اذا قدر للحوار الوطني ان ينطلق بعد ان يتوافق عليه الناس فيجب ألا يكون حوارا قاصرا على النخب السياسية، ولا نقول ذلك تقليلا من دور تلك النخب، لكن نصدر رأينا هذا عن قناعة تامة بأن النظام السياسي السوداني السابق قد انهار تماما بسبب حالة الحصار المفروضة عليه على مدى ربع قرن من الزمان والتي اضعفت صلته بالقواعد ومنعت تواصله مع الاجيال الجديدة وشردت كوادره واهدرت قدرته التنظيمية واصوله المادية وحكمت على اقوى وافضل عناصره الحركية بالهجرة خارج الوطن بعد ملاحقتهم ملاحقة لا تتوقف، خلال هذه الفترة (ربع القرن من الزمان) حدثت متغيرات كثرة اذ تضاعف عدد السكان واصبح اكثر من نصف السكان من الشباب الذين انسد الافق امامهم ورغم ارتفاع نسبة التعليم والوعي وسطهم إلا ان فرص الاستخدام ضاقت تماما أمامهم عندما افتقرت فرص الاستخدام الحكومية على أهل الولاء، وفي نفس الوقت زادت فرص التواصل أمامهم عبر المواقع الاجتماعية وثورة المعلوماتية ووجدوا أنفسهم يمتلكون قدرات معطلة واقعا مسدودا رغم قدرتهم على العطاء ورغبتهم في تنظيم أنفسهم وقد أثبتوا ذلك عندما تصدوا للعمل الانساني إثر كارثة السيول والامطار الاخيرة، وعبّروا عن أنفسهم سياسيا بقدرة فائقة على العطاء والتضحية في أحداث سبتمبر الماضي وأثبتوا أنهم قوة اجتماعية لا يمكن تجاهلها في اي ترتيبات سياسية قادمة، وانهم ينشطون خارج إطار الأحزاب القائمة وان افتقدوا التنظيم الجامع- وهذه ليست ظاهرة سودانية فريدة انما هي ذات بعد اقليمي وعالمي كان واضحا في ثورة الربيع العربي الاخيرة.

والمرأة- ايضا- أصبحت رقما لا يمكن تجاهله وهي الآن تنشط خارج اطار العمل المؤسسي الحزبي وتصوب نشاطها عبر منظمات مجتمع مدني صغيرة ومتعددة ونشطة تمارس نشاطها خارج الاطار الحزبي التقليدي وترفع صوتها عاليا ولابد من الاستماع له.

أما الذين تحركوا سياسيا خارج اطار العمل المؤسسي السلمي فقد آثروا حمل السلاح ومحاربة الدولة ويشكلون رقما لا يمكن تجاهله في قضية الحرب والسلام ولا في إعادة تنظيم الدولة على قاعدة من العدل والانصاف الذي يتجاوز مفهوم التهميش والتنمية غير المتوازنة واحتكار السلطة والثروة لنخب وجماعات بعينها.

 هؤلاء كلهم عناصر لا يمكن تجاهلهم في اي حوار وطني جامع ولا تمثلهم النخب الحزبية القائمة اليوم ولابد ان يستمع الجميع لصوتهم عند إعداد اي خريطة طريق تهدف لإعادة اللحمة للمجتمع وتنقذه من التشظي والانقسام، والذين يتحدثون عن حوار جامع ينبغي أن يضعوا كل هذه الفئات في مقدمة إهتماماتهم اذا أردنا للحوار ان يكون شاملا وجامعا وذا جدوى، وقد يكون السؤال الاكثر إلحاحاً هو: كيف نستوعب رؤاهم اذا كانوا يفتقدون التنظيم الجامع؟ الذي يعبر عن رؤاهم.

الحل في ان اي حوار وطني جامع يريد ان يرسم خريطة طريق للمستقبل يجب ان يكون حرا ومفتوحا في كل مدن وقرى السودان يتاح لكل من يريد ان يعبر عن رأيه بالمشاركة فيه بلغته الخاصة او لهجته المحلية وان ترصد الافكار التي يعبرون عنها وتُدوّن وتُحلل وتُوضع أمام النخب المتحاورة ومثل هذا العمل في حد ذاته سيخلق حواراً مجتمعيا شاملا ويحرك ساكن المجتمع ويصبح مدخلا لإعادة اللُحمة له ويرسل اشارة للجميع بأن صوتهم بات مسموعا ومؤثرا.

ولا صعوبة في تنفيذ مثل هذا المشروع الحواري في المدن والأرياف لو أحسنا تنظيم هذا الحوار لأننا لا نريده حوار نخب محدودة داخل غرف مغلقة لتقسيم الكيكة بين أصحاب الحل والعقد، لأن هذا بالضبط هو السيناريو الذي أنتج ازمة السودان الحالية.

محجوب محمد صالح

https://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/محجوب-21.jpg?fit=300%2C148&ssl=1https://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/محجوب-21.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقآراء وتحليلاتالأزمة السياسية في السودان,السلام,سياسةاذا قدر للحوار الوطني ان ينطلق بعد ان يتوافق عليه الناس فيجب ألا يكون حوارا قاصرا على النخب السياسية، ولا نقول ذلك تقليلا من دور تلك النخب، لكن نصدر رأينا هذا عن قناعة تامة بأن النظام السياسي السوداني السابق قد انهار تماما بسبب حالة الحصار المفروضة عليه على مدى...اخبار السودان , صحيفة الطريق السودانية