لن ينقطع الحديث عن الفساد الذي أخذ يتسيد الساحة، وما دامت هذه الصفحة قد انفتحت فهي ستظل مفتوحة تغذيها مستجدات الاخبار كل صباح، ولكن السؤال الاهم هو هل ينجح الكشف عنها في الحد من الظاهرة ومحاربتها بنية صادقة ام يظل تنفيساً عن البخار المكتوم؟

الفساد موجود في كل دول العالم ديمقراطية واستبدادية، لكنه يبلغ ذروته في الدول الاستبدادية لان وسائل الكشف عنه وتوفير المعلومات التي تؤدي الى حصاره والضوابط التي تمنع انتشاره كلها غائبة بغياب مبدأ المساءلة والمحاسبة، وبسبب الحماية التي يضفيها(الولاء) على أهل الولاء الذين لا يُسألون عما يفعلون، بل ويجدون المبررات عندما ينكشف الامر صدفة، وهذه هي آفة الفساد التي لخصها الزعيم الهندي الراحل في جملة واحدة صارت مثلا وحكمة يرددهاالناس دائما حين قال(السلطة مفسدة، والسلطة المفسدة تفسد فساداً مطلقاً)، فمدخل الفساد الأول هو الاستبداد لان الاستبداد يمنع المساءلة والمحاسبة ويمنع الرقابة الشرعية ويضفي حصانة غير معلنة على تصرفات أهل السلطة وعلى تصرفات أهل الولاء أياً كانت مواقعهم..

عندما تنفتح (نافذة) حرية حتى لو كانت مجرد (طاقة) صغيرة تنداح المعلومات وترتفع الاصوات المطالبة بالمحاسبة والمساءلة، ويظل الناس يطالبون بذلك الى ان يجد الاستبداد وسيلة لاغلاق تلك النافذة او الالتفاف حولها بطريقة او بأخرى، ولذلك فإن المواجهة الحقيقية للفساد لا تتوفر إلا بوجود حكم ديمقراطي راشد يفتح كافة النوافذ للرقابة المجتمعية وللصحافة الحرة ولمنظمات المجتمع المدني النشطة لتلعب دورها في تسيلط الضوء على تلك الأركان المعتمة.

الذي يحدث الآن هو (صحوة) ستظل فاعلة ما دامت هذه النافذة مفتوحة ولكن اأعاصير التي تتسرب عبر هذه النافذة سيكون لها أثرها على أهل(السطوة) وسرعان ما يبدأون هجمة(مرتدة) هدفها إغلاق النافذة التي يأتي منها ذلك(الريح) حتى يستريح المنتفعون من الفساد وحتى يستعيدوا الحماية التي افتقدوها.

الخطر الآن يتمثل في أن الداعين لمحاربة الفساد يركزون على صور الفساد التي انكشفت، وينشغلون بالارقام المتداولة في قضايا الفساد المعلنة دون ان يتعمقوا في جذور الفساد وابعاده ومناهجه واساليبه ووسائله وثقافته المتجذرة.

الفساد أصبح منظومة متكاملة، الرشوة، المحسوبية، الحصول على الوظيفة، الحصول على العطاءات، تجنيب الموال والصرف خارج الميزانية، الابتزاز، المضاربة في أراضي الدولة وإهدار أصول وممتلكات المرافق العامة؛ هذه كلها ممارسات فاسدة لا يرى الناس ارقامها بالجنيه والدولار لكنها تدر تلك الاموال واقعاً. كل مؤسسات الانضباط المالي تم حلها وازاحتها من الطريق لينفتح الباب امام الممارسات الفاسدة: ادارة المشتريات الحكومية التي تسيطر على شراء كل مشتريات الحكومة عبر عطاءات علنية وشفافة ومحكومة بقواعد انتهى عهدها ليحل محلها الشراء المباشر، النقل الميكانيكي الذي كان يضبط شراء عربات الدولة حل محله(الكرين) بكل ممارساته المعروفة، ومصلحة المخازن التي كانت تتولى مسؤولية أثاث الحكومة افسحت الطريق للشراء المباشر بملايين الجنيهات دون ضوابط، القروض الخارجية والداخلية اصبحت تتم بعيدا عن وزارة المالية وعن بنك السودان يتم تحويلها لاطراف خاصة او شركات اجنبية (الاقطان وسكر مشكور نموذجا) والامثلة كثيرة ومجالات الفساد والإفساد لا تعد ولا تحصى.

وما دام الموضوع انفتح الآن بصورة شاملة لابد من تقوية الرقابة المجتمعية عبر الإعلام ومنظمات المجتمع المدني، والاصرار على الوصول به الى نهاياته، وتعبئة الرأي العام لصالح الشفافية، وتوفير المعلومات ومحاصرة الاداء الحكومي وإعادة توجيهه، والضغط في سبيل انجاز القوانين واللوائح الضابطة للاداء وتعديل ما هو قائم منها ليواكب التطورات، وتمليك القضية للرأي العام حتى يذود عنها ويمنع اي محاولات للالتفاف حولها ضمانا لانجاز مشروع النزاهة وتحقيق العدالة وحكم القانون بحيث لا يكون هناك من هو أكبر من القانون!.

محجوب محمد صالح 

لتكن المعركة شاملة ومتواصلةhttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-300x156.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتالفسادلن ينقطع الحديث عن الفساد الذي أخذ يتسيد الساحة، وما دامت هذه الصفحة قد انفتحت فهي ستظل مفتوحة تغذيها مستجدات الاخبار كل صباح، ولكن السؤال الاهم هو هل ينجح الكشف عنها في الحد من الظاهرة ومحاربتها بنية صادقة ام يظل تنفيساً عن البخار المكتوم؟ الفساد موجود في كل دول العالم...صحيفة اخبارية سودانية