الحوار الذي دار بالأمس في البرلمان حول قضية شركة الأقطان يجعل هذه القضية بكل تداعياتها مرشحة لأن تكون قضية العصر، ففيها كل العناصر التي تؤهلها لهذا المسمى؛ فهي قضية شركة وثيقة الصلة بمشروع قومي يعاني من الانهيار وتعرض إلى نهب ممنهج رصدته لجان رسمية عديدة تشكلت لرصد أسباب انهيار مشروع الجزيرة، والمحصول الذي تتاجر فيه هذه الشركة هو أموال آلاف المزارعين وأي عبث بتلك الأموال هو عبث بأموالهم.

وهي قضية اكتشفتها أجهزة السلطة، وحسب تقرير الوزير في البرلمان حاولت جهات نافذة أن تنحرف بمسارها العدلي وإخراجها من دائرة الفعل الجنائي إلى ساحة التحكيم التجاري دون شبهة جنائية، فهي بهذا المسار تنطوي على تيارات داخل السلطة ذات توجهات مختلفة.

وإذا كانت وزارة العدل قد انتصرت للمسار العدلي بتقديم القضية للمحاكم رافضة الرضوخ لضغوط الجهات التي تريد أن تحولها إلى نزاع تجاري خاضع للتحكيم، فإن (التحكيم) انتصر على وزارة العدل في الجولة اللاحقة وانعقدت هيئته وأصدرت قرارها وأصبح الآن قدر وزارة العدل أن تلجأ للمحاكم لكي توقف قرار التحكيم الذي يصادر المزيد من أموال الشركة لصالح شركة أخرى، وربما كسبت وزارة العدل تلك الجولة أو فقدتها.

الوزير كشف الحقائق المتوفرة لدى وزارته. بيان الوزير قال (الحق) لكنه لم يقل(كل الحق) المطلوب تماماً في مثل هذه الشهادة الهامة. الناس يريدون أن يعرفوا تحديداً ما هي الجهات التي(ضغطت) على وزير العدل أو على وزارة العدل لتغير مسار القضية من المحكمة الجنائية إلى التحكيم التجاري؟ وما هو موقع تلك الجماعات والسلطة التي تعتمد عليها وتمنحها الحق في محاولة الانحراف بسير العدالة؟. فما دام الوزير قد كشف عن الضغوط فهو مطالب بإزاحة الستار عن(الضاغطين) حتى تكتمل الصورة.

وإذا كان الوزير قد رفض الضغوط وأصر على موقفه الصحيح فهل عمَّم الرسالة لوزارته بحيث يعرف كل من يقتضي الوضع أن يعرف أن الوزارة ترفض التحكيم، وأن المسار الجنائي يجب أن يكتمل أولاً بصدور الأحكام؟. نسأل ذلك لأنه لو كان معروفاً لأركان وزارته إصرار الوزارة على عدم التحكيم فيصبح السؤال: كيف جاز لمستشار الوزارة أن يقبل التحكيم عندما عرض عليه؟.

وإذا لم يكن يعلم فلماذا تم تجاهله ولم يُخطر بسياسة الوزارة وهو المسؤول في الوزارة عن أمر هذه الشركة؟.

نحن ندرك أن تفاصيل القضية أمام المحكمة ولا ينبغي أن نخوض فيها ما دامت قيد التقاضي، ولكننا نتحدث عن التداعيات التي يقود إليها حديث الوزير وهي أحداث خارج إطار الوقائع المعروضة على المحكمة لكنها ترسم صورة عامة لإدارة الشأن العام في هذه البلاد في هذه المرحلة، وستظل هذه القضية بتداعياتها الراهنة وبما ينكشف حولها مستقبلاً تشكل معلماً هاماً لإدارة الأمور في السودان على منهج الاعتماد على أهل الثقة ورفع مبدأ المحاسبة والمساءلة الدائمة إلى أن تنفجر الأحداث مرة واحدة.

الذين يريدون أن ينسبوا هذه التطورات (لنظرية المؤامرة) أو أن الغرض منها هو(الكيد للحكومة) إنما يصيدون في ماء عكر، فهذه قضية كشف خباياها جهاز الأمن الاقتصادي الحكومي وحققت فيها وزارات الداخلية والأمن والعدل والمراجع العام وليس هؤلاء هم من (يكيد) للنظام. والذين يعتمدون على نظرية المؤامرة لكي يبرئوا ساحتهم لن يتحقق لهم ذلك، فلنترك القضية تأخذ مسارها القانوني دون تدخل، ولنترك حتى قضية (التحكيم) تأخذ دورتها في المحاكم فكل المعلومات سترد هناك كاملة وسيتابعها الناس بشغف لأنها ستقف شاهداً على العصر برموزه وبسياساته وبمؤسساته.

محجوب محمد صالح

القضية.. الشاهد على العصر!https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-300x156.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتالفسادالحوار الذي دار بالأمس في البرلمان حول قضية شركة الأقطان يجعل هذه القضية بكل تداعياتها مرشحة لأن تكون قضية العصر، ففيها كل العناصر التي تؤهلها لهذا المسمى؛ فهي قضية شركة وثيقة الصلة بمشروع قومي يعاني من الانهيار وتعرض إلى نهب ممنهج رصدته لجان رسمية عديدة تشكلت لرصد أسباب انهيار...صحيفة اخبارية سودانية