السودان بلد فتي يتداول شأنه السياسي ساسة كبار مرهقون، وحين جدّ أمر بناء نظام سياسي راسخ عبر الحوار، لم يجد سوى ساسة وزعماء في الثمانينيات من اعمارهم، هم الذين يتبادلون الحوار. فجيل الزعماء السياسيين الحاليين نال مكانة مرموقة إبان السنوات الخمسين الماضية، ولا يزال عدد منهم في السلطة السياسية للبلاد؛ الحاكمة منها والمعارضة. ويقول السياسي الشاب مالك أبو الحسن، بأسف، إن منظومة الشباب غائبة حتى من الحوار الشامل الذي دعت لها الحكومة مؤخرا.

من بين الكبار الذين يقودون العملية السياسية رئيس الجمهورية المشير عمر البشير (70 عاما)، وهو أصغرهم، لكنه أكثر من حكم السودان بعد الملك بعانخي الذي حكم لمدة 35 عاما إلى أن مات في سنة 715 ق م. ويقترب البشير الآن من نهاية فترته الرئاسية، وليس من المرجح أن يسعى إلى الفوز بفترة رئاسية جديدة، حتى وإن كان ذلك لأسباب صحية لم يكشف عنها.

وسبق للرئيس البشير أن أكد في السنة الماضية عدم نيته الترشح للرئاسة مجدداً، وهو بمنأى، حتى الآن على الأقل، من تأثير الثورات التي أطاحت رؤساء كل من تونس ومصر وليبيا واليمن.

إلى جانب البشير، يترأس عدد من الكبار أحزابا سياسية متحالفة أو معارضة، وهم الذين تتبعهم عناوين الصحف وكاميرات التلفزة باستمرار. ولا يرى المراقبون أن الوقت مناسب لمغادرة الكبار من تلقاء أنفسهم، ويشيرون إلى أن غالبية قادة الأحزاب عاشوا مطاردين من أنظمة عسكرية ديكتاتورية، ويحسون أن الفرصة لم تمنح لهم في الحكم، لذلك ينتظرونها.

وحسب آخر إحصاء؛ فإن أكثر من 70 بالمائة من سكان السودان البالغ عددهم 32 مليون نسمة، تقل أعمارهم عن 30 عاما. وغالبية هؤلاء يعانون من البطالة، وليست لهم فرص في عملية الترقي السياسي، وأصبح الكثيرون منهم يضيقون ذرعا بسيطرة الكبار على مفاصل البلد السياسية. وذكر آخر تقرير صادر عن وزارة العمل أن تعداد السكان أظهر تزايداً في البطالة بلغت نسبته 15.9% فيما بلغت حجم القوى العاملة 48.5%.

قال شاب فضَّل حجب اسمه وهو ينتمي لحزب المؤتمر الوطني “قلت للرئيس البشير: حينما جئت أنت إلى الرئاسة، شهدتُ بداية فترة رئاستك وأنا طفل، والآن لدي طفلة هي الأخرى شهدت 3 سنوات من فترة رئاستك حتى الآن”.

ووفَر الدكتور غازي صلاح الدين؛ وهو رئيس حركة الإصلاح الآن، أرضية صلبة للشباب ليقولوا ما يقولون. ويقود غازي هذه الأيام حواراً سياسيا عاصفا لبناء تكتل إسلامي ليبرالي يحترم قدرات الشباب.

 يقول غازي في مقال مسهب: “إن تجديد القيادة السياسية يجب أن يستهدف إجراء أكبر عملية تنقية وتنخيل من بين مواهب الأمة، ممن يملكون مقومات القيادة، خاصة بين أجيالها الصاعدة”. واختيار القائد، لدى غازي، لا يعني اختياراً لشخص واحد، ولكنه اختيار لأجيال وكفاءات وخبرات عدة، واختيار لرؤى وليدة واختبار لأفكار ناشئة، تجدِّد الحياة في أوصال المجتمع المتيبسة ونظام حكمه المرهق.

خاض الشاب مالك أبو الحسن في حزب المؤتمر السوداني نقاشا مستفيضا ومطولاً بشأن الشباب داخل حزبه، أوصل نسبة مشاركة الشباب في قيادة الحزب إلى 80 بالمائة بدلاً عن 40 بالمائة خلال السنوات التسعة الماضية. ويقول أبو الحسن، وهو الآن نائب الأمين العام، لـ(الطريق) إن الصراع بين الشباب والكبار يبدو واضحا داخل الأحزاب القديمة والحديثة.

ويقول الناشط السياسي محمد سليمان (35) عاماً: “كل القيادات السياسية الفاعلة على المسرح السياسي موجودة منذ سنوات الاستقلال، ورغم تغير قضايا البلاد، لاختلاف الحقب، ظلت القيادات السياسية هي نفسها، وهي غير مستعدة للترجل من المشهد إلا بالموت والرحيل عن الحياة”.

وبالفعل، دق الموت على أبواب القيادات السياسية في السودان حيث توفي السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني محمد إبراهيم نقد عن (82) سنة في العام قبل الماضي.

ومثل موت نقد بادئة لصراع الأجيال داخل الحزب الشيوعي. بالطبع لم ينتصر فيه الشباب الذين رشح غالبيتهم عضو اللجنة المركزية؛ الخمسيني؛ د. الشفيع خضر، وهو طبيب أنهى دراسته في العام 1980م. فجاء محمد مختار الخطيب (70) عاماً، سكرتيراً للحزب الشيوعي. وحتى الآن، ربما جمد الصراع إلى حين قيام المؤتمر العام السادس للحزب.

وتعد الطوائف الدينية ذات النزعة الصوفية هي المرجعية الغالبة في الحياة الحزبية والسياسية، وهو ما يمكن أن يفسر تطاول سنين الزعامة التي لا ينهيها إلا الموت عند الجماعات الدينية.

إذ يترأس الإمام الصادق المهدي (79) عاماً حزب الأمة القومي، منذ نحو أربعة عقود، ويحرص دائما أن يبدو شابا نشطا. ويجمع إلى جانب رئاسة الحزب إمامة طائفة الأنصار الدينية، حتى ضاق به ابن عمه مبارك الفاضل ذرعا، فخرج ليؤسس حزبه الخاص، وتبعته مجموعات أخرى وأسست أحزاباً منفصلة.

وقد ألف المهدي مؤخراً كتاب “أيها الجيل”، أراد أن يقول فيه إن الشباب “يعيشون حالة يرثى لها لأسباب كثيرة…. ويُملأ فراغهم بالغلو لتغيير الواقع… ويقعون تحت رحمة خطب وعظية لا عقل لها”. لكن كلام الإمام يظل في نظر الكثيرين من الشباب جزء من الحديث النظري التجريدي حول الشباب.

وفي ضفة الطائفة الختمية، يترأس السبعيني؛ محمد عثمان علي الميرغني، الحزب الاتحادي الديمقراطي. وكان الميرغني قد خلف والده علي الميرغني في وراثة الحزب والطائفة الختمية التي تعتبر مرجعية الحزب منذ العام 1968م، ويتهمه عدد من قيادات حزبه بتعطيل قيام المؤتمر العام للحزب المقرر انعقاده منذ العام الماضي، وذلك لتكريس زعامته.

وانشقت عن الميرغني خلال العقدين الماضيين؛ مثله مثل الصادق المهدي؛ عدة تيارات، كانت تحتج على هيمنته على أداء الحزب.

وفي بداية الستينيات؛ نشأ التيار السياسي الإسلامي غير الطائفي المستند على الصفوة الإسلامية، ويقوده د. حسن الترابي(82) سنة، ومثل هو الآخر وجهاً من وجوه العجائز الطامعين في الاستئثار بالقيادة السياسية والدينية. ويعتبر أتباع الترابي أنه “أعلم من مشى على وجه الأرض”.

وتبدو ظاهرة تشبث الكبار بالحكم قضية ماثلة، وعابرة للأجيال؛ فزعماء السياسة السودانيين ما زالوا يتمسكون ويحلمون بالقيادة في الحاضر والمستقبل، غير مبالين بأجيال الشباب التي تصفهم بأنهم متكلسون وجامدون. لكن، واقع الحال يقول إن أيا من هؤلاء الساسة لو كان رئيسا لشركة لصرف من منصبه بكل احترام وتقدير. لكن الميرغني والمهدي والترابي أكبر من ذلك.

وأعطت موجة من الاضطرابات والاحتجاجات بسبب غلاء المعيشة في سيتمبر 2013م انطباعا قصيرا بأن البلاد ربما تمر بانتفاضة مثل تلك التي اندلعت في مناطق كثيرة من العالم العربي، لكن ثقة الشباب في السياسيين المعارضين باتت قليلة.

تقول الناشطة السياسية رؤى عبد الله، وهذا هو اسمها المستعار “نخشى أن نثور لصالح العواجيز.. ولا يبدو أننا سننعتق منهم قريباً… لقد بني مجتمعنا على أن المرجعية في الأشياء للكبير في السن، وهذه تربية سودانية عقيمة سجنتنا في عهد الستينيات”.

ويتساءل الناشط سليمان: “هل هناك دولة في العالم حكمها شخص كرئيس في الستينيات وما زال يطمع في حكمها. هذا لايحدث إلا في السودان”. ويضيف: “إن وجود هذه القيادات يسبب انسداد في شرايين العمل السياسي ليصبح غير مقنع للجيل الحالي”.

وينادي أبو الحسن بضرورة اشراك الشباب في العملية السياسية، أسوة بحالة مصر التي ضمنت ذلك في الدستور، بينما يقول ناشط آخر “لسنا بحاجة إلى أشخاص، كل ما يميزهم أنهم كبار”.

الخرطوم

من:  ي ح 

https://i1.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/اعممامك.jpg?fit=300%2C214&ssl=1https://i1.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/اعممامك.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقتقاريرالأزمة السياسية في السودانالسودان بلد فتي يتداول شأنه السياسي ساسة كبار مرهقون، وحين جدّ أمر بناء نظام سياسي راسخ عبر الحوار، لم يجد سوى ساسة وزعماء في الثمانينيات من اعمارهم، هم الذين يتبادلون الحوار. فجيل الزعماء السياسيين الحاليين نال مكانة مرموقة إبان السنوات الخمسين الماضية، ولا يزال عدد منهم في السلطة السياسية...اخبار السودان , صحيفة الطريق السودانية