د. الشفيع خضر سعيد
د. الشفيع خضر سعيد

   قلنا أن التحديات التي تواجه المثقف تتمثل في تلك القضايا التي تشكل في مجموعها مجال الفعل والمساهة الملموسة بالنسبة لموقع المثقف ودوره في التغيير. وقلنا أيضا أن هذه القضايا عديدة ومتشعبة، وأي منها يمكن أن يشكل مبحثا قائما بذاته، لكنا قررنا تناول ما نعتقد أنه الأبرز والأهم من بين تلك القضايا. وكنا قد ناقشنا من قبل مبدأ إعادة النظر وإدارة التنوع وبناء الدولة الوطنية. نواصل اليوم مناقشة مجموعة أخرى من هذه القضايا/التحديات:

الإثنية والطبقية

أضحت النزاعات العرقية الدموية، والحروب المتفجرة هنا وهناك على أساس العامل الإثني، أضحتظاهرة واضحة وملموسة وسائدة في عالم اليوم، خاصة في إفريقيا وآسيا، وحتى في أوروبا التي لم تخلو من هذه الظاهرة، كما شاهدناها في الحروب الدموية المتفجرة عقب تفكك دولة يوغسلافيا، والتي وصلت حد التطهير العرقي والقتل على أساس الهوية والدين. وأعتقد لن يختلف معي أحد في التقرير بأن للمنطقة العربية نصيب وافر من تجليات هذه الظاهرة الكارثية والمأساوية. وفي الحقيقة، فإن النزاعات العرقية والإثنية تسببت في موت ملايين البشر،كما أدت إلى إندثار دول وتفكك أخرى، ونشوء دول جديدة. ومن زاوية أخرى، فقد أفرزت هذه الظاهرة، ظاهرة النزاعات العرقية والإثنية، أفرزت عددا من الظواهر الهامة الأخرى، وفي مقدمتها ظاهرة تراجع الأحزاب والتنظيمات السياسية في بلداننا إلى تنظيمات مرتبطة، بهذا القدر أو ذاك، بالإثنية والدفاع عن المجموعات العرقية.

أعتقد أن ظاهرة النزاعات الإثنية تمثل تحديا جديا أمام المثقفين، خاصة الماركسيين. وهي تحتاج إلى دراسة متأنية لا تختزل جوهر النزاع وكل المسألة في إطار التحليل الطبقي، ولكن أيضا دون إهماله في نفس الوقت. صحيح أن الإثنية تعكس حالة الإضطهاد القومي في حين تعبر الطبقية عن الإستغلال الإقتصادي والإجتماعي لهذه المجموعات، لكن تظل العلاقة بين الإثنين هي علاقة إرتباط جدلي. نقول ذلك دون أن نغفل أنه في كثير من الحالات، وخاصة في بلدان التوتر العرقي، كما في السودان، وفي سياق تاريخي محدد، يحتل العامل الإثني، لا الطبقي، بالنسبة للقوميات المقهورة والمضطهدة موقع الأولوية بالنسبة لسياسات التعبئة والتحالفات. وجدلية العلاقة بين الطبقية والإثنية، قد تدفعنا، وفق مبدأ إعادة النظر، إلى مراجعة مفاهيمنا حول الأمة والقومية، والتي تفترض تواجد الكيان السياسي الناضج والكيان الإقتصادي المتكامل كأساس للإعتراف بالقومية أوالأمة، في حين تعتبر المجموعات الإثنية، وإن تواجدت سياسيا، لاترقى إلى مستوى الأمة أوالقومية مادامت لاتشكل كيانا إقتصاديا متكاملا. عدم إدراك هذه النقطة من قبل النخب السياسية والثقافية في العديد من بلدان التوتر الإثني، أضعف من إرتباطهم بنضالات المجموعات الإثنية، بل أن الأخيرة تصنفهم ضمن تركيبة القومية الظالمة والممارسة للإضطهاد، رغم أنهم هم في الأصل غير ذلك. وفي الحقيقة، ظل مشروع بناء الأمة، بشكله الكلاسيكي يواجه الكثير من الازمات، وهو المشروع الذي يرتكز على الوحدة السياسية بين كافة الاثنيات والمجموعات القومية مع تأجيل المطالب “الصغيرة” لهذه الإثنيات حنى يتم دحر القوى الاستعمارية. والآن أصبح المثقف مواجه ببزل جهد مضاعف أقله الإنتصار لقضية النظام السياسي والدساتير والقوانين، والتي تعبر فعلا، لا قولا، عن واقع التنوع والتعدد والإعتراف بالآخر، بعيدا عن مفاهيم الأغلبية والأقليات.

المثقفون والعولمة

العولمة، كظاهرة موضوعية، تمثل تحديا رئيسا أمام المثقفين، بمختلف إتجاهاتهم. ولقد ظل العديد من المفكرين والمثقفين يحذر من التعامل الخاطئ مع العولمة، والذي يمكن أن يتم عن طريقتين، إما طريق الإستسلام للعولمة والهيمنة الرأسمالية بإعتبارها قدرا لا فكاك منه في صورته الراهنة، والدعوة إلى حتمية الاندماج أو التكيف الهيكلي معها دون تحفظ، ودون مراعاة للخصوصيات والهويات الثقافية والمصالح الوطنية. الطريق الثاني هو إنكار العولمة والإكتفاء بإدانتها، والاستعلاء الفكري عليها، والتمترس داخل الخصوصية الوطنية، أو التشرنق في كهف هوية سلفية مطلقة ونهائية مستغنية عن كل ما يتحقق في عصرنا الراهن من منجزات ومعارف علمية وتكنولوجية.وهذا الطريق يتعالي على الحوارات والصراعات الفكرية والثقافية في مواجهة هذه العولمة. ولقد ناقش المفكر محمود أمين العالم هذين الطريقين، وأستنتج إن كلاهما يفضيان إلى ما أسماه الانتحار الثقافي، أي الاستيعاب والتبعية والخروج من التاريخ.[1]

أعتقد أن دورالمثقف في مواجهة العولمة، يبدأ بتعميق البعد الثقافي لأي مشروع تنموي، وأي مشروع سياسي ديمقراطي ملازم له، في إتجاه الانفتاح العقلي والعلمي والنقدي والابداعي على تنوع حقائق وخبرات الواقع والعصر، وتنمية القدرة على إمتلاك مفاتيحها معرفيا وعلميا، وتطويعها لموائمة البيئة والإضافة إليها بحسب إحتياجاتنا وخبراتنا الخاصة، والتشديد على أن البعد الخاص، أو الوطني والقومي، لأي ثقافة أو مشروع للتغيير، لا نجاح له إلا بتكامله مع البعد الإنساني العام….، إذ لا سبيل إلى العزلة من العالم.ومن زاوية أخرى، أعتقد أن المثقف، وخاصة مثقف اليسار، مواجه بتحدي خاص، فرضته العولمة بكل تجلياتها، كما برز كنتيجةلتبلور السمات الجديدةللنظام العالمي.هذا الواقع الجديد ادى الى تأكل تدريجي لوسائلوادوات النضالالتقليدية حتى اصبحت هذه الوسائل والادواتالنضالية دون فاعلية، ومسؤولةعن تخلف قوى اليسار في التجديد والتكيف لشروط النضال الجديدة في الواقع الجديد المتغير موضوعيا. ومن هنا، فإن التحدي الذي يواجهه المثقف، مع زملائه الآخرين، هوبروز مهمة بناءادوات عمل جديدة متناسبة مع هذه المتغيرات، ادوات عمل غير الادوات التقليدية  القديمة، وأن ان لايكون العمل الحزبي، أو العمل السياسي المباشر، هو السبيل الوحيد في العمل النضالي.وفي هذا السياق تأتي فكرة التكامل بين القوى الحزبية والتنظيمات الأهلية المدنية الطوعيةالمستقلة. فهذه التنظيمات، ومن خلال نضالها ضد البطالة والفقر ومن أجل حقوق الانسان ورفع الوعي والقدرات وحقوق المرأة…الخ تساهم بشكل أو بآخر في عملية التغيير الاجتماعي. ومن هنا، فإن هذه التنظيمات لا تكون في مواجهة الاحزاب والقوى السياسية، وإنما في موازاتها وفي تكامل معها، بل وتشكل سندا لها.وبالطبع، فإن مجال عمل هذه التنظيمات ليس هو الفضاء السياسي، بل هوالارضية التي تسمح ببناء حياة سياسية صحية ومعافاة.

الحرية الفردية

        أعتقد أن من التحديات الأساسية التي تواجه المثقف هي قضية الحرية الفردية، بمعنى تأكيدها وترسيخهاكأساس لأي تحول ديمقراطي وتقدم إجتماعي. صحيح أن التغيير يستحيل بدون التعاون والتحالف والعمل الجماعي، لكن لا يستطيع أي شخص أن يقدم شيئا للمجموعة ويساهم معها في الفعل الإجتماعي، فعل التغيير، إذا لم يكن هذا الشخص فردا حرا، محترما كفرد، يشعر بكينونته المستقلة ويحس ويؤمن بأن وجوده الفردي وعمله الفردي المتناغم مع توجهات المجموعة سيكون له أثره الإيجابي في عمل المجموعة.إنالحرية الشخصية توفر للفرد مساحةخاصة يعبر فيها عن ذاتيته، فيستطيع أن يساهمفي العمل العامويضحي في سبيل المجموع دون اندون ان يلغي ذاته، ودونتضحيات غير ضرورية تشككه بجدوىهذا العمل. والحرية الفردية، وكذلك حرية الإختلاف دون تخوين أو “تكفير” للآخر، تشكل ضرورة قصوى للابداع الفكري، وتهيئ الأرضية الاجتماعية الثقافية للتصدي للمهام المجتمعية الكبرى ونجاهها.

(نواصل)

د. الشفيع خضر سعيد

+ المراجع:

[1]محمود أمين العالم، مصدر سابق، ص 70

المثقف والتغيير (9)https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-300x142.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتالتغيير   قلنا أن التحديات التي تواجه المثقف تتمثل في تلك القضايا التي تشكل في مجموعها مجال الفعل والمساهة الملموسة بالنسبة لموقع المثقف ودوره في التغيير. وقلنا أيضا أن هذه القضايا عديدة ومتشعبة، وأي منها يمكن أن يشكل مبحثا قائما بذاته، لكنا قررنا تناول ما نعتقد أنه الأبرز والأهم من...صحيفة اخبارية سودانية