أهداني بالامس الصديق د.يوسف تكنة كتابه الشائق (دارفور صراع السلطة والموارد)، والكتاب وثيقة هامة ويأتي في وقته تماما إذ يقدم دراسة علمية متكاملة في السياسة والاقتصاد والادارة والحكم في هذا الاقليم عبر تاريخ يمتد حتى منتصف القرن الخامس عشر، وبالتالي فهو يمثل رافدا مهما للباحثين عن أسباب هذا الصراع الذي أدخل الاقليم في حرب كارثية مازالت مشتعلة على مدى اثني عشر عاماً مستعصية على الحل لأن كل المقاربات الحالية تفادت ان تبحث بعمق في الاسباب الجذرية لهذا النزاع الحالي حتى تتابع تجلياته الراهنة عن بصيرة. والكتاب يقع في أكثر من ثلاثمائة وأربعين صفحة وقد نشرته دار (مدارك) للنشر، ولا يمكن تلخيص كل المعلومات الهامة التي اشتملت عليها الدراسة لكنني اتوقف عن محطة هامة في التاريخ المعاصر.

لقد قلت من قبل إن ثورة اكتوبر كانت نقطة فارقة في الحراك السياسي السوداني إذ أنها مثلت بداية انكشاف الصراع بين الهامش والمركز حول اقتسام السلطة والموارد، وفي هذا الكتاب يتتبع د.تكنة بتفصيل أحداث الفترة بعد ثورة أكتوبر في دارفور ونشأة حركتين إحداهما سياسية هي حركة نهضة أبناء دارفور، والآخرى عسكرية هي منظمة (سوني) التي خططت لعمل عسكري ضد سلطة الخرطوم انتصارا لمطالب ذلك الاقليم. ورغم اختلاف وسائل العمل بين المنظمتين واتجاه إحداهما للعمل السياسي الجماعي وتوجُّه الأخرى نحو التمرد العسكري إلا ان الهدف المشترك بينهما كان واحداً وهو الاقتسام العادل للثروة وللسلطة وللموارد بل وكان هناك تنسيق بينهما، وقد اجتهد المؤلف في الحصول على شهادات موثقة من الأحياء من اعضاء التنظيمين تحدثوا فيها بصراحة عن ذلك النشاط ومآلاته فتوفرت معلومات جديدة تلقى أضواء كاشفة على واقع اليوم. ولذلك فإن المؤلف يصل الى نتيجة مؤادها أن الحركات المسلحة التي فجرت الحرب الأهلية الحالية في الاقليم ضد الخرطوم (كانت في بعض جوانبها تشكل امتدادا لتلك الاحتجاجية التي انتظمت دارفور) منذ ستينات القرن الماضي، مشيراً الى ان (المطالب هي نفس المطالب التي تتمحور حول العدالة والمشاركة في السلطة والثروة ومراعاة خصوصية دارفور) لكن بصورة اختلفت تماما في بعض جوانبها نتيجة لتطورات ومتغيرات ومحلية، فمرحلة الستينات كانت مرحلة الصراع الجماعي الموحد للاقليم كله لكن الحرب الأخيرة كان من عواملها الأساسية انقسام حاد داخل المجتمع الدارفوري أسهمت الخرطوم إسهاما واضحا في صناعته وفي تطوره مما أدى الى أن ينقسم الاقليم على نفسه انقساما مصنوعا إلى (زرقة) و(عرب) مع تدخلات إقليمية مؤثرة وسياسات داخلية خاطئة. وزاد من حدة الصراع تنافس حاد على موارد طبيعية شحيحة ومتناقصة وظروف طبيعية زادت حدة الجفاف والتصحر وتآكل موارد الارض والمياه. والكتاب لا يغفل هذا الجانب وآثاره الممتدة التي ادخلت الاقليم في مرحلة(حرب الكل ضد الكل) مما أدى الى تشظي الاقليم واشتداد حدة الصراعات القبلية الداخلية وتناسل الحركات المسلحة، وبلغ التشظي درجة الحرب داخل مجموعة القبائل ذات الاصول العربية وداخل القبائل ذات الاصول العربية ثم تمدد الى مرحلة الحرب القبلية بين العشائر المتصارعة داخل القبيلة الواحدة وانتشار ظاهرة (لوردات الحرب) القادرين على(تجييش) الجيوش الخاصة وتسليحها لمصالحهم الشخصية.

ميزة هذا الكتاب انه يعالج الاسباب التاريخية لهذا الصراع وتجلياتها الراهنة وتداعياتها تحت الظروف والمتغيرات والمستجدات الحالية وهو لا يعالج الجانب السياسي والقبلي فحسب بل يعالج مشكلة الارض وآثرها على الصراع القبلي ومؤسسة العرف وآليات حل النزاع بالطرق التقليدية وما اصابها وانهيار مؤسسة الحكم الاهلي وعلاقته بالصراع في دارفور ويقدم شهادات تقدم لاول مرة حول حوادث تاريخية حديثة وسيظل مرجعا هاما لكل من يبحث لحل للحرب الكارثية في دور بالتوجه نحو معالجة جذورها الحقيقية بدلا من البحث عن مسكنات ومشاريع هلامية !!

  محجوب محمد صالح

https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-300x156.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتدارفورأهداني بالامس الصديق د.يوسف تكنة كتابه الشائق (دارفور صراع السلطة والموارد)، والكتاب وثيقة هامة ويأتي في وقته تماما إذ يقدم دراسة علمية متكاملة في السياسة والاقتصاد والادارة والحكم في هذا الاقليم عبر تاريخ يمتد حتى منتصف القرن الخامس عشر، وبالتالي فهو يمثل رافدا مهما للباحثين عن أسباب هذا الصراع...صحيفة اخبارية سودانية