الشفيع خضر سعيد
د. الشفيع خضر سعيد

  نواصل ما إنقطع من حديث حول المثقف والإنقلاب المعرفي، فنقول إن الذهنية المسيطرة على النقاش اليومى فى القضايا المصيرية والمفصلية، ونحن هنا نتحدث تحديدا عن منطقتنا التي نعيش فيها، هى ذهنية المغالطات الفكرية، والالتباسات الآيديولوجية، والتصدعات الناتجة عن ذهنية لم تتدرب على التفكير العلمي الموضوعي،وظلت تتعرض لتأثيراتسالبة ناتجة من ظواهر التعصب والتشوه السياسى الذى تعيشه المنطقة. ومن هنا، فإنإحداث انقلاب (paradigm shift) فى النموذج المعرفى السائد، اصبح ضرورة يمليها الواقع السياسى المتأزم بفعل التناحر السياسي والآيديولوجي والعرقي والطائفي، وبفعل إنزلاقات العنف والعنف المضاد.هذا الواقع، أصبح يشكك في المعقولية السياسية للشعوب العربية، أي يشكك في كل ماأستطاعت ان تصل اليههذه الشعوب من درجات القبول النفسى والاخلاقى لمعايير ذات حساسية فائقة تجاه القضايا الانسانية بشكل عام. وتحديدا نقصد قضايا الراهن السياسى المتعلقة بالنزاعات الناتجة من تظلمات وإحتجاجاتالقوميات المهمشة، والنزاعات المرتبطة بالطائفية، وبعلاقةالدين والسياسة.والمعقولية السياسية، كما يوضحجون رولز،[1]“لا تتأسّس بالدرجة الأولى، على المصلحة النفعيّة، بغضّ النظر عن كون هذه المصلحة عامّةً أو خاصّة، كما أنّها لا تنبني على حسابات المكاسب والخسائر؛ وعليه، هي لا تضع نتائج الفعل معيارًا لمحاكمة مدى ضرورة القيام به أو عدمها. ما هو معقولٌ يتحدّد وفقًا لمدى المقبوليّة الأخلاقية/النفسية للفعل أو للواقع الذي يتعامل معه. وهكذا تحيل المعقولية على “حساسية أخلاقية” تفتقدها العقلانية الحسابية.”ومن الواضح أن المعقولية السياسية لا يمكن أن تتأتى إلا بالتغيير الثقافى،أو النهوض بمستوى المعايير المتدوالة،أو فى صورة اخرى،عبر خلق حساسية فكرية تجاه ما هو انسانى فيما يدور من صراع فى أرض الواقع،لا سيما المداولات الاعلامية والسياسية والثقافية والاجتماعية والتعليمية التى تحمل كثيرا من المفاهيم القديمة الباليةوالتى لا تصلح حتى لترقيع الواقع. وكل هذا يتطلب إحداثإنقلاب فى النموذج المعرفىالسائد. ومن المهم الإشارة إلى أن إحداث هذا الإنقلاب المعرفى،لا يستدعى وصول أحزاب بعينها الى الحكم،بقدر ما يحتاج لجهد المثقفيين والمفكرين فى صياغة رؤى جديدة تغذى المشروع الثقافى النهضوى، وترفع من درجة حساسية الشعوب تجاه معايير الإنسانية والعدالة. وقد أسهم في هذا الجهد، عدد من الفلاسفة والمفكريين العرب مثل حسين مروة، ومحمد اركون، والطيب تيزينى،وغيرهم،بمنتوجهم الفكرى المعنى بإعادة قراءة الفكر/التراث العربى عبر تاريخيته، فى إطار الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية المحيطة به،استنادا على المناهج العلمية.

تحديات في مواجهة المثقف العربي

 نقصد بالتحديات، القضايا التي تشكل في مجموعها مجال الفعل والمساهة الملموسة بالنسبة لموقع المثقف ودوره في التغيير. وهي قضايا عديدة ومتشعبة، وأي منها يمكن أن يشكل مبحثا قائما يذاته، لكنا هنا سنتناول ما نعتقده أبرزها:

منهج “إعادة النظر”

إن السمات الرئيسية للوعي الثوري، العلمي والسياسي، تتمثل في السعي نحو إبراز واكتشاف حقيقة الأمور في العالم المحيط، والسرعة، مع الواقعية، في التجاوبمع الحقائق والمهمات الجديدة، والتفكير مليا، ثم الشجاعة في البحث النظري والممارسة العملية، مع التمسك بمبدأ النقد الذاتي، والتسلح بمنهج إعادة النظرفي كافة القضايا والمفاهيم، حتى تلك التي كنا نجزم بصحتها ودقتها في مرحلة سابقة، وذلك في اطار استيعاب المستجدات والمتعيرات في الواقع. وأعتقد أن الكثيرين يتفقون معي في إن اهمال منهج “إعادة النظر” يصيب الفكر باعراض التكلس والجمود، ويوفر تربة خصبة لنمو داء التخندق والتعصب الأعمى، في حين الاستخدام الدائم والثابت لهذا المنهج يقي الفكر منالتحنط والصدأ. وهو يمهد الطريق للإعتراف بالآخر، ومن ثم التوافق والبحث عن القواسم المشتركة، في حدها الأعلى وليس الأدنى، بما يفضي لبناء أرضية صلبة متماسكة تسع الجميع، وتحتضن حواراتهم، بل وصراعاتهم، لا حول الأرضية نفسها، وإنما حول أفضل السبل للسير إلى الأمام فوقها، مع الحفاظ على صلابتها وتماسكها ووحدتها. وأعتقد أن أي رؤية أو نظرية، تدعي أنها علمية، يجب أن تكون مرنة بما يكفي حتى تتيح هامشاً واسعاً لإعمال منهج إعادة النظر لتعديل أطروحاتها حسب تفهمها لإطروحات الآخر وإمكانية الإلتقاء معها، ولإستيعاب نتائج التطور المحتملة، بما في ذلك التخلي عن أي أطروحات لم تصمد في إختبار الممارسة، أو يقودنا النموذج المعرفي الجديد لإكتشاف ما بها من خلل ونواقص وتخلف عن واقع العصر، بما في ذلك تلك الأحكام التي يرفض التزحزح عنها بإعتبارها من ضمن مكونات الموقف المبدئي. ومن المهم هنا التأكيد على أن إعادة النظر لا تعني النفي أو الإلغاء أو التخلي، وإنما المراجعة، وفق المستجدات والمتغيرات، بهدف التعديل أو تثبيت الحكم كما هو. و على ضوء ذلك، فإن إحدى التحديات الرئيسة التي تواجه المثقف وهو يمارس دوره في عملية التغيير، هي إعماله مبدأ إعادة النظر، مثلا في منهج الأحكام القطعية النهائية، المختومةبالشمع الأحمر، ومن ضمنها منهج التعامل بالثنائيات مطلقة الضدية، والذي لا يزال سائدا في ساحات المعرفة والممارسة، حيث الحكم يظل ساريا ونهائيا عبر الزمان والمكان، لا يقبل المراجعة أو الإستئناف. ونحن، لا نرى في كل ذلك تخاذلا أو نكوصا أو تراجعا أو تنكرا للمبدأ.

(نواصل)

د. الشفيع خضر سعيد

+ المراجع :- 

[1]– حسام الدين درويش، “الفكر اوالموقف السياسى بين الحيادية والموضوعية وبين العقلانية والمعقولية” بحث منشور في موقع www.dohainstitute.org

المثقف والتغيير (7)https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-300x142.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتالتغيير  نواصل ما إنقطع من حديث حول المثقف والإنقلاب المعرفي، فنقول إن الذهنية المسيطرة على النقاش اليومى فى القضايا المصيرية والمفصلية، ونحن هنا نتحدث تحديدا عن منطقتنا التي نعيش فيها، هى ذهنية المغالطات الفكرية، والالتباسات الآيديولوجية، والتصدعات الناتجة عن ذهنية لم تتدرب على التفكير العلمي الموضوعي،وظلت تتعرض لتأثيراتسالبة ناتجة من...صحيفة اخبارية سودانية