الأوضاع في دارفور بدأت تتدهور إلى الأسوأ وعادت إلى ما كانت عليه أيام اشتداد الأزمة قبل عشر سنوات، بل تجاوزت ذلك المدى باتساع دائرة الصراع وارتفاع درجة المواجهات القبلية وظهور المزيد من الجماعات المسلحة ذات البعد القبلي، وزاد الموقف تعقيداً بسبب الصراعات بين جماعات منتمية للحزب الحاكم بلغت ذروتها في الصراع الحالي بين والي ولاية شمال دارفور ومستشار شؤون الحكم المحلي موسى هلال.

كل هذه التطورات أدت الى زيادة كبيرة في المواجهات العسكرية والى استهداف المدنيين في قراهم الآمنة، وقد رصدت الامم المتحدة عبر تصريحات اطلقها الأمين العام بان كي مون أشار فيها الى ما حدث في جنوب دارفور حينما قامت جماعات مسلحة بمهاجمة خمس وأربعين قرية في منطقة تقع على بعد خمسين كيلومتراً من عاصمة الولاية نيالا مما أدى الى مقتل العديد من السكان المدنيين بما فيهم النساء والاطفال وسط أعمال النهب والحرق وفرار الآلاف من النازحين.

لقد طالت الهجمات في شمال دارفور العديد من المدن الصغيرة والقرى التي استولت عليها جماعات مسلحة، ونتج عن ذلك نزوح الآلاف مما زاد عدد النازحين الجدد في ذلك الاقليم بما يقدر بأكثر من مائة وعشرين ألف نازح واستمرار الهجمات وحوادث القتل ونهب الممتلكات وخاصة السيارات.

لقد واجه النازحون ومازالوا يواجهون مصاعب حياتية كثيرة في المناطق التي فروا إليها بل وداخل المعسكرات التي لجأوا لها ونشرت الصحف بالأمس أن النازحين في الأحداث الاخيرة بجنوب دارفور لم يحصلوا على أي غوث إنساني، وأن النازحين لمعسكر عطاش شرق نيالا شكوا من أنهم لم يتلقوا أي دعم منذ دخولهم المعسكر قبل شهر من الآن مع أن غالبية النازحين من كبار السن والنساء والأطفال ويعانون حتى في الحصول على مياه الشرب التي يبلغ ثمن(الصفيحة) منها جنيهين ونصف الجنيه، وهم لا يملكون شيئاً. وقالت اليونسيف إن ستة عشرين ألف تلميذ قد فقدوا مدارسهم وهم مهددون بالضياع وهذا يعني أن الصراع لا يقضي على الحاضر بل يمتد أثره للمستقبل ايضاً.

هذا الانفلات الأمني المتواصل، وهذا الصراع المسلح الذي هو في جزء منه صراع تديره جهات ذات صلة بالحكومة رفع درجة الاحتقان داخل الاقليم إلى مستوى غير مسبوق ويمكن أن يؤدي الى نتائج خطيرة ما لم يتم تداركه بأسرع فرصة والعمل وفق سياسات واستراتيجيات جديدة للبحث عن حل سلمي شامل بعد أن أثبت هذا النزاع المسلح المتطاول أن السلاح والعنف يحلا المشكلة بل يزيدانها تعقيداً.

ويجب أن تبدأ الحكومة بمعالجة الجماعات المتفلته المنتمية إليها بشكل أو بآخر لأن انضمام مليشيات منفلته سابقة الى أجسام شبه نظامية وسيلة خاطئة لمعالجة المشاكل، فهذه الجماعات لا تعرف الضبط والربط وستصبح جزءاً من المشكلة لا جزءاً من الحل، كما أن الصراع المحتدم بين مستشار الحكم المحلي ووالي ولاية شمال دارفور تجاوز كل الخطوط الحمراء وأصبح مهدداً أمينا خطيراً في إقليم ملتهب ومليئ بالسلاح وبالجماعات المسلحة. هذه مشكلة يجب أن تتعامل معها الحكومة تعاملا مباشراً لأنها تنطلق من داخل صفوفها ولا تأتيها من خارجها،

أما الجماعات الحاملة للسلاح والتي تحارب لأسباب سياسية فإن التفاوض معها يحتاج الى مقاربة جديدة تستهدف التعامل بمرونة من المطالب التي تطرحها، وإدارة الحوار معها دون قيود وبنية حسنة، والاعتراف بالمطالب المشروعة ومحاولة إقناعها بأن تصبح قضاياها جزءاً من الحوار الوطني الشامل بعد التحاقها بالمسار السلمي لحل الأزمة دون أن تتمترس الحكومة وراء اتفاقات سابقة لم تقبل بها هذه الجماعات وتعتبرها قاصرة، وليست اتفاقية الدوحة أو أي اتفاقية سابقة كتابا منزلاً فهي قابلة لإعادة النظر وللتعديل وللتطور حتى تستجيب لكافة المطالب المشروعة التي يقررها أهل السودان بمشاركة جماعية بما فيهم كل أهل دارفور ولا ينفرد بالتقرير في شأنها حملة السلاح وحدهم ولا الحكومة وحدها.

الأوضاع في هذا الاقليم تشير إلى أنها تتجه نحو نتائج كارثية ما لم يتم تداركها بأسرع ما يمكن.

محجوب محمد صالح

https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-300x156.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتدارفورالأوضاع في دارفور بدأت تتدهور إلى الأسوأ وعادت إلى ما كانت عليه أيام اشتداد الأزمة قبل عشر سنوات، بل تجاوزت ذلك المدى باتساع دائرة الصراع وارتفاع درجة المواجهات القبلية وظهور المزيد من الجماعات المسلحة ذات البعد القبلي، وزاد الموقف تعقيداً بسبب الصراعات بين جماعات منتمية للحزب الحاكم بلغت ذروتها...صحيفة اخبارية سودانية