بدعوة من مجلس دراسات المستقبل شهدت بالأمس ندوة مغلقة للاستماع الى تجربة جنوب افريقيا في التحول الديمقراطي والسلام عبر حوار وطني جامع قدمها السياسي الجنوب افريقي الشهير رولف ماير الذي لعب دوراً أساسيا في ذلك الحوار بوصفه كبير المفاوضين الممثلين لحكومة البيض في جنوب افريقيا لدى منبر التفاوض متعدد الاحزاب عام 1993م الذي تشكل بعد فشل مفاوضات(الكوديسا) في جولتها الاولى وهو يزور السودان مع آخرين تلبية لدعوة اعد لها ونظمها سفير جنوب افريقيا في الخرطوم.

المحاضر له تجربة واسعة من واقع مشاركته في الحوار الذي أدى الى تحرير جنوب افريقيا بعد تفكيك نظام الفصل العنصري خاصة وهو كان يمثل حكومة وحزب البيض الذي دخل الحوار مع الاغلبية الافريقية، وهو يدرك أن الحوار سيؤسس لتفكيك نظام الفصل العنصري لمصلحة تحول ديمقراطي كامل يقود بالضرورة الى حكم الاغلبية مع ضمان حقوق الاقلية.

وقد حرص المحاضر في بداية اللقاء على أن يؤكد انه يطرح فقط تجربة جنوب افريقيا بظروفها وواقعها المعاش ولا يقدم(وصفه) جاهزة ليتبناها اي بلد يعايش صراعا داخليا، فلكل بلد ظروفه الخاصة ويحتاج لان يصمم مشروعه الخاص المتوافق مع واقعه لانهاء صراعاته، كما أكد ايضا أن تحقيق السلام والتحول الديمقراطي في جنوب افريقيا كان صناعة محلية بحتة لم يتدخل اي طرف خارجي في اجندتها بأي صفة من الصفات حيث ظل الفرقاء في جنوب افريقيا يتحاورون ويتفقون ويختلفون دون ان يستعينوا بطرف آخر للمساعدة في حل مشاكله.. كانوا يختلفون وينفض سامر حوارهم اثر اشتداد الخلاف لكنهم يعودون من جديد لمائدة الحوار لأن كل الفرقاء كانوا على قناعة بأنه لا بديل لمعالجة أزمتهم بأنفسهم وتحمل مسؤولية تحقيق السلام والتعايش في بلدهم. ولم يقلل المحاضر من اهمية مساهمة المجتمع الدولي لكنه شدد على انها انحصرت في الضغط الذي مارسه المجتمع الدولي على حكومة البيض عبر المقاطعة الاقتصادية التي فرضها على النظام الحاكم في جنوب افريقيا مما اجبره على التفاوض بجدية، كما كان المفاوضون يتلقون على المستوى الشخصي نصائح ومشورة من افراد وجماعات دولية راغبة في انجاح الحوار.

ولعل الملفت للنظر الفترة التي احتاجها التحضير للحوار إذ مر عامان في العمل التحضيري والتوافق على القواعد قبل ان ينطلق الحوار الذي انجز أولا اتفاقا على اربع وثلاثين قاعدة دستورية لتشكل الدستور الانتقالي وتنشئ محكمة دستورية منوط بها الحكم على دستورية المواد ومراقبة تنفيذها، وكانت هذه هي أول محكمة دستورية تنشأ في جنوب افريقيا وجاءت بإجماع الفرقاء بعد ان انخرطوا في الحوار الدستوري، كما أن هذه المبادئ الدستورية التي أُجيزت للدستور الانتقالي ثم الاتفاق على تضمينها في الدستور الدائم باعتبارها أساس الاتفاق المفضي للتحول الديمقراطي والسلام.

كان الحوار شاملا شاركت فيه كل الاحزاب ومُثل كل حزب بصرف النظر عن حجمه وعدد عضويته بثلاثة أعضاء شريطة ان يكون احد المندوبين الثلاثة امرأة مما ضمن وجود ثلث الاعضاء من النساء. وقد كان هناك اتجاه لاستبعاد الاحزاب الافريقية المساندة لحكومة البيض ولكن مانديلا رفض ذلك وأصر على ان يكون التمثيل شاملا لا يستثني أحدا، وبعد ان مثلت كل الاحزاب كبيرها وصغيرها بأعداد متساوية من الممثلين أُثير السؤال حول ما هو حجم الاغلبية المطلوبة لإجازة القرار خلال الحوار، ولم يكن من الممكن اشتراط(الإجماع) كما لم يكن ممكناً ايضا القبول بالاغلبية العادية ولذلك تم الاتفاق على صيغة مبهمة وهي(الإجماع الكافي) وتُرك تقدير مدى(كفاية) الإجماع لرئيس كل جلسة. لكن كان في بال المشاركين في الحوار أن أي رأي يتفق عليه الحزب الوطني الممثل لغالبية البيض والمؤتمر الوطني الافريقي الممثل لغالبية السود هو إجماع كافٍ.

التفاصيل المتعلقة(بالتفاهمات) و(الاتفاقات) الجانبية بين الفرقاء خلال مرحلة التحضير للحوار هي التي لعبت دورا أساسيا في إنجاح المشروع في جنوب افريقيا، كما أن طول مدة العمل التحضيري الذي تواصل لعامين نجح في استعادة قدر من الثقة التي كانت مفقودة تماما في البداية. ولعل من اهم هذه (التفاهمات) كان الاتفاق على عدم إثارة قضية(العدالة الانتقالية) ومرارات سني القهر الذي مارسه البيض في مراحل الحوار الاولى وارجائها لحين الاتفاق على الدستور الانتقالي إذ كان الشعار المرفوع(دعونا نتفق على مطلوبات المستقبل المشترك قبل ان نناقش مرارات الماضي). ولذلك فإن مشروع (الحقيقة والمصالحة) لم يتم انجازه الا بعد الاتفاق على كل تفاصيل الدستور الانتقالي والاستعداد لتطبيقه.

لقد نجح المحاضر في ان ينقل للمستمعين تفاصيل تجربة رائدة في حل النزاع في جنوب افريقيا، لكنها تجربة مرتبطة تماماً بواقع الأمر في جنوب افريقيا وخصوصية ذلك الواقع يستحيل تكرارها حرفياً في اي واقع آخر ولكن يمكن الاستفادة من بعض مرتكزاتها.

محجوب محمد صالح 

لقاء مع تجربة جنوب افريقيا في الحوارhttps://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy.jpg?fit=300%2C156&ssl=1https://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقآراء وتحليلاتالأزمة السياسية في السودان,العدالةبدعوة من مجلس دراسات المستقبل شهدت بالأمس ندوة مغلقة للاستماع الى تجربة جنوب افريقيا في التحول الديمقراطي والسلام عبر حوار وطني جامع قدمها السياسي الجنوب افريقي الشهير رولف ماير الذي لعب دوراً أساسيا في ذلك الحوار بوصفه كبير المفاوضين الممثلين لحكومة البيض في جنوب افريقيا لدى منبر التفاوض متعدد...صحيفة اخبارية سودانية