لم يمض علي قرارات الرئيس السوداني بإطلاق الحريات السياسية والصحفية بضعة أسابيع حتي عادت السلطات الأمنية إلي فرض القيود مجدداً علي العمل الصحفي والإعلامي، وواجهت الصحف أنوعا جديدة من القيود.

 ففي أعقاب  موجة من التناول الصحفي لقضايا الفساد في المؤسسات الحكومية السودانية اتجهت الأجهزة الأمنية إلي تقييد العمل الصحفي من خلال تكييف قانوني هذه المرة باللجوء إلي قانون الصحافة والمطبوعات وإستصدار قرارات  بحظر النشر والتناول الصحفي في عديد من قضايا الفساد والانتهاكات.

 وصدر خلال الشهر الجاري أكثر من خمس قرارت بمنع النشر في قضايا مهمة تناولتها الصحف السودانية.

وحظرت نيابة أمن الدولة – بواسطة مجلس الصحافة والمطبوعات- النشر في قضية اعتقال رئيس حزب الأمة القومي، الصادق المهدي، الذي تم اعتقاله في السابع عشر من مايو الجاري، علي خلفية انتقاده للمليشيا الحكومية المسماه رسمياً بـ (قوات الدعم السريع) والمعروفة شعبياً بالجنجويد. واتهم المهدي تلك المليشيا بإرتكاب فظائع وانتهاكات في إقليم دارفور المضطرب، غربي السودان.

 وأمر رئيس نيابة أمن الدولة، ياسر أحمد محمد، بحظر النشر والتناول الإعلامي في ” البلاغ الجنائي رقم (2402 – 2014م) المتهم فيه الصادق المهدي، حتى نهاية التحريات الجنائية تحقيقاً لمبدأ عدم التأثير أو الإضرار بسير العدالة إنفاذاً لمقتضيات المادة : 26/ 1/ ج/هـ/ من قانون الصحافة والمطبوعات الصحفية لسنة 2009م” – بحسب التعميم الصحفي.

وتلقت صحف سودانية، أمراً بحظر النشر والتعليق في قضية وكيل وزارة العدل ضد صحيفة (الصيحة) التي نشرت تقارير بإمتلاك وكيل الوزارة  لمجموعة عقارات بالعاصمة السودانية الخرطوم يفوق سعرها الـ(30) مليار جنيه سوداني إبان توليه منصب مدير عام الأراضي في السودان.

وعمم المجلس القومي للصحافة والمطبوعات،على الصحف، أمرا بحظر النشر في القضية مرفقا مع قرار نيابة الصحافة والمطبوعات الممهور بتوقيع وكيل اول النيابة، عوض بله عمر.

وتلقت صحف، مطلع الشهر الجاري، أمراً بحظر النشر والتعليق في قضية الفساد و الإختلاسات الشهيرة بمكتب والي ولاية الخرطوم، ممهور بتوقيع المستشار القانوني للمجلس القومي للصحافة والمطبوعات الصحفية، محمود مهدي أحمد.

وحظرت السلطات، في وقت سابق، النشر ومنعت التداول الإعلامي في قضية القمح الفاسد، وقد اتهمت في القضية شركة البرير.

وتصل معظم أوامر حظر النشر للصحف عن طريق المجلس القومي للصحافة والمطبوعات والمطبوعات الصحيفة، وهو هيئة حكومية تعمل تحت إشراف رئاسة الجمهورية، ومخوّلة له  بموجب قانون الصحافة والمطبوعات صلاحيات وسلطات واسعة تصل لحد توقيف الصحف، ويتم تعيين (8) من أعضاء المجلس – بينهم الأمين العام – بواسطة الرئيس، وللمجلس سلطة إشرافية علي الصحف والمطبوعات الصحفية في السودان، وهو الجهة المسئولة عن إصدار تراخيص الصحف.

وتم تعليق صدور صحيفة يومية علي خلفية تناول قضية فساد تم حظر النشر فيها بواسطة السلطات.

ولجأت السلطات في جميع قرارات حظر النشر لإستخدام  المادة (26/ 1/ ج/هـ/) من قانون الصحافة والمطبوعات الصحفية لسنة 2009م، الذي يقنن حظر النشر في القضايا قيد النظر والتحقيق القانوني.

وتنص المادة (26/ 1 / ج / هـ) – المعنونة بواجبات الصحفي – علي، ”  … (1) فضلاً عن أي التزامات أخرى في أي قانون آخر على الصحفي الإلتزام بالآتي : (ج ) عدم التأثير أو الإضرار بسير العدالة عند نقل وقائع جلسات المحاكم أو التحريات أو التحقيقات التي تجريها الشرطة أو النيابة ، (هـ) ألا يعلق على التحريات أو التحقيقات أو المحاكمات إلا بعد الفصل فيها بصفة نهائية،… “.

وينتقد صحافيون وقانونيون في السودان، قانون الصحافة  والمطبوعات الذي يبيح حظر النشر، ويعتبرونه منتهكاً للحق في حرية النشر وتداول المعلومات.

ويقول صحافيون، ان قرارت حظر النشر الأخيرة أصبحت تستخدم بشكل رقابي اكثر من الحق القانوني المتعلق بالتأثير علي سير التحقيقات.

ويري عضو اللجنة التنفيذية لشبكة الصحفيين السودانيين، حسن فاروق، ” ان قرارات حظر النشر تأتي في سياق وضع مزيد من القيود علي العملية الصحفية في السودان”، ويقول، ” لم تتاح حرية صحافة أساساً حتي يتم منعها”.

وأضاف فاروق، ” ان  الرقابة علي الصحف لم تتوقف حتي الآن،  وتوجد رقابة داخلية بواسطة رؤساء التحرير، … والتدخلات الأمنية في العمل الصحفي لم تنتهي”، وأشار” إلي ان حتي قضايا الفساد التي تناولتها الصحف ليست مؤشر لحرية الصحافة وإنما تأتي في سياق تصفية الحسابات بين أطراف في النظام”،

 وأشار حسن خلال تعليقه لـ(الطريق) إلي ان ” الصحف التي ظهرت في الفترات الأخيرة  تتبع للنظام بشكل او بآخر  وليس مستقلة وهي لاتمثل الصحافة السودانية الحقيقية  لأن هذه الصحف صدرت في ظروف استثنائية وقياداتها جزء من النظام وينفذون مخططاته”- بحسب فاروق.

 وانتقد  فاروق الوعود الحكومية التي لم يتم تنفيذها علي أرض الواقع، وقال، ” حتي هامش الحريات الذي وضعه النظام وقدمه في شكل وعود سياسية لم ينفذ علي ارض الواقع،  وفضح بزيادة القيود علي العملية الصحفية بقرارت حظر النشر، وتعليق صدور الصحف ، ومنع الكتاب من العمل”.

من جانبه، اعتبر رئيس اتحاد الصحفيين السودانيين، محي الدين تيتاوي،” ان القضايا التي جري فيها حظر نشر  تتعلق بسير العدالة وليس لإخفاء معلومات”، وقال، ” هذا أمر طبيعي ومعمول به منذ زمن طويل  خاصة اذا كان الموضوع محل تحقيق لدي السلطات القانونية  وان النشر قد يضر بسير التحقيقات”- بحسب تيتاوي.

وأضاف تيتاوي في حديثه لـ(الطريق)، ” انه يمكن  تناول هذه القضايا اذا صدر فيها حكم قضائي”.

في سياق متصل، يري الخبير القانوني، المعز حضرة، ان ” النيابة تستخدم قرارات حظر النشر بشكل تعسفي، وانه ليس من سلطات النيابة إصدار مثل هذه القرارات”.

وأبان حضرة، في تصريح لـ(الطريق)، ” ان اغلب القضايا التي تم فيها حظر النشر هي قضايا عامة ويحق للشعب السوداني ان يطلع عليها  وهي في الحق العام،  ولاتؤثر علي سير القضية”، وزاد، “النيابة تستخدم حق لاتملكه”.

فيما يقول الناشط الحقوقي، عمرو كمال، ” ان قرارات حظر النشر  عبر النيابة  تتعارض مع الدستور، وهي غير قانونية،  وان القضايا التي يمكن فيها منع النشر تتم عبر المحكمة وليس النيابة، وغالبا ما يتم الأمر في القضايا المتعلقة بالامن القومي،  وليس القضايا التي تتعلق بالفساد، أو الانتهاكات”- بحسب عمرو الذي اعتبر ان، ” قرارات حظر النشر احدي وسائل التعتيم، والتضييق علي الصحف”.

ومهد الطريق لقرارات حظر النشر الأخيرة وإعادة فرض القيود علي الصحافة – بحسب صحافيون – بيان صادر عن رئاسة الجمهورية ، الاسبوع الماضي، ينتقد – بلهجة حادة – الأداء الصحفي.

ووصف البيان الرئاسي، التغطيات الصحفية للشئون العسكرية والأمنية والعدلية بـ ” السالبة والهادمة”. الأمر الذي اعتبره الصحافيون في السودان بمثابة الضوء الاخضر لفرض المزيد من القيود علي عملهم.

وتعاني وسائل الإعلام السودانية من تدخل الأجهزة الأمنية  والسلطات الحكومية في عملها، وتقييد حرية الصحفيين، وفرض الرقابة علي وسائل الإعلام.

ويصل التقييد المفروض علي الصحافة السودانية إلي حد فرض ” اسلوب تناول” محدد، ووجه المجلس القومي للصحافة والمطبوعات – الشهر الماضي – الصحف بإطلاق وصف “شهيد” علي قتلي الجانب الحكومي في المعارك الدائرة بين حكومة السودان ومتمردين.

وانخفضت نسبة توزيع الصحف اليومية من (507) الف نسخة في العام 2010 الى (345) الف نسخة في العام 2013 وسجلت تراجع بنسبة (32%)، بسبب القيود المفروضة علي العمل الصحفي وتقييد حرية الصحافة.

ويصنف المؤشر العالمي لحرية الصحافة، الذي أصدرته مراسلون بلا حدود هذا العام،  السودان ضمن أكثر الدول الضالعة في انتهاكات حرية الصحافة، ويضع المؤشر السودان في المرتبة (172) من جملة (180) دولة.

تقارير الطريق

قرارات حظر النشر .. قيود جديدة علي الصحف السودانية https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/DSC01887-300x187.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/DSC01887-95x95.jpgالطريقتقاريرحرية صحافةلم يمض علي قرارات الرئيس السوداني بإطلاق الحريات السياسية والصحفية بضعة أسابيع حتي عادت السلطات الأمنية إلي فرض القيود مجدداً علي العمل الصحفي والإعلامي، وواجهت الصحف أنوعا جديدة من القيود.  ففي أعقاب  موجة من التناول الصحفي لقضايا الفساد في المؤسسات الحكومية السودانية اتجهت الأجهزة الأمنية إلي تقييد العمل الصحفي من...صحيفة اخبارية سودانية