لو لم يكن الحديث منسوبا لوزير المالية شخصيا لما صدقته رغم قناعتي بان نعيش في كنف دولة (جبايات) بامتياز اما ان يكون عدد الجبايات التي تجبى من المواطنين في شتى انحاء البلاد ومن شتى الجهات الرسمية يبلغ عددها ستا وثلاثين الف جباية فهو أمر يفوق الخيال- وقد قال النبأ ان وزير المالية شكل مجموعة عمل لحصرها وتبويبها حتى تنظر الوزارة في امرها.

لقد بلغنا درجة أن اي معاملة مع اي جهة حكومية لابد ان تقابلها (جباية) من نوع ما واحترف بعض المسئولين مهنة(تشقيق) بعض تلك الجبايات لتلد جبايات جديدة حتى بات المواطن يخشى ا نيلقى التحية على مسئول مخافة ان يكون هناك جباية قررت بليل على رد التحية!

الاصل في عمل الاجهزة الحكومية هو تقديم الخدمة للمواطن وقضاء حوائجه لدى الدولة وهذا من صميم واجبات الحكومة ولا بأس من سداد رسوم اذا كان ما يطلبه المواطن يتطلب عملا اضافيا يتم على حساب المواطن وهذه حالة نادرة ويمكن تحديدها- غير ان الامر خرج تماما عن اليد واصبحت اي خدمة- صغرت او كبرت- تقابلها جباية يحددها المسئول دون اي قيود او مراجعة او مساءلة- وهي جبايات غير مسنودة بقانون وكانت العادة عندما تضع الميزانية تصحها قائمة بالرسوم والضرائب التي تجاز مع الميزانية ولا يسمح لاي طرف ان يتحصل رسما او ضريبة غير محددة في تلك القائمة وغير مجاز ضمن قانون(الموازنة) سواء كانت موازنة قومية أو ولائية- ولكن عندما انفرط عقد العمل المؤسسي اصبح كل جهاز حكومي سلطة قائمة بذاتها يفعل ما يشاء ويجبي ما يشاء دون ان يسأله احد فلا غرو ان كانت وزارة المالية المسئولة عن المال العام لا تعرف شيئا عن تلك الجبايات لأنها اصلا لا تدخل خزينتها.

والانفلات في فرض الجبايات دون قانون ادى بدوره الى ظاهرة(التجنيب) التي اصبحت ليست ممارسة مستقرة فحسب بل اصبحت لبعض الجهات مصلحة مباشرة فيها وتقاوم اي مجهود للاصلاح يؤدي الى ضبط المال العام وتقنين الجبايات ودخولها خزينة الدولة العامة.

وفي صورة من الصور فإن (التعويق) الذي حذر منه وزير المالية وهو يدشن مشروع اورنيك(15) الاليكتروني يرتبط ارتباطا وثيقا بهذه الانفلاتات في الجبايات وهذا(التجنيب) الذي هو اعتداء صارخ على تحصيل المال العام وتقنين صرفه وفق ميزانية محددة يعتبر الخروج على بنودها جريمة.

وفي مرحلة سابقة شكا الناس مر الشكوى من ان الولايات المختلفة بدأت (تقطع الطرق) القومية وتقيم فيها مراكز تحصيل للجبايات التي لا تستند لقانون وقد عمت الشكوى وبدأت تؤثر على التجارة البينية من ولاية لاخرى واضطرت رئاسة الجمهورية للتدخل واصدرت قرارات تمنع وتحذر من هذه الجبايات غير القانونية وتمنع التحصيل غير الشرعي- ولكن التحصيل استمر دون ان يعبأ بالأوامر الجمهورية حتى اضطرت الحكومة في اعلا مستوياتها ان تنشئ جهازا خاصا لمحاربة التحصيل غير القانوني واخذ ذلك الجهاز يجوب الطرقات(ليفكك) مراكز التحصيل القانوني واحدة- فهل سيجد وزير المالية نفسه مضطرا لكي يشكل مئات الاجهزة الخاصة لكي يتابع هذه الجبايات التي اتضح له ان عددها بلغ ستة وثلاثين الفا وانها مازالت تحت الحصر! أو ربما تتفنن بعض العقول عن مقترحات عملية بأن تنشأ وزارة لحصر وتبويب وتصنيف هذه الجبايات ولن يضيرنا كثيرا ان يزيد عدد الوزراء ووزراء الدولة بمنصبين جديدين فعدد الوزراء الاتحاديين مازال دون(المائة) مما يعني ان هناك(براحا) لاستيعاب المزيد!

على ان السؤال الذي سيضطر الوزير ان يوجهه بعد ان يكتمل حصر هذه الجبايات وتبويبها فهو (أين ذهبت هذه الأموال؟؟) وهو سؤال مشروع لانها لم تكن جزءا من ميزانيته ولم تدخل خزينته العامة ولم يكن يعلم عنها شيئا الى ان فوجئ بهذا العدد(المهول)-!!- لكنه سيظل سؤالا بلا اجابة.

لو اصر الوزير على مشروعه فستكون المعركة طويلة وشرسة!

محجوب محمد صالح

https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-300x156.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-95x95.jpgالطريقأصوات وأصداءاقتصادلو لم يكن الحديث منسوبا لوزير المالية شخصيا لما صدقته رغم قناعتي بان نعيش في كنف دولة (جبايات) بامتياز اما ان يكون عدد الجبايات التي تجبى من المواطنين في شتى انحاء البلاد ومن شتى الجهات الرسمية يبلغ عددها ستا وثلاثين الف جباية فهو أمر يفوق الخيال- وقد قال النبأ...صحيفة اخبارية سودانية