“لماذا نعادي اسرائيل”؟! اسئلة من هذا القبيل تدور همساً وفي أحايين سراً وفي احايين اخرى جهرة وعلى الملأ.

ولاتقتصر تلك التساؤلات والمناقشات التي تهدأ تارة وتشتعل تارة اخرى، على فئة دون اخرى في المجتمع السوداني بل تمتد حتى الدوائر الضيقة او الخاصة للمتنفذين في الحكومة السودانية .

فمنهم من يرى ان جُل مشاكل السودان الداخلية ان لم تكن كُلها جراء معاداة الدولة السامية والتلكؤ في التطبيع معها. على غرار ماصنعت معظم  الدول العربية والافريقية بمن فيهن ماكانت تعرف بـ(دول المواجهة) في ذورة الصراع العربي الاسرائيلي. وتلك الفئة كان اعلاها صوتاً وزير الدولة بالداخلية السابق احمد محمد العاص الذي نصح في محفل علني الحكومة منذ اعوام بالسعي للتطبيع مع اسرائيل لحل مشاكلها، وعلى ذات النهج سار  والي القضارف السابق كرم الله عباس الشيخ.

الممانعون او الرافضة من ذوي المرجعيات الدينية او النزعات القومية، وهؤلاء منطقهم  ان الصراع لم ينتهي بعد وان الحرب لم تضع اورزاها رغم وقف اطلاق النار. واصحاب المرجعيات الدينية فيرون، بأن  جذور الصراع دينية محضة، ويشيرون إلى أن اسرائيل اغتصبت ارضا ً اسلامية مقدسة لامناص من استرجاعها.

ويؤيد الخبير الاستراتيجي، اللواء المتقاعد . د. محمد الامين العباس وجهة نظر اولئك المتشددين من رافضي التطبيع. ويقول لـ(الطريق):” سياسيون كثيرون في السودان وبعضهم بالحكومة يذهبون الى ان التطبيع يمكن ان يكون مدخلاً لحل مشاكلنا الداخلية”. ويضيف :” لكن السؤال ماذا كسبت مصر على سبيل المثال من اتفاقية كامب ديفيد”؟!

ويؤكد العباس، استاذ العلوم السياسية بجامعة الزعيم الازهري بالسودان ان مسألة التطبيع ليست عاطفية او وليدة انفعال لحظي، لكنها مسألة استراتيجية بعيدة المدى ويجب ان تدرس بطريقة جادة وتخضع لحسابات دقيقة.

لكي تأتي النتيجة عن اقتناع وليس انطباعاً، لاسيما وان السودان من الدول العربية والافريقية القلائل التي لديها موقف واضح تجاه الصراع العربي الاسرائيلي وموقفها المعلن مساندة القضية الفلسطينية.

المتتبع لتاريخ الصلة بين البلدين يجد انها اقتربت من مرحلة التطبيع غير المعلن ابان حكم الرئيس جعفر نميري (1969-1985) بتأثير مباشر من الرئيس المصري انور السادات الذي وقع اتفاقاً منفردا مع اسرائيل برعاية امريكية في 1979م.

وتوجت الصلات غير المباشرة بين تل ابيب والخرطوم بموافقة الاخيرة على ترحيل اليهود الفلاشا عبر اراضيها من اثيوبيا الى اسرائيل في عمليات تهجير سرية اطلق عليها كودياً “موسى” وسبأ”.

وقبلها في نهايات خميسنات القرن الماضي كان رئيس وزراء اسرائيل ديفيد بن غوريون يعول على اتخاذ السودان رادعاً لمصر واتخاذ اثيوبيا رادعاً للسودان وهو ماعرف وقتها بمشروع دلاس على اسم عرابه وزير الخارجية الامريكي جان فوستر دلاس لمحاصرة المد القومي بزعامة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر.

وفي السنوات الاخيرة تدخلت اسرائيل بالعمل العسكري المباشرة، واستهدفت في اكثر من مناسبة قوافل بشرق السودان بحجة بمسؤولية تلك القوافل عن تهريب سلاح ايراني سراً الى قطاع غزة عبر الاراضي المصرية ومنذ عامين دمرت قاذفات سلاح الجو الاسرائيلي مصنع اليرموك للاسلحة الذي يقع في منطقة مأهولة بالسكان جنوبي العاصمة السودانية الخرطوم.

وبدت ردة فعل الحكومة السودانية مع العمليات العسكرية الاسرائيلية ضعيفة  اذ تكتفي بانها تحتفظ بحق الرد في الزمان والمكان المناسبين.

وتؤكد مصادر تحدثت لـ(الطريق) ان الحكومة السودانية سعت الى التطبيع مع تل ابيب خاصة مع مذكرة الاعتقال الدولية بحق الرئيس السوداني عمر البشير التي اصدرتها محكمة الجنايات الدولية في مارس 2009م.

واشارت المصادر الى ان الحكومة السودانية “براغماتية” من انصار الواقعية السياسية رغم الواجهة الراديكالية الاسلامية المتشددة، ويسوقون مثلاً ان ذات الحكومة سبق وان رفدت الولايات المتحدة بمعلومات استخبارية بالغة السرية عن التنظيمات الاسلامية وعلى رأسها تنظيم القاعدة. لتنجو بنفسها من غضبة الولايات المتحدة بعد احداث 11 سبتمبر ذائعة الصيت.

ويلمح مدير جامعة افريقيا العالمية السابق البروفيسور حسن مكي، وهو احد ابرز قيادات الحركة الاسلامية بالسودان التي انقلاب 30 يونيو 1989م، الى أن تلك دعاوى التطبيع مع اسرائيل آخذة في التشكل والظهور بطريقة سافرة.

ويقول مكي لـ(الطريق):” ان انصار العلاقة مع اسرائيل يشيرون الى أن الحصار الاقتصادي على السودان اساسه اللوبي الصهيوني والدوائر الصهيو- كنسية بالكونغرس الامريكي، وتلك المجموعات لاينفع معها تبني الخرطوم للبرنامج الامريكي في الديمقراطية وحقوق الانسان ولامفر من صلة مباشرة بتل ابيب”.

ويؤكد مكي، وهو مختصص في شؤون القرن الافريقي ولديه اهتمامات بالجغرافيا السياسية لافريقيا والشرق الاوسط، :”ان اسرائيل تعتبر العراق والسودان هما العدو، في مرحلة توقيع اتفاقية كامب ديفيد وبعد تحييد دول الطوق العربي كمصر وسوريا والاردن لجأت للتعامل المباشر مع دول المحيط”.

وكانت النتيجة -كما يقول- ان العراق مدمر والسودان قسم الى دولتين وتشتعل الحروب والنزاعات في اطرافه.

ويضيف مكي ان اوضاع كهذه لايجدي معها تغيير نظام سياسي او تبديل وجوه باخرى في سدة الحكم. وحتى ان ذهب البشير وجاء حسن الترابي او الصادق المهدي فلن يتغير شئ.

وردا على سؤال لـ(الطريق) ان كانت رؤية انصار التطبيع صائبة او واقعية يجيب مكي : بأن البعد الاسرائيلي في المسألة موجود ولايمكن نكرانه.

ويذهب الى ان السودان كان حاضرا على الدوام في المخططات الاسرائيلية وهناك عائلات مرموقة سكنت بالسودان قبل الهجرة الى اسرائيل واول سفير في مصر بعد اتفاقية السلام ولد في السودان ودرس بكلية غردون التذكارية.

وكما يقولون لو كان التاريخ الممثلون فقطعاً فإن الجغرافيا المسرح.

 تقارير الطريق

https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/352535234421-300x189.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/352535234421-95x95.jpgالطريقتقاريرعلاقات خارجية 'لماذا نعادي اسرائيل'؟! اسئلة من هذا القبيل تدور همساً وفي أحايين سراً وفي احايين اخرى جهرة وعلى الملأ. ولاتقتصر تلك التساؤلات والمناقشات التي تهدأ تارة وتشتعل تارة اخرى، على فئة دون اخرى في المجتمع السوداني بل تمتد حتى الدوائر الضيقة او الخاصة للمتنفذين في الحكومة السودانية . فمنهم من يرى ان...صحيفة اخبارية سودانية