(2)

د. الشفيع خضر سعيد
د. الشفيع خضر سعيد

ومن الروايات العالمية السياسية، وليس الأدبية، ما رشح في الإعلام، في العام 2010، حول زيارة باقة من نجوم هوليود، ممثلين سينمائيين، لمنطقة أبيي، وزيارة “باقة” من نجوم أعضاء مجلس الأمن الدولي، ممثلين سياسيين، للسودان الموحد آنذاك. تخيلت إنه عندما يعود وفد نجوم هوليود إلى بلاده، قد تكتب الصحف المعنية بأخبار النجوم هناك خبرا قصيرا تقول فيه: “رجع النجم السينمائي جورج كلوني وكوكبة من نجوم هوليود من زيارة إلى السودان، البلد الأفريقي الواقع جنوب الصحراء والذي تمزقه النزاعات والحروب والكوارث. إمتدت زيارة الوفد لعدة ساعات زار خلالها منطقة أبيي الغنية بالبترول والثروة الحيوانية، والتي تقطنها قبائل الدينكا والمسيرية في تعايش منذ زمن بعيد في التاريخ لكنه مهدد بالإنفجار المروع حال انفصال السودان إلى دولتين في 9 يناير 2011، وكإمتداد للنزاع المستمر بين شريكي الحكم في السودان، حزب المؤتمرالوطني الحاكم في شمال السودان وحزب الحركة الشعبية الحاكم في جنوبه”. وتخيلت أيضا أن جورج كلوني عقب رجوعه إلى هوليود سيغرد في حسابه على التويتر، مثلما سيسجل في مدونته (Blog) وتحت عنوان “زيارتنا إلى أبيي” أنه وقف على تلة ونظر في وجوه المارة متبينا عدد الاشجار والكلاب وكاشفا سر بدء المعارك في العالم الثالث، وكيف أوحى له كل ذلك بمشهد سيمائي جديد، ربما يبز مشاهد فيلم “فندق رواندا” من إخراج تيري جورج وبطولة دون شيدل، والذي جسد جانبا من أسواء سواءات البشر في مجازر رواندا! صحيح، زيارة النجم كولوني ربما ضاعفت من حبه وتمسكه بالمبادئ الانسانية، وربما حمسته ودفعته لحث وإقناع جهات كثيرة في الساحة الأمريكية على تقديم الدعم الإنساني لمنطقة أبيي، ولكن لم يكن واضحا وقع زيارة نجوم هوليود على سكان المنطقة المترقبين، في وجل وقلق، المعارك القادمة. هل هي كوقع احذية جندي في ميدان القتال، أم كوقع اقدام ناسك عارية من التيه؟ أم هي بلا وقع اصلا، حيث لم تدار حوارات عميقة بين النجوم وقيادات القبائل وشبابها حول مستقبل المنطقة؟.

وقبيل زيارة وفد مجلس الأمن الدولي للسودان، تلقت قوى المعارضة السودانية، في العام 2010، إتصالا من مكتب بعثة الأمم المتحدة في السودان ( (UNMISيدعوها، لإجتماع مع وفد مجلس الأمن الزائر للبلاد. ولكن، في وقت لاحق تعدلت الدعوة إلى مجرد حفل استقبال (Reception) بفندق السلام روتانا..! آنذاك، كان إنطباعي الأولي أن الزيارة الهوليودية وزيارة مجلس الأمن، مثلما تطابقتا في الزمان، تماثلتا في المحتوى. وكانتا، بالنسبة لي، أشبه بالزيارة الأخيرة للوقوف على الحد الفاصل بين الدولتين القادمتين بعد نتائج الإستفتاء في 9 يناير 2011. غشتني تلك الإنطباعات، وكان في ذهني بعض من أمل زائف يتوهم أن الزيارات الماكوكية بين الخرطوم وجوبا ونيويورك وواشنطن، ربما ستقلب طاولة التوقعات المتشائمة وتعلي من إمكانية تحقيق حلم الحفاظ على وحدة السودان. وكان في ذهني ايضا ما ذكره لي مسؤول القسم السياسي في مكتب الأمم المتحدة ( (UNMISفي لقاء رسمي معه مطلع العام 2010 من أن الأمم المتحدة تفكر في عقد ورعاية مؤتمر جامع للقوى السياسية السودانية يقدم حلولا ناجعة للأزمة السودانية بما يضمن الحفاظ على وحدة البلاد وحل قضية دارفور ومنع تجدد الحرب. لكن، كان واضحا أن نتائج تلك الزيارات الماكوكية، بما فيها الاجتماعات التي تمت في نيويورك وحضرها علي عثمان، نائب ريس الجمهورية آنذاك، وكذلك النتائج المتوقعة لزيارة مجلس الأمن للبلاد، حسب ما أشارت إليه مقدمات الزيارة في وقتها، تدعم استنتاجنا حول أن الخط العالمي الذي يرسم الأحداث السودانية ويحدد علاماتها المميزة، يتطابق مع خط حكومة الشريكين في الفترة الإنتقالية قبيل الإستفتاء، الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني، في إدارة قضايا الوطن المصيرية وفق أسلوب التعتيم المطبق، وتجاهل القوى السياسية السودانية الأخرى، وفي نفس الوقت التركيز على مصالح الشريكين النخبوية، إضافة إلى الإهتمام بالامور الشكلية. وكان واضحا، أن ذلك الخط لا ولن يلتقي مع خط البناء الحقيقي الذي يراعي احتياجات السودان، ويخطط لإجتماعات منتظمة لكل القوى السياسية تناقش فيها امكانية وحدة البلاد على اسس جديدة، وترتيب الأوضاع استعدادا لأي نتيجة ياتي بها الإستفتاء. فمستقبل السودان الموحد الآمن المستقر المزدهر، يبدأ من نقطة تتقاطع فيها كل الخطوط: الدولي، الحكومي، القوى السياسية خارج الحكومة، القوات المسلحة، الجيش الشعبي، القوات النظامية الأخرى، رجال الدين، منظمات المجتمع المدني، اتحادات الطلاب والشباب، القيادات القبلية والأهلية…..، إذ أنه في نقطة التقاطع هذه، والتي تجمع كل الأطراف المتنازعة وتقرب بينها، يبدأ رسم خط البناء الحقيقي للوطن.

أما الرواية الأخيرة في سلسلة الروايات السياسية العالمية هذه التي أود أن تشاركوني التمعن فيها، فهي عن تفاصيل أحداث جامعة زالنجي التي اندلعت في مطلع ديسمبر من العام 2010، عندما إعترضت مجموعة من طلاب الجامعة اللقاء الذي نظمته الحكومة في مبنى الجامعة بين وفد الوساطة المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، بقيادة الوسيط الدولي جبريل باسولي والوسيط القطري الأحمد بن عبد الله آل محمود، وممثلي المجتمع المدني المختارين من قبل الحكومة. تظاهر الطلاب سلميا ضد اللقاء، وأطلقوا هتافات معادية لمنبر الدوحة، كما سعول لتقديم مذكرة احتجاج لوفد الوساطة. قوات الشرطة والشرطة الشعبية، والتي كانت أصلا متواجدة بكثافة عالية محاصرة الجامعة، تصدت للمتظاهرين بكل عنف مطلقة الرصاص في الهواء، حسب رواية قيادة الشرطة، مما أدى لوفاة ثلاثة أشخاص، طالب في الجامعة وطالب ثانوي وتاجر، وجرح 6 من طلاب الجامعة و 3 من أفراد الشرطة الذين تعرضوا للرمي بالحجارة من الطلاب. سكان مدينة زالنجي حمَلوا الجهات الرسمية مسؤولية انفجار العنف، لإصرار هذه الجهات على تنظيم اللقاء في الجامعة المتوترة أجواؤها أصلا بسبب أن إدارتها حظرت النشاط السياسي فيها، وفي نفس الوقت  قيامها بإبعاد النازحين وآلية المجتمع المدني المعروفة لدى الوساطة ومنعهم من المشاركة في اللقاء، واستبدالهم بالطلاب وممثلي المجتمع المدني المواليين للحكومة. (انتهى). من الواضح أن زيارة وفد الوساطة الدولية لجامعة زالنجي لم تكن حدثا عاديا، بالنظر لمجهودات الوساطة في منبر الدوحة من لإختراق الأزمة في دارفور، وبالنظر لوجود مجموعات كبيرة تعترض على المنبر وتعتبر نفسها غير ممثلة فيه وغير معنية بنتائجه، وبالنظر لما رسخ في الذاكرة الشعبية بعد إنهيار اتفاق أبوجا من أن الحكومة تستهتر بهذا الانهيار وكأنها منذ البداية كانت تنظر إلى الاتفاق وكأنه مجرد حبر على ورق، وبالنظر لإستمرار العمليات العسكرية في دارفور. وفي الحقيقة، كيف كان من الممكن تنظيم مثل هذا اللقاء في ظل أجواء محتقنة أصلا، وتزيدها الحكومة إحتقانا بإصرارها على أن يستمع وفد الوساطة إلى أصوات من تريدهم هي، فتعمد على حشد الموالين لها فقط لحضور اللقاء واستبعاد الآخرين؟ إنه المنطق المعوج، منطق المناجاة الداخلية، منطق من يود أن يفاوض نفسه هو على حل يقترحه هو…! بإختصار إنه منطق من لا يريد حلا حقيقيا للأزمة. ولعله من البديهي القول بأن الحل الناجع لأي نزاع عبر الوساطة والتفاوض، يقوم على مثلث يمثل الطرفان المتنازعان ضلعين منه، والضلع الثالث يمثله الوسيط المقبول لحل النزاع. ولكن جاء تصرف حكومة المؤتمر الوطني في أحداث جامعة زالنجي، كأنها تريد إبتداع حساب مثلثات خاص بها لحل الأزمة. فهي تمثل نفسها والوساطة الدولية كضلعين في المثلث، بينما تستعيض عن الضلع الثالث، شعب دارفور، بضلع وهمي، مكون من أجهزة الأمن والشرطة وعدد من المؤلفة قلوبهم وخلصائها. وبالطبع ما كان من الممكن أن يتجسد ذاك المثلث حقيقة، لأن ضلعه الثالث وهمي، إذ هو مجرد ظل لضلع الحكومة. (نواصل)

د. الشفيع خضر سعيد

السودان والمجتمع الدولي"لا يمكن حل قضية شعب من خارجه وبالإنابة عنه"https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-300x142.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتالأزمة السياسية في السودان(2) ومن الروايات العالمية السياسية، وليس الأدبية، ما رشح في الإعلام، في العام 2010، حول زيارة باقة من نجوم هوليود، ممثلين سينمائيين، لمنطقة أبيي، وزيارة 'باقة' من نجوم أعضاء مجلس الأمن الدولي، ممثلين سياسيين، للسودان الموحد آنذاك. تخيلت إنه عندما يعود وفد نجوم هوليود إلى بلاده، قد تكتب الصحف المعنية...صحيفة اخبارية سودانية