منذ ان تولى السيد ثابو امبيكي رئيس جنوب افريقيا جزءاً من ملف السودان بتكليف من الاتحاد الافريقي لرئاسة لجنته رفيعة المستوى ظل يعمل بهدوء ومثابرة على مدى ست سنوات لكي يستولي علي الملف بكامله ويصبح مسئولاً عنه امام الاتحاد الافريقي والامم المتحدة معاً وقد وصل الآن فيما يبدو لهذه المحطة على الاقل في المستوى(اللوجستي).

الرئيس امبيكي اصبح رئيساً لحكومة جنوب افريقيا في العام 1999 خلفا للرئيس السابق نلسون مانديلا وانتهت ولايته الاولى عام 2004 واعيد انتخابه لولاية ثانية واخيرة تمتد من العام 2004 الى العام 2009 ولكنه دخل في صراع داخل الحزب ضد رئيس جنوب افريقيا الحالي جاكوب زوما الذي كان نائبه انذاك وانحاز اعضاء الحزب الحاكم الى زوما في مؤتمرهم عام 2007 وطالبوا امبيكي بالاستقالة بعد توجيه اتهامات له، فاستقال من رئاسة المؤتمر الوطني الافريقي ومن رئاسة الجمهورية فى سبتمبر عام 2008 وبعد استقالته بقليل اختاره الاتحاد الافريقي في العام 2008 رئيسا للجنة الحكماء الافارقة ومن ثم اصبح رئيسا للجنة الاتحاد الافريقي رفيعة المستوى المسئولة عن المساعدة في حل مشاكل السودان سواء بالنسبة لتنفيذ اتفاقية السلام الشامل أو العلاقات الشمالية الجنوبية او الحرب الدائرة في دارفور ولكن جهوده وجهود لجنته على الارض اصطدمت بوجود جهات اخرى معنية بهذه الملفات تنازع اللجنة في مجال اختصاصها اذ كانت هناك البعثة الاممية الافريقية المشتركة للسلام في دارفور(اليوناميد) التي تعتبر نفسها المسئولة عن ملف دارفور ثم هناك بعثة الامم المتحدة للسلام المعنية باتفاقية نيفاشا (اليوناميس) مما جعل مساحة الحركة المتاحة للجنة رفيعة المستوى جد محدودة كما احس بان بعثة اليوناميد لا ترحب بتدخلات لجنة الوساطة في القضية الدارفورية التي تعتبرها مسئوليتها الخاصة فآثر أن يركز نشاطه على العلاقات الشمالية الجنوبية، مع استمرار مساعيه لخلق موضع قدم للجنة فى القضية السودانية عامة.

ولكن يبدو ان مشروع الحوار الوطني الذي طرحه رئيس الجمهورية مؤخراً اتاح له وللجنته الفرصة لكي تحقق طموحها بالسيطرة على الملف بكامله وان تتمدد لتعالج القضية كافة في اطار مفهوم(المعالجة الشاملة) للازمة في السودان بدلاً من تجزئة القضايا وهو مفهوم اطلقته القوى السياسية السودانية منذ عشرة اعوام ولكنه لم يجد مساندة لا من الاتحاد الافريقي ولا من الامم المتحدة او الاتحاد الاوروبي او الولايات المتحدة انذاك فاندفعوا جمعيا فى الحلول الجزئية – وعادوا اخيراً للاقتناع بالحل الشامل !!

تحرك امبيكي اولا لتحييد ممثلي الامم المتحدة والاتحاد الافريقي الاخرين في السودان وذلك بخلق آلية مشتركة معهم للتحاور اذ كان هناك هايلي منكريوس مبعوث الامم المتحدة للسودان وجنوب السودان المسئول عن ملف العلاقات بين الدولتين ومحمد بن شمباس مسئول ملف دارفور بوصفه رئيس البعثة الاممية الافريقية المشتركة(اليوناميد) المسئولة عن الشأن الدارفوري وبضمان تعاون هذا الثالوث خلق امبيكي(ترويكا) جديدة وراء لجنته رفيعة المستوى وبذلك تفادى مشكلة تعدد مراكز صنع القرار الاممي او الافريقي واصبح التحرك متناغما تحت قيادته بل ان بن شمباس الذي قدم استقالته من رئاسة اليوناميد ليحتل موقعاً دولياً جديداً اوصى للاتحاد الافريقي بتخفيض درجة مسئوليات رئيس اليوناميد الذي سيخلفه وذلك بأن يؤخذ منه ملف الحل السياسي في دارفور ويعهد به الى لجنة امبيكي وبذلك يصبح امبيكي مسئولاً مسئولية تامة عن – ملف الجنوب وملف دارفور وملف الولايتين- واضاف الى اليهم ملف الحوار السودانى المعنى بالحل الشامل وبما ان مجلس الامن بدأ مؤخراً تسليم امر السودان لمجلس السلم والامن الافريقي فان امبيكي اصبح بهذا المعنى المسئول الاول عن ملف السودان امام الاتحاد الافريقي وامام الامم المتحدة !

هذه هي خلفية التحركات الاخيرة للسيد امبيكي داخل السودان وخارجه وقد اعتبر امبيكى ان ما تحقق في اديس ابابا الشهر الفائت اختراقا حقيقاً وذلك عندما اصبح الشاهد الوحيد على التوقيع على وثيقتين تحملان نفس النص- احداهما تحمل توقيعات اعضاء لجنة السبعة والاخرى تحمل توقيع حزب الامة والجبهة الثورية وهو يعول على هذه الوثيقة في احداث الاختراق الذي يتطلع اليه ولكنه سيكتشف ان المرحلة السابقة كانت مرحلة المناورات الدبلوماسية اما المرحلة القادمة فستكون مرحلة القرارات الصعبة ان لم تكن المستحيلة وسيواجه هذه المعضلة اذا قدر له ان ينجح في عقد الاجتماع الثنائي حول الولايتين اولاً وحول دارفور ثانياً في اديس ابابا قبل منتصف اكتوبر لبحث امكانية الوصول الى وقف العدائيات المصحوب باتفاق على الاجراءات الامنية وهنا سيطل شيطان التفاصيل برأسه وهذا هى العقدة الاولى التى يمكن ان يعتبر نجاحه فى حلها اختراقا حقيقيا اما الفشل فى اجتيازها فسيعود بالازمة للمربع الاول!

محجوب محمد صالح 

تفاؤل امبيكي وتحديات شيطان التفاصيل..https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/محجوب-21-300x148.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/محجوب-21-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتالأزمة السياسية في السودانمنذ ان تولى السيد ثابو امبيكي رئيس جنوب افريقيا جزءاً من ملف السودان بتكليف من الاتحاد الافريقي لرئاسة لجنته رفيعة المستوى ظل يعمل بهدوء ومثابرة على مدى ست سنوات لكي يستولي علي الملف بكامله ويصبح مسئولاً عنه امام الاتحاد الافريقي والامم المتحدة معاً وقد وصل الآن فيما يبدو لهذه...صحيفة اخبارية سودانية