القرار الذي اتخذته مصر برفض المشاركة في اجتماع دول حوض النيل الشرقي قرار خطير ينذر بتداعيات تضع المنطقة على حافة هاوية حرب المياه، لأن اي قرارات تصدر عن مثل ذلك الاجتماع لن تعترف بها مصر وستضعها في مواجهة مع بقية دول حوض النيل الشرقي ـ و”النيل الشرقي” مصطلح يشير الى النيل الازرق تحديدا والمياه الخارجة من اثيوبيا حصريا سواء خرجت عبر النيل الأزرق او عبر نهر السوباط الذي يصب في النيل الابيض، وفي كلا الحالين فان مصدر المياه هو اثيوبيا ودولة المصب هي مصر ودولة المعبر هي السودان الذي يمر به النيل الازرق ودولة جنوب السودان التي يأتيها نهر السوباط من اثيوبيا، اما بقية دول الحوض فهي معنية بالنيل الاستوائي القادم من بحيرة فكتوريا والصراع يدور حقيقة حول النيل الازرق وسد النهضة ـ  وقد حذرت مصر دول الحوض بانها لن تتهاون في حقوقها المكتسبة لان حرمان مصر مما يصلها من مياه يعني تهديد أمنها وحياتها وحياة سكانها. وقد شهد الموقف المصري تغييرا جذريا فبعد ان كانت مصر تصر على كامل حقوقها فهي الآن تقول انها لا تعارض في ان تقوم اي دولة من دول الحوض بتنمية مواردها النيلية واقامة مشروعاتها في هذا الصدد شريطة الا تلحق تلك المشروعات ضررا بالغا بها. لكن مصر ترى ان سد النهضة بمواصفاته الحالية وبحجمه الحالي يشكل خطرا حقيقيا عليها، وترى – ايضا ـ ان الدراسات التفصيلية للسد غائبة وهو اتهام ايدته اللجنة الفنية المشتركة التي شارك في عضويتها اربعة خبراء عالميون محايدون، ومصر لا ترفض مبدأ قيام سد في اثيوبيا يحقق مطلب اثيوبيا في التوليد المائي شريطة ان لا يكون بالحجم الذي يؤثر سلبا على مصر او يلحق بها ضررا بالغا.

وقد كان المأمول ان تنجح الاجتماعات المتواصلة لدول الحوض في الوصول لاتفاق لتجاوز هذه الأزمة خاصة وقد أقرت اثيوبيا بأن الدراسات غير متكاملة وقواعد وأسس تشغيل السد والنماذج العلمية لتأثيراته بل الدراسات المؤكدة لسلامة السد غير متكاملة مما يعني ان الأمر يحتاج لمزيد من الجهد العلمي حتى تكون سلامة السد مضمونة ونتائجه محسوبة بدقة. اثيوبيا تقترح لجنة من الخبراء الاثيوبيين والمصريين والسودانيين لمراجعة وإكمال الدراسات والوصول الى نتائج علمية ذات مصداقية توضح كافة الآثار المترتبة على السد، وهي ترى من المناقشات السابقة ان حجم السد ينبغي ان يكون اصغر حتى يكون تأثيراته على مصر في الحد المقبول، لكن المشكلة ان اثيوبيا مصرة على ان تكون هذه اللجنة الفنية المشتركة سودانية مصرية اثيوبية بحتة بينما ترى مصر أن تضم اللجنة خبراء دوليين واثيوبيا ترفض ذلك تماما وهو ما يثير شكوك مصر ويزيدها تمسكا بموقفها.

في حسابات مصر ان السودان أعلن في وقت مبكر انحيازه التام للمشروع الإثيوبي وهذا يعني ان مصر أصبحت معزولة بتحالف دولتين من هذا الثالوث ضدها، وقد سبق ان نبهنا الى ان السودان كان يمكن ان يكون حكما لو لم يعلن ذلك الانحياز الكامل للموقف الاثيوبي الا أنه تخلى طوعاً عن هذه الميزة.

الآن مصر ترفض المشاركة في الاجتماع المرتقب لدول الحوض، وترفض الاعتراف بشرعية اي قرارات تصدر في غيبتها لأن العرف جرى على ان تصدر القرارات بالاجماع وفي حضور كل دول الحوض الشرقي، وبغياب مصر تفتقد القرارات التي تتخذ الشرعية بالنسبة لها. ويأتي هذا القرار متسقا مع قرار سابق اتخذته مصر عند نظر الاتفاقية الاطارية لدول الحوض كله والمعروفة بـ”اتفاقية عنتبي” وهي قد قبلت الاجتماعات الثلاثية الاثيوبية السودانية المصرية كعمل خارج اطار هذه الاتفاقية، وبرفضها المشاركة في اجتماعات دول الحوض الشرقي تكون قد اتخذت موقفا منفردا داخل هذه الدول وفي مواجهة واضحة مع اثيوبيا، ولذلك حرص بيان وزارة الري المصرية ان يكرر انهم مازالوا يرغبون في تقرير بناء الثقة والتعاون والتفاهم المتبادل بين دول الحوض حتى يتركوا الباب مفتوحاً.

السودان في هذه المرحلة يتحمل مسؤولية خاصة بان يسعى بين البلدين لإجتياز هذه الأزمة قبل أن تتصلب المواقف رغم انه بتسرعه السابق قد أضعف موقفه كوسيط.

محجوب محمد صالح

https://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/محجوب-21.jpg?fit=300%2C148&ssl=1https://i2.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/محجوب-21.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقآراء وتحليلاتآراء,تحليلات,علاقات خارجية,مياه النيلالقرار الذي اتخذته مصر برفض المشاركة في اجتماع دول حوض النيل الشرقي قرار خطير ينذر بتداعيات تضع المنطقة على حافة هاوية حرب المياه، لأن اي قرارات تصدر عن مثل ذلك الاجتماع لن تعترف بها مصر وستضعها في مواجهة مع بقية دول حوض النيل الشرقي ـ و'النيل الشرقي' مصطلح يشير...اخبار السودان , صحيفة الطريق السودانية