د. الشفيع خضر سعيد
د. الشفيع خضر سعيد

 كتمهيد لمناقشة المناهج المختلفة للإقتراب والتعامل مع قضايا الوطن، أوجزنا في المقال السابق خارطة التاريخ السياسي للتفاوض، وهي خارطة زمنية سياسية تتضمن بعض المنعطفات الرئيسية على مستوى الحل السياسي التفاوضي للأزمة السودانية، وذلك خلال الفترة من 1989 وحتى 2005، تاريخ التوقيع على اتفاق السلام الشامل، وبالتالي فهي تمهد لمناقشة منهج المساومة. ونواصل اليوم، فنستعرض بعض الملاحظات والنقاط التحليلية حول تفاصيل تلك الخارطة:

 طوال فترة المفاوضات بين الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان، في مشاكوس ونيفاشا وغيرهما، ظل التجمع المعارض يجأر بالشكوى من التهميش والتجاهل. لكن، كنت، ولازلت، أرى أن أسباب ذلك يمكننا البحث عنها في موضعين: قصور التصورات التي يطرحها المجتمع الدولي للحل الشامل للأزمة السودانية، وقد أكدت التطورات اللاحقة، خاصة إستدامة الحرب الأهلية في البلاد، مدى عجز وقصور هذه التصورات. ولكن قبل ذلك، يأتي موضع ضعف تعامل التجمع مع المتغيرات الدولية وعجزه عن طرح وشرح مشروعه وتسويقه عالميا وإقليميا، علما بأنه كان المشروع الأقرب للحل والمخرج من الأزمة، بإلتفاف كل القوى السياسية السودانية، ما عدا حزب وحكومة الإنقاذ. وما توافق عليه التجمع الوطني الديمقراطي، هو المشروع الذي من المفترض أن يرحب به المجتمع الدولي، لأنه في جوهره يتطابق مع المبادئ والقيم المجمع عليها في المواثيق والمعاهدات الدولية والإقليمية المعنية بحقوق الإنسان وفق المفهوم الشامل لهذه الحقوق. من زاوية أخرى، صحيح أن كل فصائل التجمع تقريبا، كان لديها اتصالاتها الخاصة بها مع هذا الطرف أو ذاك من أطراف المجتمع الدولي والإقليمي، وهذا بالطبع حق مشروع للجميع. لكن، وبرغم المردود الإيجابي المتوفع من هذه الاتصالات بالنسبة للفصيل المعني، فإن محصلتها تجاه التجمع ظلت سلبية، وظل المجتمع الدولي ينظر للتجمع باعتباره لا يمتلك رؤية موحدة وأن بنيانه غير منسجم!. وبالطبع، فإن الجهة الوحيدة الذي كانت تملك القدرة على تغيير هذه النظرة السلبية تجاه التجمع، هي التجمع نفسه. لكن، للأسف استمر الحال على ما هو عليه، وترسخت القناعة لدى الآخرين بأن التجمع عاجز، ولا يملك حتى القدرة على مقاومة ومنع تهميشه. ومع ترسخ قناعة أطراف المجتمع الدولي بعجز التجمع وعدم قدرته على إنجاز التغيير وتوفير البديل، وكذلك ترسخ قناعة هذه الاطراف بأن الحركة الشعبية لتحرير السودان ليست سوى حركة إقليمية تعبر عن جهة، الجنوب، وبالتالي فهي، في نظر المجتمع الدولي، لن تستطيع الاستيلاء على الخرطوم وحكم السودان، فإن البديل المنطقي لنظام الإنفاذ، والمطروح من المجتمع الدولي، هو نظام الإنقاذ نفسه بعد قصقصة أظافره المتطرفة!. أعتقد أن هذا الخيار هو الذي ظل يدغدغ خيال أطراف المجتمع الدولي المعنية، وذلك في ظل اكتشافات البترول في السودان، ووفق مقولة أولوية الاستقرار على الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهذه عينة من مقولات ومفاهيم ما بعد أحداث 11 سبتمبر.

 داخل التجمع الوطني الديمقراطي، ظلت الحركة الشعبية لتحرير السودان تعترض على مناقشة تفاصيل ترتيبات الفترة الانتقالية، لمرحلة ما بعد إسقاط الإنقاذ، كما إعترضت لاحقا على مشروع الاجماع الوطني المقترح من قبل التجمع. جوهر اعتراضات الحركة كان هو الفقرة الخاصة بشكل الحكم الانتقالي، علما بأن هذه الفقرة في المشروع مأخوذة من قرارات مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية، 1995، ومن ورقة خاصة بمقترحات الحركة كانت قد قدمتها لذاك المؤتمر، مما يدفع إلى الإستنتاج بأن الحركة لم تكن موافقة على الفكرة من أساسها. وإذا قرأنا رفض الحركة الشعبية لمشروع تفاصيل الفترة الانتقالية مقرونا بعدم مشاركتها في كل لجان التجمع المشكلة منذ عام 1995 والمكلفة ببحث هذه التفاصيل، إضافة إلى بحث مشروع الدستور الانتقالي، (وبسبب ذلك لم يناقش مؤتمر مصوع هذين الموضوعين الأساسيين)، يحق لنا أن نستنتج أيضا أن الحركة كانت تفضل عدم الاتفاق على أي تصورات حول هذا الموضوع حتى تظل محتفظة بورقة الكونفدرالية، أو نظامين في دولة واحدة، كورقة تفاوضية في مفاوضاتها حول أزمة الوطن ووقف الحرب الأهلية في الجنوب. ومن هنا، وعلى عكس ما كان يرى البعض من أطراف الحركة السياسية داخل التجمع الوطني الديمقراطي، فإن الخلاف المستمر داخل التجمع حول ترتيبات الفترة الانتقالية، كان خلافا سياسيا أساسيا وليس مجرد خلاف في التفاصيل أو الصياغة.

 للحقيقة، وللتاريخ، نسجل أنه أثناء مسيرة المفاوضات، كان الراحل د. قرنق يؤكد بإستمرار تمسكه بالتجمع وأهدافه. وكان يقول أنه سيستمر في التفاوض بكل جدية لتحقيق أكبر قدر ممكن من هذه الأهداف وعلى رأسها الحفاظ على وحدة السودان. وكان يعبر عن قناعته التامة بأن الاتفاق الجزئي لن يحل الأزمة السودانية، كما أن تقرير المصير في ظل فترة انتقالية يسيطر خلالها نظام الإنقاذ على الكيان الشمالي يعني انفصال الجنوب، وأنه في النهاية لا يمكن أن تقف الحرب ويتحقق السلام الدائم بدون بسط وإستقرار الديمقراطية في كل البلاد.

 في تنوير لقيادات التجمع حول مفاوضات مشاكوس ونيفاشا، ذكر د. جون قرنق أن مفاوضي الحركة حاولوا فرض مفهوم المحاسبة والمساءلة عبر صيغة “المصالحة والحقيقة”، لكنهم فشلوا في إقناع وفد المؤتمر الوطني بهذه الصيغة، لذلك ظهر مفهوم المصالحة بدون الحقيقة. وفي نظري كانت هذه من الاهتزازات الأساسية المخلة بنظرية المساومة، والتي رمت بظلالها لاحقا، خاصة في جهة استمرار حالة إختزان المرارات وحالة عدم الثقة بين الانقاذ وأطراف الحركة السياسية، وكذلك حالة التخوف من الإرتداد إلى مربعات اتفق، بحسب ما هو موقع عليه في الورق، على تجاوزها.

 صحيح أن إتفاقية السلام الشامل لم تتوقف عند مسألة الحرب والسلام وحدها، وإنما سعت لتقديم معالجات لكافة جوانب الازمة السودانية المتمثلة في قضايا: السلام، الهوية وعلاقة الدين بالدولة، الوحدة، الديمقراطية، نظام الحكم، التنمية وتقسيم الثروة، قومية أجهزة السلطة بما في ذلك الجيش والأمن، العلاقات الخارجية…الخ. كما أنها سعت لإحداث تغييرات اساسية في بنية النظام السياسي القائم، بل وفي بنية الدولة ذاتها، بما في ذلك تقرير مصير البلاد (دولة موحدة أم دولتان) في نهاية الفترة الانتقالية. لكن الطريق الوحيد للوصول بهذه المعالجات إلى نهايتها المنطقية بما يضمن فعلا مخاطبة كافة جوانب الأزمة السودانية، كان، ولايزال، هو طريق الاجماع الوطني. ولثد ظللنا نحذر من أن التقرير في هذه القضايا المصيرية من قبل طرفين فقط، الحكومة والحركة الشعبية، بعيدا عن القوى السياسية والاجتماعية الشمالية والجنوبية الاخرى، ستترتب عليه تداعيات خطيرة في الوطن والإقليم، وهو ما تم، ويجري الآن، بالفعل على أرض الواقع.

ومن ناحية أخرى، وعلى الرغم من إندلاع الحرب مرة أخرى في جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق، اعتقد أن الرضوخ، في إطار المساومة وبموجب الاتفاقيات، لتحقيق أكبر قدر من لامركزية السلطة وتقليص هيمنة المركز، كان عاملا كبيرا في إستمرار عملية السلام المؤقت/الهش، وتأخر تجدد إندلاع الحرب في هاتين المنطقتين.

 بعض قيادات الحركة الشعبية كانوا يراهنون على أن اتفاقية السلام الشامل ستشكل تحديا كبيرا للمركز بالنسبة لمسألة التحول الديمقراطي، لأن الجنوب بعد بدء تنفيذ الاتفاقية، سيكون في نظر هولاء القادة أكثر ديمقراطية من الشمال..! يا ترى هل كسب هولاء القادة الرهان؟

د. الشفيع خضر سعيد

مناهج مختلفة للإقتراب من قضايا الوطن (3)  https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-300x142.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتالأزمة السياسية في السودان كتمهيد لمناقشة المناهج المختلفة للإقتراب والتعامل مع قضايا الوطن، أوجزنا في المقال السابق خارطة التاريخ السياسي للتفاوض، وهي خارطة زمنية سياسية تتضمن بعض المنعطفات الرئيسية على مستوى الحل السياسي التفاوضي للأزمة السودانية، وذلك خلال الفترة من 1989 وحتى 2005، تاريخ التوقيع على اتفاق السلام الشامل، وبالتالي فهي تمهد لمناقشة...صحيفة اخبارية سودانية