د. الشفيع خضر سعيد
د. الشفيع خضر سعيد

  نواصل حديثنا حول التحديات التي تواجه المثقف العربي، والتي نقصد بها، كما أوضحنا في المقال السابق، تلك القضايا التي تشكل في مجموعها مجال الفعل والمساهة الملموسة بالنسبة لموقع المثقف ودوره في التغيير. وقد أشرنا إلى أن هذهالقضايا عديدة ومتشعبة، وأي منها يمكن أن يشكل مبحثا قائما بذاته، لكنا نوهنا إلى أن تناولنا سيقتصر على التحديات التي نراها الأبرز والأهم، حيث أبتدرنا مناقشتنا بالتطرق إلى مبدأ إعادة النظر. نواصل اليوم مناقشة مجموعة أخرى من تلك التحديات:

إدارة التنوع

من أبرز التحديات التي تواجه المثقف، هي دوره ومساهمته في إدارة التنوع والتعدد. ففي العديد من البلدان يظل التنوع والتعدد الإثني واللغوي والديني والثقافي، ظاهرة أساسية وموضوعية، لا يمكن تجاهلها أو تخطيها. وتظل إدارة هذا التنوع وعلاقته بتوظيف الموارد الطبيعية، وخاصة الارض، وكذلك توظيفه كأحد عوامل التحالفات السياسية لإستيعاب كافة أو معظم العناصر الرئيسية لحياة الناس اليومية، تظل تحديا يتوجب على المجموعات المختلفة في البلاد مواجهته في تفاعلاتها اليومية وجهودها من اجل تحقيق السلام والتنمية العادلة.[1]

ولقد ظلت أنظمة الإستبداد والطغيان في العالم العربي، ولعقود طويلة، تحتكر السياسة، وتسعى لمحاصرة القوى السياسية المعارضة، والمؤسسات المدنية والديمقراطية، من أحزاب ونقابات ومنابر وجمعيات وأندية ومنظمات ثقافية…الخ، وإضعافها وشل فعاليتها، بل وتمزيق وحدتها. ونتيجة لذلك، وكرد فعل طبيعي، كان لا بد أن تنمو ظاهرة القبلية، والإستقواء بالعشيرة ورابطة الدم. ومعروف إن من ضمن السلبيات والأخطار التي يمكن أن تنجم عن علو وبروز شأن القبيلة في المشهد السياسي، هو سهولة إنقيادها إلى روح “الأنا الجمعية” (sociocentrism)، ووقوعها في براثن العنصرية والشوفينية، خاصة في ظل غياب أي مصدات لمنع هذا الإنقياد وهذا الوقوع.

إن النقلة الهائلة في عالم تكنولوجيا الاتصالات، إضافة إلى أنها أشاعت المعلومة وعولمتها، فإنها أيضا قفزت بالوعي البشري قفزات هائلة إلى الأمام، لدرجة أن الأميين اليوم أصبح في إستطاعتهم إمتلاك قدر محترم من الثقافة الشفاهية، عبر السمع والرؤية. والنتيجة هي إتساع قطاعات المجتمع التي باتت قادرة على معرفة ما يدور حولها ودراسته ومن ثم تحديد أدوارها فيه، وذلك من أجل تحقيق تطلعاتها المشروعة لعالم أكثر عدالة ورحابة. وفي هذا السياق، أعتقد أن القفزة في الوعي هذه ساهمت في إعلان ميلاد ثورات أبناء القوميات المهمشة ضد المركز في السودان، والتي اتخدت اشكالا متعددة، وفي الغالب شكل الثورة المسلحة المنطلقة من الهامش والأطراف، تبعا للاختلافات والتنوع الإثني، ووفقا لتفاوت مستويات التطور الاقتصادي والاجتماعي وكل تفاصيل الجغرافيا السياسية، وكذلك حسب سطوة وقبضة السلطة المركزية على مناطق الهامش هذه، واخيرا حسب القدرات والامكانات الذاتية لهولاء الثوار، وقادتهم الجدد، القادمون من صفوف مثقفي ومتعلمي هذه القوميات والقبائل. وهذا الأمر، في تقديري، له دلالته. فأن تأخذ الثورة، في السودان، منحى إثنيا وقوميا، لم يأتي من فراغ. بل جاء كرد فعل طبيعي لهيمنة الثقافة العربية الاسلامية في المركز منذ الاستقلال، والتي إكتسبت بين يدي السلطة الحاكمة اليوم طابع الطغيان والاستبداد تجاه الثقافات والقوميات الأخرى، مما دفع الأخيرة للرفض والمقاومة، ثم التمرد والثورة. وإنسجاما مع رؤاه الآيديولوجية، ظل تيار الإسلام السياسي الحاكم اليوم في السودان يتجاهل حقيقة أن الهوية الحضارية السودانية منبثقة من رحم التعدد والتنوع والتباين، وأنها تخلقت وتبلورت عبر مخاض ممتد لقرون وحقب، أسهمت فيه عدة عوامل بدءاً بالحضارة المروية قبل الميلاد مرورا بالحضارات المسيحية والإسلامية وأثر الهجرات العربية والأفريقية ونتاج الكيانات الإفريقية القبلية والعرقية وبصمات المعتقدات الإفريقية والنيلية، ثم مرحلة النضال الوطني ضد المستعمر.تجاهل تيار الإسلام السياسي في السودان كل ذلك، مدعيا أن المكون الحضاري للهوية السودانية يقتصر على المكون العربي الإسلامي وحده، وكانت النتيجة إستدامة الحرب الأهلية التي حصدت أرواح ملايين السودانيين، وبدء تفتت البلاد بإنفصال جنوب السودان. وقد تتسع مطالبات الإنفصال أو الإستقلال لتشمل مناطق أخرى، إضافة إلى تفشي نعرات العنصرية والتعصب القبلي والجهوي، وآثارها الكارثية.

وكما هو معروف، فإن العديد من بلدان المنطقة، تتميز بتعدد ثقافاتها، وبتعدد لغات هذه الثقافات. وأعتقد أن السودان يمثل نموذجا مثاليا لهذا الواقع.ما نود الطرق عليه هنا، هو أنه لا مجال إلا بإعطاء كل اللغات الفرصة الأقصى للتطور ولتصبح أدوات متقدمة للتعبير والتعليم.هذا يفتح المجال للمثاقفة الحرة التي تؤدى إلى التفاعل بين هذه اللغات وما تعبر عنه من ثقافات، مما ينتج عنه واقع ثقافي جديد. صحيح هناك قوميات تتخذ اللغة العربية بمحض إرادتها أداة للتخاطب، هذا لابد من الترحيب به، لكن لابد من الوقوف بحزم ضد أي محاولة لفرض اللغة العربية على من لا يرغب.وفى نفس الوقت لا بد من هزيمة المفاهيم اللغوية الضيقة والتي تؤمن بنظرية النقاء اللغوي فتحول بين اللغة العربية وبين تمثل واستيعاب كل الألفاظ ذات القدرة التعبيرية العالية في لغات القوميات غير العربية. ومن البديهي هنا الإشارة إلى أن عدم إستيعاب هذا الواقع، وعدم التعامل معه وفق تدابير ملموسة، سيكرس من مفاهيم الاستعلاء العرقي.

بناء الدولة الوطنية

        أثار مشروع الوحدة العربية مناقشات طويلة وعميقة بين أوساط المثفقين العرب، خاصة بين مثقفي الاتجاهات القومية من جهة، والاتجاهات الماركسية من جهة ثانية. وظل الخلاف محتدما بين هذين الإتجاهين حول أولوية الوحدة بين البلدان العربية، أم بناء الدولة الوطنية وترسيخ الديمقراطية على الصعيد المحلي في كل قطر، ثم بعد ذلك التوجه لتحقيق الوحدة العربية. عموما، أعتقد أن الواقع فرض تراجع مشروع الوحدة العربية في سلم الأولويات، مقابل صعود مشروع بناء الدولة الوطنية الحديثة في كل بلد. وأعتقد أن من أهم التحديات التي تواجه المثقفين العرب، هي كيفية مساهمتهم في هذا المشروع، وتحديدا مساهمتهم في التصدي إلى جملة من التناقضات الملازمة للممارسة السياسية في بلداننا العربية، والتي تتضمن عددا من القضايا، منها، على سبيل المثال لا الحصر:

  • المواجهة بين الأحزاب والقوى المدنية من جهة، والقوات المسلحة من جهة أخرى.
  • ثلاثية السياسة – الدين – الطائفة/القبيلة، وما أفرزته من تناقضات مرتبطة بالممارسة الحزبية والبرلمانية. فالأحزاب والبرلمان مؤسسات سياسية حديثة باعتبارها نتاج الثورة الصناعية البرجوازية

في أوروبا، لكن جوهرها في بلداننا العربية مثقل بالطابع التقليدي المرتبط بالطائفة والقبيلة والعائلة.

  • التناقضات الناتجة من تهميش قوى مراكز الإنتاج الحديث في المدينة، وفى نفس الوقتتهميش قوى الهامش والأطراف، قوى مراكز التوتر القومي.
  • التصدي لكل هذه القضايا وغيرها، وفق مشروع وطني ينطلق من الإقرار بأن تطور الثورة الاجتماعية في بلداننا العربية مرتبط بترسيخ مضامين الديمقراطية السياسية التعددية، وسيادة مفاهيم المجتمع المدني الديمقراطي، وإرساء قواعد التنمية المتوازنة، وفق معادلة المشاركة العادلة في السلطة والثروة بين كل المكونات السياسية والقومية والجهوية في البلد. (نواصل)

د. الشفيع خضر سعيد

 المراجع: 

[1]عبد الغفار محمد أحمد، مشكلات التنوع الاثني والثقافي في السودان، مدارك، 2012، ص5.

 

المثقف والتغيير (8)https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-300x142.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتالتغيير  نواصل حديثنا حول التحديات التي تواجه المثقف العربي، والتي نقصد بها، كما أوضحنا في المقال السابق، تلك القضايا التي تشكل في مجموعها مجال الفعل والمساهة الملموسة بالنسبة لموقع المثقف ودوره في التغيير. وقد أشرنا إلى أن هذهالقضايا عديدة ومتشعبة، وأي منها يمكن أن يشكل مبحثا قائما بذاته، لكنا...صحيفة اخبارية سودانية