أصبح (السودان) -بشقيه الشمالي والجنوبي بنداً ثابتاً في أجندة الاتحاد الإفريقي– فالأزمة في دولة السودان والأزمة في جنوب السودان تناقش في القمم الإفريقية وعلى هامشها وعبر لجنتي وساطة رفيعتي المستوى (لجنة الإيقاد التي تتوسط في أزمة جنوب السودان ولجنة أمبيكي التي تتعامل مع أزمة السودان على مدى ست سنوات الآن) –ولكن كل ذلك الزخم الدبلوماسي لم يحدث أي اختراق يذكر في أي من الحالتين– وظلت الحرب الأهلية دائرة في دولة الجنوب مثلما هي محتدمة في دولة الشمال.

القضيتان في واقع الأمر مرتبطتان ببعضهما البعض وهما تجليات لأزمة واحدة يمكن أن نطلق عليها (الحالة السودانية) وهي حالة لازمت السودان منذ مولد دولته الحديثة كدولة موحدة ثم انقسمت إلى حالتين يوم أن انفصل الجنوب واستعصت على الحل في كلا الوضعين، فلم تكن اتفاقية نيفاشا اتفاقية سلام إنما كانت اتفاقية (هدنة) مؤقتة توقف القتال في أحد ميادينه إلى حين ينطلق من جديد.. وما كانت محالاوت لجنة أمبيكي التي تتوسط في الشمال أحسن حالاً من وساطة الإيقاد تجاه أزمة جنوب السودان، وقد توصلت الإيقاد في آخر محاولاتها إلى اتفاقية مبدئية لم تتعرض لجذور الأزمة ولم تتطرق إلى التفاصيل التي يكمن فيها الشيطان فأرجات التعامل مع التفاصيل الخلافية إلى جولة مفاوضات أخرى آخر هذا الشهر، ورغم أنها حددت موعد البداية وموعد النهاية لتلك المفاوضات (الخامس من مارس القادم) فليس في الجو ما يوحي بإمكانية إحداث اختراق في أو قبل ذلك الموعد.

بعد طول مفاوضات توصل الطرفان في أزمة الجنوب إلى اتفاق مبدئي لا يخاطب أساس المشكلة فهو لا يعدو أن يكون تكرارا لوعد سابق بوقف العدائيات لم يتحقق رغم توقيع ست اتفاقيات سابقة بشأنه مع اتفاق جديد على قبول تشكيل حكومة وحدة وطنية تقود دولة الجنوب لفترة انتقالية محدودة دون الاتفاق على تفاصيل صلاحياتها وتركيبتها. والأمر الذي يلفت النظر هو تشابه تجليات الأزمة السياسية في دولتي السودان وجنوب السودان مع الفارق في الدرجة، فالأوضاع في كلا البلدين تعكس ملامح متشابهة والحلول المطروحة أكثر تشابها ولا غرو فهي أزمة كان يعيشها الشعبان في وطن واحد فانقسمت إلى أزمتين في الدولتين المستقلتين.

كلا البلدين يعاني من حرب أهلية في أطرافه والحل المطروح في كلا البلدين يتركز حول السلام والتحول الديمقراطي والطريق المقترح للوصول إلى تلك الغاية هو طريق الحوار بين الفرقاء المتصارعين والآلية المقترحة هي الحكومة القومية والفترة الانتقالية والتوافق على دستور جديد ليقوم على قاعده المساواة والحرية والمشاركة الجماعية في صناعة القرار. تلك هي (الروشتة) التي يتداولها المجتمع الإقليمي والدولي لحل أزمة السودان وأزمة جنوب السودان، وفي كلا الحالتين يواجه الوسطاء التحدي الأكبر في أن الاتفاقيات المحدودة التي يتم الوصول إليها لا تجد التنفيذ.

ويتكرر نفس النموذج بالنسبة لدولة الشمال؛ فلجنة الوساطة الإفريقية تجتهد وتسعى وتدير حوارات مكثفة واتصالات مكوكية وتصل إلى اتفاق على (خريطة طريق) وتحصل على التزام بتنفيذها فتتبخر الوعود وتنتهك المواثيق ويظل الصراع محتدما والحرب متواصلة ومتصاعدة.

ويبدو أن اتفاقية نيفاشا تظل مرجعية غير معلنة لكل الوسطاء يحاولون إعادة استنساخ تجربتها دون أن يفطنوا إلى أن اتفاقية نيفاشا لم تكن اتفاقية سلام شامل وإنما كانت اتفاقية (هدنة) مؤقتة فأدت لانفصال الجنوب، ولكنها لم تحقق سلاماً ولم تحدث نقلة نوعية في العلاقات ولم توقف الحرب في دارفور، ونحن نرى الإيقاد تترسم خطى (نيفاشا) في مشروعها لحل أزمة الجنوب كما نشتم رائحة (نيفاشا) في أطروحات لجنة أمبيكي، فالإيقاد تسعى لحل أزمة الجنوب عبر اقتسام للسلطة بنسب مئوية تجير تسعين في المائة من السلطة للمتحاربين في الميدان (حكومة سلفاكير ومجموعة ريك مشار) وتهمش الآخرين وتحدد فترة انتقالية محددة ليست مرتبطة بتحقيق أهداف سياسية واقتصادية واضحة وتنتهي بانتخابات تحت ظروف صعبة.

هذا النموذج يفترض أن الطرف الماسك بزمام السلطة راغب في إشراك الآخرين مشاركة حقيقية، وهو افتراض أثبتت تجربة نيفاشا أنه مجرد وهم وأن الممسكين بالسلطة في الشمال وفي الجنوب ليسوا على استعداد للتخلي عنها أو إشراك الآخرين فيها وغاية ما يتطلعون إليه أو هم على استعداد لقبوله هو استيعاب الآخرين على هامش السلطة، وهو أمر مرفوض من الطرف الآخر؛ ولذلك لا تتوفر إرادة سياسية لإنجاز الحل التفاوضي الذي يخلق شراكة حقيقية قائمة على المساواة الكاملة.

تحت هذه الظروف لا نتوقع اختراقاً يقود لحل الأزمة هنا أو هناك وستظل المفاوضات مجرد تمرين في العلاقات العامة يجد فيه الاتحاد الإفريقي فرصة لإثبات أنه على الأقل يحاول أن يقوم بدور إيجابى في حل أزمات القارة!

محجوب محمد صالح

الحالة السودانية تستعصي على الحل التفاوضيhttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-300x156.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/03/محجوب-22-copy-95x95.jpgالطريقأصوات وأصداءالأزمة السياسية في السودان,جنوب السودانأصبح (السودان) -بشقيه الشمالي والجنوبي بنداً ثابتاً في أجندة الاتحاد الإفريقي– فالأزمة في دولة السودان والأزمة في جنوب السودان تناقش في القمم الإفريقية وعلى هامشها وعبر لجنتي وساطة رفيعتي المستوى (لجنة الإيقاد التي تتوسط في أزمة جنوب السودان ولجنة أمبيكي التي تتعامل مع أزمة السودان على مدى ست سنوات...صحيفة اخبارية سودانية