إختطاف د.ساندرا كدودة وملاحقتها عبر نيابة أمن الدولة بتهمة إشانة سمعة الجهاز
تأكيد جديد علي فساد نظام العدالة في السودان

عندما يختفي شخص في أي مكان في العالم يشعر الناس بقلق علي حياته، وأول تصرف يقوم به المواطن في الدول المتمدينة هو إبلاغ الجهات المختصة. ما عدا نحن السودانيين نتصل فوراً بصديق لأنقاذنا من قسوة الجهات المختصة نفسها. عندما إختفت الطفلة مادلين ماكن في 2007 وهي تقضي إجازة الصيف مع والديها البريطانيين في دولة البرتغال، أبلغ والديها البوليس البرتغالي لنجدتهما. لأنهما لم يعيشاء في كنف مثل هذه الأنظمة التي نكابدها نحن السودانيين، لكن أول ما قام به البوليس البرتغالي هو توجيه الأتهام لهما. قالت وزارة الداخلية البريطانية في عام 2013 أن مراجعة القضية في العاميين الماضيين فقط كلف مبلغ 5 مليون جنيه إسترليني، إلا أنهم لم يتسرب اليهم اليأس بعد في أن مادلين مازالت علي قيد الحياة، وأصدرت تصديقاً بميزانية جديدة لمواصلة البحث عن مادلين، مؤكدين عزمهم أيضا علي توفير كل الموارد والمعدات للبوليس البرتغالي لمساعدتهم في البحث، ونشرت بهذه المناسبة صوراً لمادلين تتضمن تصورا لتغير ملامحها بسبب العمر لتسهيل مهمة الكافة في التعرف عليها. وقد ذكرت أنه بمراجعة التحقيقات التي تمت في السنوات الماضية وجدت أن هناك 195 خيط سيتم متابعته للوصول الي مادلين. وما يعنينا في هذا الأمر وهو أسفهم بأن البوليس البرتغالي قد أضاع أهم الساعات حيوية في الوصول الي مادلين، وهي الأربعة وعشرين ساعة الأولي بعد إختفاءها حيث تعتبر هذه المدة عنصراً حاسما في التحري عن فقدان أي شخص. وذلك عندما إهتم البوليس البرتغالي بإتهام والديها، ولم يقم بتحريز موقع الجريمة قبل وقت كاف، ولم يتم إغلاق الشوارع، ولم يتم إخطار سلطات الحدود، ولم يضع الإنتربول تنبيها بفقدان شخص علي المستوي العالمي إلا بعد خمسة أيام، مما جعلنا نكابد حتي الآن لسد ثقرات هذه الأربعة وعشرين ساعة.
ما حدث للدكتورة ساندرا كدودة أمر يجب أن نتوقف عنده مراراً، ليس لأنه حدث غريب علي العصر الذي نحيا فيه تحت قهر دولة الإسلام السياسي في السودان، وإصرارهم علي إجراء انتخابات يديرونها علي طريقتهم المعهودة، ويتمسكون بضرورة إجرائها وكأنهم لم ينقلبوا علي نظام ديمقراطي منتخب. بل تأتي أهمية هذه الحادثة في أنها تمثل آخر تجليات لهاث الإسلامين نحو السطة لخمس سنوات أخر، تضاف الي ربع قرن من العسف، أضيع فيه مستقبل أجيال وأحلامهم في أن يعيشوا في وطن خيير ديمقراطي ومتسامح. فساندرا لم تكن الأولي ولن تكون المواطن السوداني الأخير الذي يعود من براثن الموت، فقد قتل علي هذه الطريقة طالب كلية التربية علي موسي أدريس الذي مازال نحيب والده يرن في آذاننا وهو يستصرخ العدالة، في أي عصد نحن. فبعد إستفراد عمر البشير بالسلطة محفوفا بحاشية من عديمي البصر والبصيرة، تمكنت منه نفسية الدكتاتور، فهو في سعية لإستدامة مقعده علي سدة الحكم لا مانع لديه في أن يبيد شعبه، وتكون نتيجة إمساكة بكل السلطات أن تصبح الدولة مسرحا لللا معقول. وفي هذا المسرح لا يري الناس في سعيهم اليومي أمراً يتوافق مع وعيهم بأنهم مازالو في وطنهم الذي عرفوه سوي شروق الشمس وغروبها. فالقاضي يعمل في جهاز الأمن ولا يصدر الأحكام إلا بعد أن يقال له عبر الهاتف ” مبروك شغلك نضيف سعادتك ” ولم لا فالقضاة الذين يتوخون العدل والوجدان السليم في أحكامهم يعفون عن ذلك، فلا ينبري لهذه المهزلة إلا من إنتمي للإسلاميين ليبصم بإسم السلطة القضائية علي المظالم، ويجعل من نفسه خرقة يمسح بها النظام أدرانه ” وكله شيء لله ” . وفي سبيل إسكات المنادين بالعدل والحرية تنشأ الأجهزة القمعية وتمنح الحصانات المطلقة وتوظف كل موارد الدولة لقهر المدنيين العزل، فينبري لهذه الخدمة من لم يتبقي فيه من آدميته سوي الجثة، فيمضي إلي مهامة مفتوناً بما منح من سلطات يوظفها لتطبيب أمراضة ونواقصه الشخصية قبل أن يفكر في خدمة ولي نعمته.
أن الطريقة التي أختطفت بها ساندرا تأتي كإفتتاح أولي للخمس أعوام المقبلة التي بشر بها النظام مواطنيه، فقد تم إختطاف الدكتورة سانرا في يوم 12 أبريل وهي في طريقها الي حضور الحشد المقام بدار حزب الأمة لتدشين العمل من أجل مقاطعة الإنتخابات التي ستبدأ عملية الإقتراع فيها في اليوم التالي 13 أبريل. وقد أرسل جهاز الأمن مجموعة من الرجال لإيقاف سيارتها في الطريق العام بقصد إختطافها، وليس إعتقالها. فجهاز الأمن يمكن أن يعتقل أي شخص من أي مكان يشاء دون أمر ودونما حاجة لإخطاره، لكنه وعلي الرغم من ذلك يسعي لرسم خارطة جريمة كاملة بإختطافها من الشارع، فإن ماتت تحت ضربات الجلادين الغلاظ وآلة التعذيب، فهم أبرياء، هكذا يصور لهم خيالهم المريض، مدفوعين بجبن يلازمهم ويحيلهم رغم تسخير كل إمكانيات الدولة وقوانينها لصالحهم، يحيلهم ذلك الرعب الي جبناء رعديدين، لا يقدمون علي تنفيذ جرائمهم إلا بعد التأكد من أن الضحية قد فارقت حدود الغوث. حينها تظهر شجاعتهم وغلظتهم. فالطريقة التي يعمل بها جهاز الأمن هي تطبيق عملي لما يقوم به المجرمين العادين، فالمجرم يسعي قبل الاقدام علي جريمته إلى مسح آثارها وكل القرائن والادلة. وإذا كان هذا هو نهج المجرمين وأسلوبهم، فلماذا يقوم موظف الدولة بأخفاء آثار ما يقوم به من عمل رسمي يتقاضي مقابلة الأجر؟
ففي اللحظة التي أوقفوا فيها سيارتها وجدوا أنها قد تمكنت من إجراء مكالمة من هاتفها النقال وبذلك إستطاعت أن تكسر الحلقة الأولي من خطتهم، بحيث يأخذونها من الطريق العام، فلا تكتشف أسرتها أمر إختفاءها إلا بعد فوات الأوان، أقول ذلك لأن هذه المكالمة التي سمع فيها محدثها وهي في الطرف الآخر تقول لهم بأنها لا تكتفي بأنهم في جهاز الأمن بل عليهم أن يبرزوا هوياتهم، كانت واقعة كافية لإثبات أنهم أعضاء في جهاز الأمن. ذلك لأننا في السودان لا نعرف جهاز الأمن إلا من خلال السيارات التي تسير في الشارع العام بلا لوحات، ونعرف رجال الأمن ليس بزيهم الرسمي بل بنبرتهم وصلفهم، فهم لا يبرزون هوية ولا يشهرون أمراً مكتوبا من أي جهة مختصة حينما يقتحمون علي الناس منازلهم ويتفحصون أخص خصوصياتهم. وقد عرفنا جهاز الأمن منذ أول مارش عسكري بأنه هو من يمارس طريقة معلومة لدينا في تسور المنازل، كان قد سبقهم إلى هذي الوسيلة الصوص الليلين، وهم يتسلقون الأسوار ليسرقوا ما تيسر والناس نيام، فبارك جهاز أمن الإسلاميين ذلك الأسلوب في قضاء حوائج دولة الإسلام، وربما قال لهم شيخهم ” طالما كان ذلك لخدمة دولة الإسلام، فيجوز للمسلم أن يفعل ما يقوم به اللصوص” وأقول ان هذا ما يفعله الإسلاميين لأن عمر البشير لم ينشيء هذه الأجهزة وأساليب عملها بعد المفاصلة مع الترابي، بل تم إنشاءها منذ أول يوم لإغتصابهم السلطة. فقد عرفنا قبل المفاصلة أن جهاز الأمن وهو يقيم المواقع السرية ” بيوت الأشباح” ليمارس فيها والقتل والإغتصاب والتعذيب. فالملايين من أبناء الشعب السوداني قد مكثوا شهوراً وسنياً في هذه البيوت، وخرجوا منها دون أن يستطيع أحد من ذويهم أن يعلم أين أذلو وأستبيحت كرامتهم، ولم يكن لأي منهم مستند يثبت أنه كان معتقلا وأنه قد ذاق الأمرين علي يد جلاديه. ولم نسمع أن قاضياً واحداً قد إستأنس في نفسه الشجاعة وهو يطلب حسب ما يخوله له القانون أن يدخل إلى أي مكان يعتقد أن جريمة ترتكب بداخله، ولم نسمع أن هنالك قاضياً أو مسؤولاً في زمن الإنقاذ قد وجد الشجاعة ليستمع إلى شكوي ناج من التعذيب. ولكنا رأينا القضاة وهم يبتهجون لرؤية الجلاد وهو يلهب جسد إمرأة مستضعفة وهي تستنجد من وقع السياط. وقد إستمر الإسلاميين إلى يومنا هذا ينكرون أن أحدا من هذه الرعية قد تعرض للتعذيب. وليس لدينا أي دليل مكتوب ولا تقرير من طبيب. فهل فعلاً لم يتعرض أبناء هذا الشعب للتعذيب والإغتصاب والإغتيال علي يد جهاز أمن الإسلامين؟ من حقهم أن ينكروا هذه الجرائم البشعة، لكن هل يشك أحد منا بأننا قد تعذبنا وذقنا الأمرين؟ وهل أفادهم إنكارهم؟. فمثل هذا الإنكار يعرف في مجال القانون بأنه إنكار يكذبه واقع الحال، فهو إنكار لا يعتد به لأنه لا يقدم بينة لإثبات أو نفي الوقائع في شقها الآخر، لذلك فلا يؤخذ به حتي وإن جاء من قبل المقر علي نفسه طالما كذب واقع الحال فحوى إقراره، فهل يعلمون؟
ولأن الإسلاميين قد مكثوا في هذه الأرض لربع قرن ونيف، فقد محيت ذاكرة أجيال بأكملها وشب آخرون وإنفتحت أعينهم علي عسف هذا النظام، هذا الأمر جدير بأن يغيب القدرة علي مجرد التفكير في أن العدالة لا تجري علي غير هذا النحو في أي مكان في العالم. ولكن للتأكيد علي أن ما يفعله الإسلامين لا يحتاج الي كبير عناء لوصمه بالبلطجة، فقد قضت اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب مؤخرا في شكوي تقدم بها مدافعون سودانيون عن حقوق الانسان ضد حكومة السودان، برفض الحجج التي ساقتها الحكومة والتي تمثلت في أن مقدمي الشكوي لم يستنفذوا طرق التظلم الداخلية ضد جهاز الأمن قبل اللجوء الي اللجنة الأفريقية، وقالت اللجنة بأن الحكومة لا يمكن أن تطالب مواطنيها الذين يتعرضون للإنتهاكات من قبل جهاز الأمن أن يتظلموا أمام القضاء السوداني طالما أن جهاز الأمن يعتقل المواطنين دون أمر صادر من جهة عدلية، ويجوز له أن يبقيهم في الحجز بعيداً عن أنظار العالم الخارجي لما يزيد علي الأربعة أشهر دون أن توجه لهم تهمة، ودون أن تفحص جهة قضائية أسباب إعتقالهم، وطالما أن جهاز الأمن لا يسمح لهم بمقابلة محاميهم وذويهم ولا يسمح لهم بمقابلة طبيب مستقل. وقد أرست هذه الإدانة سابقة ضد جهاز الأمن بأن المتظلم ضده لدي اللجنة الأفريقية لا يجتاج إلى مستندات ولا مقاضاة أمام أجهزة العدالة السودانية، طالما أن الدولة لم توفر آليات فعالة ومنصفة للتظلم.
كما تأتي أهمية هذا الحكم مقترنة مع ما ذكرناه سابقا عن مسؤلية الدولة عن سلامة مواطنيها، فمن ثوابت القانون الدولي لحقوق الإنسان وتوصيات لجان الأمم المتحدة، أن الدولة وحدها هي المسؤولة عن حماية مواطنيها، ولا يمكن لها أن تنفي مسؤوليتها إلا بملاحقة الجناة وإنقاذ الضحية إو تقديم تقريراً مقبولاً قانوناً عن أن تحقيقا مستقلاً عادلاً شاملاً قد تم في الأمر.
فبعد أن إفتضح أمر إختطاف دكتورة ساندرا بعد أقل من دقيقة من إختطافها عبر تلك المكالمة، وجدوا أنهم قد تورطوا في منتصف خطتهم، وقد كان إحتشاد المعارضين فرصة لينتقل الخبر والغبن معاً، وهم مقبلون غدا علي إنتخاباتهم. فما كان لهم إلا أن يستمروا في كذبتهم تلك، حينما ذهبت أسرتها الي مكتب إستعلامات جهاز الأمن في شارع المطار، يستفسرون عن جهة إعتقالها، وتمادياً في الكذب أعطوهم فورم ليقدموا فيه إستفساراً عن إعتقالها لديهم. فهم محقين في ذلك، فاذا كانت عصاباتهم تنفذ هذه الجرائم كيفما إتفق ودونما رقيب، فكيف يتثني لهم أن يدركوا أنهم قد إعتقلوا فلاناً أو عذبوا من. فالأمر حسب إفادتهم يحتاج إلى ثلاث أيام بلياليها حتي يدركوا ما إذا كانوا قد إختطفوها، لكثرة ما يغترفون من جرائم في اليوم الواحد.
وبعد ثلاث أيام من الإختطاف قضتها ساندرا تحت وابل الضرب والشتائم حتي تسببوا في خلع كتفها. وقد أجلسوها علي كرسي طوال تلك الأيام. أدركوا أن الأمر قد إفتضح وقد دون إسمها مفقودة أيضا لدي قسم البوليس وتناقلت الخبر الإذاعات العالمية وتصدر نشرات الأخبار وقد أخطرت كل الجهات المعنية بحقوق الإنسان في العالم. فما كان منهم إلا أن أخذوها إلى ناحية الجريف والقوا بها في الشارع العام جثة هامدة، لربما لا يزال في هذه البلاد من يصدق أن الجن الأحمر قد إختطف ساندرا كدودة لمدة ثلاث أيام ثم ألقي بها في الطريق العام. فجهاز الأمن يعرف بأفعاله وسمعته القذرة التي أرساها خلال الست وعشرين عاماً الماضية.
وقد مرت الثلاث أيام التي قالوا أنهم بعدها يمكن أن يقدموا إفادة عن إعتقالها وظنوا أن الأمر قد إنتهي علي ذلك، لكنهم فوجئوا بوالدتها تأتي برفقة دكتور جلال يوسف لمتابعة طلبها المشروع عما إذا كان جهاز الأمن هو من قام باختطافها؟ وكان عليهم أن يجيبوا بالإيجاب أو النفي، غض النظر عن أنها الآن قد عادت الي أسرتها. فالسؤال مازال قائما حسب الفورم الذي ذكروا أنهم سيتمكنوا بموجبه من الإجابة. ولكنهم للمرة الثانية واصلوا في كذبتهم حينما أنكروا. لاحظ كل ما فعلوه حتي الآن إذا تغاضينا جدلاً عن جريرتهم، هو مجرد الإنكار، فإذا كانوا فعلا بريئين من هذه الجريمة، فعليهم أن يبحثوا عن جهة إختطافها والكشف عن الجناة. فالدولة التي تحترم كرامة وحياة مواطنيها تسخر كل إمكانياتها لحمايتهم. وقد رأينا كيف اإستنفرت السلطات البريطانية كل أجهزتها عندما إختفت ألكس ذات الأربعة عشر ربيعا في شوارع لندن، وعلي الرغم من أن النتيجة كانت أنها قد أغتيلت، ألا أنهم قد تمكنوا من إخراج جثتها من حفرة داخل النهر وقد لفت جثتها بطبقات من البلاستيك وقد تمكنت فرق التحقيق من كشف الأدلة المؤدية إلى الجاني ومحاصرته إلي أن وجد منتحراً. لكن ماذا فعل جهاز الأمن لدينا، فهو لم يكتفي بذلك النكران المخزي، بل وإستمراراً في الصلف تتبعوا والدتها أسماء السني وجلال مصطفي الذي كان يرافقها في رحلة الإستفسار تلك، وجاءوا إلى المنزل للتفتيش والإرهاب، حتي تكف الأسرة عن ملاحقة الحقيقة. ولم يكتفوا بتفتيش المنزل بطريقة مهينة وعشوائية بل إعتقلوا جلال مصطفي. فهو الشاهد الذي سمع المكالمة وهو الذي يؤكد أنها كانت تطالبهم بإبراز هوياتهم. فقد أصبحت شبهة إختطافها عن طريق جهاز الأمن واقعة مثبتة.
وللمواصلة في إنكار العدالة قاموا بقيد بلاغ جنائي ضد دكتورة ساندرا تحت مادة إشانة السمعة، هذه الواقعة الأخيرة لا يمكن أن ينظر إليها أى إنسان مدرك دون أن يشعر بالذعر، لأن ذلك هو قانون الغابة. فبالنظر إلى مجرد التسلسل الوقائعي بين زمن واقعة الإستفسار عن الطلب وتعقبهما الي حيث المنزل وتفتيشه وإعتقال جلال يكشف مدي الإمعان في إساءة إستخدام السلطة. فقد درسنا في القانون أن طريقة الحصول علي البينة يؤثر في وزنها وسلامتها، ويضرب لذلك مثلاً بأن أمر التفتيش الصادر لأغراض البحث عن “بقرة” لا يجوز لمنفذ أمر التفتيش ان يقدم للقاضي بينة أخري تفيد بأنه وبالإضافة الي البقرة قد أسفر التفتيش عن قطعة ” بنقو” في في إحدى حجرات المنزل، فهي بينة مرفوضة لأن بها شبهة فساد الممارسة. وفي ذلك فاليتصور المتصورون فيما وصلنا إليه. فهذه الواقعة تكشف عن سلوك عتاة المجرمين في الإنتقام وإغلاق سبل الوصول الي العدالة. فكيف يتثنى لمؤسسة حكومية خدمية أن تسلك سلوك بلطجية الشوارع؟. فجهاز الأمن في الفهم البسيط ما هو إلا أحد أجهزة الدولة التي يفترض أن تقدم خدماتها بإعتبارها شخصية إعتبارية وليست شخصاً عادياً يغضب ويبكي ويستفز أو تساء سمعته. لكنهم في غيهم هذا فات عليهم أنهم بقيدهم لدعوي إشانة السمعة، يؤكدون بأنهم يعملون خارج ضوابط المؤسسية وأنهم قد خلعوا عن أنفسهم صفة الموظف العام، وأنهم يتصرفون بصفتهم الشخصية. وقد نزعوا عن وظائفهم ومؤسستهم صفتها الإعتبارية. ولكن لماذا الإستغراب؟ فمشكلنا مع الإسلامين في منشأها هي أنهم قد ضاقوا بالمؤسسية لأنها تقتضي الموضوعية وتستلزم الإنصياع للمحاسبية والمسائلة وفق المحددات الوظيفية وحكم القانون.
وفي هذا المشهد تستوقفنا كثير من المفارقات، التي تكشف ما آل اليه حال بلادنا وقد أصبح المسؤولين عن أمنها يهبون للدفاع عن سمعة جهاز خدمي. بينما لا تهتز لهم شعرة في أمر مواطنة تم إختطافها من الشارع العام، وظلت في عداد المفقودين لثلاث أيام. كما أن فضيحة قيد بلاغ إشانة سمعة لدي ما يعرف بنيابة أمن الدولة، وهو تجميل لإسمها القديم حيث كانت تسمي نيابة الجرائم الموجهة ضد الدولة، في تعديل إستدركوه أيضاً لشرطة ونيابة ومحاكم النظام العام التي أسموها تجملاً أمن المجتمع. وكانت هذه النيابة قد أبتدعت في بداية التسعينات للتنكيل بالخصوم السياسيين، وقد عمل بها العديد من ذوي النفوس المتقيحة من أمثال القاضي محمد سر الختم ووكيل النيابة محمد فريد والضابط قرشي إضافة إلى قضاة رخيصين وجنود بقايا مجرمين، وآخرين مازالوا يتمرغون في هذا الوحل مثل القضاة الفاسدين عصمت محمد يوسف ومعتصم تاج السر ومدثر الرشيد. والآن يتصدي لهذه النيابة أسوأ الإنتهازين وهما المدعوان ياسر أحمد محمد وأسامة هرون. فهما يتجاهلان القانون عن عمد عند قيد هذه البلاغات، وهو أسلوب قديم معروف يسمي في مجال القانون بفساد الممارسة، وقد أقدم محمد فريد من قبل علي إستخدام مادة في القانون وضعت لتنظيم الأسواق في إيقاف الصحف. فمعيار الشخص العادي لايخطيء في فهم أن السمعة التي يسعي القانون لحمايتها لم يقصد بها المؤسسات الخدمية لجهاز الدولة، وانما تأتي من الخصوصية المرتبطة بالإنسان في أسرته وحياته الخاصة وصولاً إلي شخصيته فيما يرتبط بها من صفات من أمانة ونزاهة وإستقامة. لكن لا يمكن لعاقل أن يتصور أن القانون قد يسعي لحماية مؤسسات الدولة من شكاوى وتظلم المواطنين. فهذه المؤسسات يفترض فيها أن تسمح للمواطنين بنقدها والتقدم بالشكوى ضدها. بل يفترض القانون في المجتمعات المتمدينة أن تفسح هي من تلقاء نفسها باباً للشكاوى والنقد والتظلم، وأن تضع كل التدابير الكفيلة بأن يتم التعامل مع هذه الشكاوى والإنتقادات بشكل جدي وفعال. وفي نهاية الأمر ليس لهذه المؤسسات سمعة غير ما يضفيه عليها المواطنون من إستحسان ونقد لمهنيتها وموضوعيتها. لكن دولة الإسلام السياسي لم تكتفي بتحصين منسوبيها من ملاحقة القانون، بل تجتهد في تحصينهم من تبرم المظلومين، وتسعي لحمايتهم من تهم الفساد بتمكين حالة الإفلات من العقاب بالحصانات وتبارك لهم سرقاتهم بفقه “التحلل”. فقانون جهاز الأمن والشرطة والقوات المسلحة تمنع قيد دعوي جنائية أو مدنية ضد أفراد هذه المؤسسات إلا بعد أخذ الإذن من مدير المؤسسة. وفي أمر الحصول علي هذا الإذن لا أظن أن عاقلاً سيلتمس إليه سبيلا. وقد إستطاع جهاز الأمن بالفعل أن يحصل علي تعديلاً جديداً لقانونه، يمنع هذا التعديل المحاكم من نظر الشكاوي ضد أفراد جهاز الأمن بعد أن منحهم سلطة تشغيل محاكمهم الخاصة. ولا أظن أن هنالك عاقلاً سيسعي الي عدالتها.
فالقضية الآن أمام نيابة أمن الدولة، وهي نيابة لا يعمل بها هؤلاء التنبلان لتطبيق القانون علي علاته المذكورة، وإنما لإلباس القانون “جنقور” جهاز الأمن، فقد تم حبس ساندرا يوم الإثنين الماضي الموافق 20 أبريل في نيابة أمن الدولة بالعمارات، ولم يطلق سراحها الإ قبل منتصف الليل بقليل، وذلك لأغراض التحري في إشانة سمعة الجهاز. بل وأمرت أن تعود في صباح اليوم التالي الثلاثاء 21 أبريل عند الساعة الحادية عشر صباحاً، وهم يعلمون علم اليقين بأن جراحها لم تبرأ بعد، بسبب الضرب واللكم واللطم الذي تعرضت له في الثلاث أيام الماضية، لتبقي طوال اليوم قيد التحري. ولم يكتفوا بذلك بل تم إلقاء الضمانة لتبيت بالحراسة ليلة أمس الثلاثاء وكذلك وطوال يوم الأربعاء الموافق 22 أبربل إلي ان أفرج عنها عند الثامنة مساء بضمانة جديدة علي أن تعود يوم الخميس 23 أبربل.
هذا ما وصل إليه حال بلادنا في هذا العهد الغيهب. فإذا كان هنالك أمل في الخلاص فهذا الأمل يستشف من الإستفتاء الشعبي الذي حدث في هذه الإنتخابات، فقد قال الشعب كلمته بالطريقة الوحيدة التي أتيحت له خلال الستة وعشرين عاماً الماضية وهي المقاطعة. فعلي الأحزاب السياسية والحركات المسلحة التي كانت تفاوض طيلة السنوات الماضية، أن تعود الي صوابها بعد أن علموا الآن أن الإتحاد الأفريقي ولجنة أمبيكي والنظام هما وجهان لعملة واحدة، فعليهم أن يفكروا في كيفية إقتلاع هذا النظام بأيديهم دون أن ينتظروا وسيطاً أو السعي المذل نحو التفاوض. وأقول لساندرا في صمودها المعهود: سنذيقهم جرح بجرج ودم بدم والظلم ليلته قصيرة.

بقلم: علي عجب/ المحامي

اختطاف ساندرا وملاحقتها عبر النيابة تأكيد جديد على فساد نظام العدالة في السودانhttps://i1.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21.jpg?fit=300%2C142&ssl=1https://i1.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقآراء وتحليلاتالعدالةإختطاف د.ساندرا كدودة وملاحقتها عبر نيابة أمن الدولة بتهمة إشانة سمعة الجهاز تأكيد جديد علي فساد نظام العدالة في السودان عندما يختفي شخص في أي مكان في العالم يشعر الناس بقلق علي حياته، وأول تصرف يقوم به المواطن في الدول المتمدينة هو إبلاغ الجهات المختصة. ما عدا نحن السودانيين نتصل...اخبار السودان , صحيفة الطريق السودانية