لا ينبغي أن نُحمِّل الخبر الصحفي المنسوب لوزير الخارجية السوداني حول رفض السودان نصب صواريخ دفاعية على سواحله المطلة على البحر الأحمر أكثر مما يحتمل، فالفرق بين الخبر المنشور والنفي الرسمي ليس كبيراً إذ أن الخبر الصحفي المنشور قال إن الصواريخ (دفاعية) وذلك يعني بالضرورة أنها ليست صواريخ هجومية وليس الغرض منها (الهجوم) على أي جهة وإنما غرضها حماية الأراضي السودانية من هجوم يشن عليها عبر البحر الأحمر. وهناك دولتان مارستا مثل هذا الهجوم حصرياً هما الولايات المتحدة التي استهدفت مصنع (الشفاء)، وإسرائيل التي استهدفت مصنع (اليرموك)، والقارئ يفهم الخبر بهذه الخلفية التي تحدد مصدر الخطر، وما دامت هي صواريخ (دفاعية) فهي ليست مصوبة للهجوم على أي جهة.

وبالطبع فإن الدولة التي تقع قبالة السواحل السودانية عبر البحر الأحمر هي المملكة العربية السعودية، والذي يخلق الحساسية هو الوضع المتوتر بين دول الخليج العربي عامة ودولة إيران، ومادامت الصواريخ المقترحة بداية كنت إيرانية فإن درجة الحساسية تبلغ ذروتها، وهذا هو ما حدا بالسودان بحسب تصريح الوزارة الرسمي أن يستبعد خيار نصب صواريخ إيرانية (حتى لا يساء فهم دوافعه من بعض دول الخليج). فالخبر الحقيقي هو أن فكرة نصب صواريخ دفاعية إيرانية طرحت للبحث واستبعدت تماماً لأن الأمر يمكن أن يساء فهمه من جانب دول الخليج عامة والمملكة العربية السعودية خاصة بحسب قربها الجغرافي.

القضية الأهم ليست هي تصحيح هذا الخطأ فالتصحيح واضح، والخطأ في الخبر ليس كبيراً، والتبرير الحكومي لرفض الخيار منطقي ومفهوم لأن السؤال الأكبر ما هي استراتيجية السياسة الخارجية تجاه هذا الصراع الإيراني ـ العربي، وهي قضية الفيصل فيها هو مصلحة السودان وهي التي ينبغي أن تحكم تصرفاته وتوجه سياسته الخارجية بحيث تخدم تلك المصالح دون أن تفرط في سيادة السودان وحقه في إقامة علاقات دولية متوازنة، لكنها تأخذ في الاعتبار المصلحة الحقيقية للسودان وأبعاد الاتصالات الإقليمية حسب الأمر الواقع.

السودان ليس طرفاً في الصراع العربي الإيراني ولكن مصالحه مع العالم العربي هي الأكبر والأرسخ والأكثر استمرارية، ولابد أن ياخذها في اعتباره وهو يخطط سياسته الخارجية المستقلة، وقد رأينا في المرحلة الأخيرة مقدار الحساسية التي تثيرها علاقة السودان مع إيران وما يثار من تعليقات كل ما رست قطعة من الأسطول الإيراني في المياه السودانية.

السودان محتاج لحماية سواحله المطلة على البحر الأحمر، وهي أصبحت مصدر قلق لأسباب عديدة، وهي محط الأنظار ليس بسبب الهجمات الصاروخية التي تعرض لها والتي استباحت أرضه وسيادته عدة مرات وإنما ايضا بسبب نشاط التهريب والإتجار بالبشر حيث أصبح البحر الأحمر والسواحل السودانية معبرين للعصابات العاملة في هذين المجالين، ويحتاج السودان للدعم من بعض الدول لتوفير وسائل الحماية المناسبة ولكن بسبب الحصار المفروض عليه فإن الدول التي يمكن ان تساعده في بناء قدراته محدودة وهذه هي القضية التي ينبغي تشغل بال مهندسي السياسة الخارجية السودانية حتى يحدثوا تغييراً في سياسة السودان الخارجية ترفع عن السودان الحصار المفروض عليه، وتطبع العلاقات مع بعض الدول التي يمكن أن تساعده في بناء قدراته في هذه الناحية حتى لا يجد خياراته محصورة فقط في إيران، وهو لسباب عديدة لا يمكن أن يركن إلى العون الإيراني لأنه يخلق له مشكلات مع محيطه العربي. النقاش الذي يدور حول هذا التصريح الصحفي الذي عمدت الوزارة إلى تصحيحه ينبغي أن يتحول إلى حوار حول استراتيجية السياسة الخارجية الأفضل للسودان!.

محجوب محمد صالح 

الصواريخ الدفاعية.. ومرتكزات السياسة الخارجيةhttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-300x156.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتعلاقات خارجيةلا ينبغي أن نُحمِّل الخبر الصحفي المنسوب لوزير الخارجية السوداني حول رفض السودان نصب صواريخ دفاعية على سواحله المطلة على البحر الأحمر أكثر مما يحتمل، فالفرق بين الخبر المنشور والنفي الرسمي ليس كبيراً إذ أن الخبر الصحفي المنشور قال إن الصواريخ (دفاعية) وذلك يعني بالضرورة أنها ليست صواريخ هجومية...صحيفة اخبارية سودانية