د. الشفيع خضر سعيد
د. الشفيع خضر سعيد

  “ذهب الصبا بعهوده…”، نثرها مموسق القوافي وملهم اللحظات الباقية، إدريس جماع، إبداعا وحنينا لأن تعاوده الطفولة. ونحن، وإن ذهب صبانا، ومنذ زمن بعيد، وتيقنا لن يعود، فإن عهوده تظل دائما مليئة بومضات، تبرق وتتلألأ، قد تخفت قليلا في دهاليز الزمن، ولكنها لا تنطفئ.. وهي، إما تتحور وتتخلق وتتواصل في عهود تاليات، لتسقي سنوات التكوين، وترسم أوراق العمر القادمات، أو تظل كامنة في الوعي، مفتاحا لفرح، ولو لحظي، وكأنها تتنبأ بأن نائبات الدهر ستضاعف حوجاتنا ولهفتنا إلى لحظة فرح سُكرى. ومن ومضات عهود صباي الذي ذهب، وظلت عالقة في دواخلي حتى اللحظة، عبارة كانت وظلت تفرحني حتى اللحظة. في تلك الأيام، وما أن تهب نسمات فترة العصر، كنت أركض ناحية أقرب مذياع حتى لا تفوتني لحظة جذل طفولي بسماع عبارة “عشان ما ننسى لا زم نعرف الحقيقة” والتي لم تكن سوى عنوان برنامج إذاعي في إذاعة أمدرمان كان يقدمه المرحوم الأستاذ فيصل النور التجاني، بلهجة عربي جوبا مخاطبا أهلنا في جنوب الوطن الواحد، آنذاك. بالطبع، في تلك العهود، لم يكن لي من الوعي ما يمكنني من فهم مرامي العبارة فهما عميقا، ولا إدراك تفاصيل ما كان يطرح في ذلك البرنامج، فقط كنت، ولا زلت، عاشقا لها. ومع لاحقات الأيام، تطور الوعي والإدراك، وأضحت العبارة مفهومة تماما، وأزداد ولهي بها، وبصدق وعمق معانيها، وكأنها فعلا صكًت خصيصا من أجل حال الوطن السودان. لذلك لم أتعجب أو تصبني الدهشة عندما دلفت عبارة الفرح تلك سريعا إلى خاطري، وأنا أقرأ ملخصا لحديث الدكتور محمد المرتضى مصطفى، وكيل وزارة العمل السابق والمدير الاقليمي لمنظمة العمل الدولية لشمال افريقيا والشرق الاوسط، في منبر جريدة الصحافة الإسبوعي. وكان موضوع المنبر هو “إحتمالات فشل وإنهيار الدولة السودانية”، وهو موضوع يحرك أشجانا في دواخلي، وربما يشكل إحدى “فرمالاتي” بلغة أهل الكوتشينة. فالدكتور محمد يؤكد إيمانه الكامل بأن الدولة السودانية قد إنهارت! مشيرا إلى أن الدخل السنوي للفرد السوداني 600 دولار، في حين دخل الفرد المصري 1800 دولار، وأنه في مقبل العامين القادمين، متوقع أن يكون دخل الفرد في إحدى دول الجوار الغربي عشرة اضعاف دخل الفرد السوداني بالرغم من أن نصف عدد سكان هذه الدولة يعيشون الآن في الخرطوم!! وبحكم منصبه كوكيل وزارة، عاصر الدكتور محمد العديد من الحكومات، ولذلك فهو يؤكد أن مسؤولية هذا الفشل لا تقع على عاتق نظام الانقاذ وحده، وإنما كل الحكومات المتعاقبة منذ الإستقلال ساهمت بقدر وافر في الحالة المتردية التي نعيشها الآن. وتساءل الدكتور قائلا “منذ الاستقلال وحتى اليوم ماذا حصد المواطن السوداني من زرع حكوماته الوطنية؟ اين التعليم؟! اين الصحة؟ اين الخدمات الاساسية؟ لقد فشلت كل الحكومات الوطنية في ادارة الاقتصاد بلا استثناء!!”. ثم واصل الدكتور محمد حديثه، متناولا تفاصيل ومقترحات عديدة في طرح لا نملك إلا نشير إلى أهميته وضرورة التمعن فيه، خاصة وهو يأتي من عالم لا ينطق عن هوى ولا يزايد بشعارات آيديولوجية زائفة، بل هو أحد المفكرين السودانيين البارزين الذين استعانت بهم الأمم المتحدة في عملية التحول السلمي في جنوب افريقيا من دولة الأبارتايد إلى الدولة الديمقراطية. فقط نود أن نستسمح الدكتور محمد في إضافة نقطتين صغيرتين، لن تخلا بجوهر ما قال، ولن تناقضا متن حديثه، حتى وإن لم تتطابقا معه. فمع الفشل في إدارة الإقتصاد، نضيف الفشل في إدارة التنوع، وبالتالي الفشل في إدارة البلاد، كنتيجة حتمية لفشل كل النخب المتعاقبة على كراسي الحكم منذ فجر الإستقلال، في تقديم الإجابات الصحيحة للأسئلة المصيرية المتعلقة بتأسيس وبناء دولة ما بعد الاستقلال الوطنية، أو هو فشلها في حتى مجرد طرح تلك الأسئلة المصيرية. والنقطة الثانية هي، أن الإنقاذ، وبعد ربع قرن من سيطرتها على مقاليد الحكم، أوصلت الأزمة السودانية إلى مداها الأقصى، قاذفة بالبلاد إلى هاوية مأزق مأساوي حقيقي. فالمجموعة الحاكمة لم تعد مجرد حزب حاكم، وانما جعلت من نفسها الدولة ذاتها، محولة ما يفترض أن تكون دولة الوطن والمواطن إلى دولة الحزب أو الجماعة أو العصبة، مستخدمة الإسلام غطاءا ايدلوجياً للاستعلاء الديني والعرقي لتصعيد الحرب الأهلية وقمع الآخر، غير عابئة بتمزق الوطن، حتى تجلى شكل جديد من الاستلاب والاغتراب ليس تجاه مؤسسات الدولة فحسب، وانما تجاه الكيان السوداني ذاته، وخيم الخوف من المستقبل على كل بيت، وأضحت إحتمالات ومؤشرات تفتت وإنهيار الدولة السودانية، واضحة ملموسة، وأقرب لأن تتحقق. وفي الحقيقة، عندما يكرر النظام اخطائه بشكل دورى، وتكون مناوراته وتقلباته و”حركاته” محفوظة، وليس له سوى أن “يلعب غيرها”: حوار… اتفاقات… انتخابات… حكومة قاعدة عريضة…، ولكن، لا شيئ يمس الجوهر، أو حتى يسكًن الأزمة، فالحرب مستمرة، والأزمة تتفاقم، والضنك يتضاعف…، فذلك يعنى أنه نظام فاشل وبإمتياز. وعندما تتحكم مجموعة عقائدية في مصير البلاد والعباد، يصل بها الأمر أن يناقض فعلها جملة وتفصيلا قولها الذي بدأت به، تدعي لنفسها صفات وسمات في مرتبة أعلى من صفات وسمات الشعب، بل ويصل بها الأمر أن تزدري شعبها بسقط القول وفاحشه، لا تهتم بأن فعائلها جعلت أبناء هذه البلاد يتصارعون ويختلفون حول كل أوجه ادارة حياتهم، حد الحرابة والقتل المتبادل، ولا تأبه لما يتهدد البلاد من جوع ونكد وإنقسامات وإستدامة حرب أهلية ضروس وعقوبات دولية، ولا تستحي أن تكون حقل تجارب لسيناريوهات الدول الكبرى…، عندما يصل الأمر بهذه المجموعة ونظامها إلى هذا الحد، فليس أمامها سوى الرحيل.

        صحيح أن من كانوا، وظلوا، في كراسي الحكم يتحملون الجزء الأكبر من مسؤولية الفشل وإحتمالات إنهيار الدولة السودانية. ولكن، من هم خارج مواقع الحكم، المعارضة، لا بد أن يعترفوا بأنهم أيضا يتحملون جزءا من مسؤولية هذا الفشل. فمهما كانت التبريرات، أو معقوليتها، فإنهم يتحملون ضعف مقاومتهم لهجمة سارقي السلطة، ثم تقاعسهم وسماحهم لهم بالتمكن والتمكين. وهم يتحملون وزر أن فعلهم المقاوم ظل دون طموحات إحداث فعل التغيير. ويتحملون مسؤولية الفشل في توحيد الرؤى لبناء الوطن، وهو فشل ملازم منذ فجر الإستقلال…، وأخيرا يتحملون مسؤولية عدم إفساح المجال للأجيال الجديدة، التي لا تتحمل أي مسؤولية في ذاك الفشل ولا تريد أن تكرره، وترفض أن ننقله إليها، لذلك تتمرد، ولكن بإحترام وتقدير لأجيال الآباء والرواد.

        لقد بلغت الأزمة الحلقوم، وما عاد الوطن يحتمل ذرف المزيد من الدمع على الدم المسفوح. ولسنا بحاجة لنكون أسرى للتوصيف والتحليل، فقد فعلناها من كل الاتجاهات، وأشبعنا الأزمة توصيفا وتحليلا…. ولسنا بحاجة لتدبيج ميثاق جديد وراء آخر، فلقد قتلنا القضية بحثا وعصفا ومواثيقا… لنقتفى اثر كل هذه المواثيق وتلك التحليلات، لا سيما أن جميعها يتحسس موضع الالم ويساهم في وصفة العلاج، ولنتحرك صوب فعل عملي، تدابير محددة، برنامج ملموس، وقوده السلم وحقن الدماء والثقة في إمكانيات شعبنا، ولا سبيل لذلك إلا بالتوجه إلى الناس في مواقعهم، بخطاب جديد، ومواعين جديدة، وتاكتيكات جديدة، مستمدة من خلاصات تجاربنا وفي نفس الوقت تحدث قطيعة مع الموروثات التي أنتجت الفشل، فعل ينطلق كالسهم نحو الهدف المنشود: إنقاذ الوطن من الإنقاذ…، ومنع إنهياره.

وشكرا دكتور محمد المرتضى مصطفى

 د. الشفيع خضر سعيد

"عشان ما ننسى لازم نعرف الحقيقة"https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-300x142.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتالأزمة السياسية في السودان  'ذهب الصبا بعهوده...'، نثرها مموسق القوافي وملهم اللحظات الباقية، إدريس جماع، إبداعا وحنينا لأن تعاوده الطفولة. ونحن، وإن ذهب صبانا، ومنذ زمن بعيد، وتيقنا لن يعود، فإن عهوده تظل دائما مليئة بومضات، تبرق وتتلألأ، قد تخفت قليلا في دهاليز الزمن، ولكنها لا تنطفئ.. وهي، إما تتحور وتتخلق وتتواصل...صحيفة اخبارية سودانية