بدايةً من خمسينيات وستينيات القرن العشرين، كانت ليالي العاصمة السودانية الخرطوم، تحفل بالموسيقى الحديثة، وعلى رأسها موسيقى الجاز. لتبرز بصورة لافتة فرقة جاز الديوم، والتي أسسها الموسيقي والمغني الراحل، عمر عبده، في عام 1965، بعد أن انشق عن فرقة جاز النسور، وبلغت فرقته أوجها في عقد السبعينات المنصرم.

كان النمط الشائع، وسط فرق الموسيقى الحديثة آنذاك، هو أداء الأغاني باللغة الانجليزية، وترديد أغنيات مغني الريغي الشهير، بوب مارلي، لكن فرقة جاز الديوم قدمت نفسها باللغات المحلية، بينها العربية ولغة الهوسا، ما جذب، إليها جمهوراً واسعاً، ما يزال يرافقها على مدى أكثر من خمسة عقود، حسبما يقول المسؤول الإعلامي للفرقة، فائز رمضان لـ(الطريق).

ويضيف: بدأت إرهاصات نشوء الفرق الموسيقية بالخرطوم، مع “مزيكا حسب الله”،  بمنطقة الديوم، جنوبي وسط الخرطوم، ولم يكد يمر وقت طويل على ذلك، حتى نشأت العديد من فرق موسيقى الجاز، بالتزامن، مثل فرقة جاز  العقارب وجاز عطبرة وجاز كادقلي وأضواء بحري، وظهور بعض الموسيقيين الشهيرين، مثل وليم أندريا، شرحبيل أحمد، صلاح براون، كمال كيلا، الجيلاني الواثق.

“في ستينيات القرن الماضي، كانت موسيقى الجاز سائدة عالمياً، ووجدت مكانة مرموقة في المجتمعات السودانية، ليبرز الكثيرون من رواد هذا الفن، مكونين مجموعات تُعنى بهذه الموسيقى.. شهدت منطقة الديوم بالخرطوم، ميلاد عدد من الفرق، والتي كانت أولاها، فرقة جاز النسور”. يقول الناقد الفني، محمد الأقرع لـ(الطريق). ويضيف: تعاطى الفنانون السودانيون مع موسيقى الجاز بشكل مختلف، فهم رأوا أنها تعزز الانتماء الافريقي، لذا كان قسماً كبيراً من أغنيات فرقة جاز الديوم، يتكون من نسق لغات وتراث غرب افريقيا، اللغة العربية هي الأخرى كانت حاضرة بكلمات بسيطة التركيب وعميقة المعنى. كما أن جاز الديوم قامت بإعادة توزيع بعض أغنيات الحقيبة، ما أضاف لها مزيداً من الجمهور، الأمر الذي جعلها تحتل كل المسارح، بما فيها بيوت الأعراس.

ويرى الأقرع أن فرقة جاز الديوم تؤدي أنماطاً عديدة من الفنون، فهي تقدم موسيقى بحتة، وفي الوقت نفسه تغني بطريقة الارتجال اللحظي للكلمات، وتقديم رقصات استعراضية كاملة الدسم وفقاً لتعبيره.

ويضيف، أن سبب انحسار الفرقة لفترات، يعود لوفاة مؤسسها، عمر عبده، باكراً، رغم عودتها للأضواء مجددا وبوجوه شابة، إلا أنها تواجه تحديات صعبة، لتعود إلى سابق عهدها.

“موسيقى الجاز مرتبطة بشكل مباشر بحياة المجتمعات، انطلاق هذه الموسيقى ورواجها سابقاً يعود إلى موجة التحرر ومناخات الحرية والبحث عن الذات والهوية التي عاشها العالم في تلك الفترة، والسودان كان جزءاً من ذلك الحراك بالطبع. أما الوضع الآن، فمستكين جداً ومستسلم تماماً، لذلك محاولة إحياء الموسيقى المعروفة بتمردها وثوريتها قد يواجه عراقيل عدة”، يقول الأقرع.

وضمت فرقة جاز الديوم أعضاءً مميزين، مثل إبراهيم حسين، المايسترو الحالي للفرقة، بجانب أحمد عبد القادر (دردق)، والسر عبد المعبود، وغيرهم من أبناء الديوم، والذين كانوا الداعم الأكبر للفرقة حتى نالت نجوميتها اللامعة، يضيف الأقرع.

في فبراير 1983، لقي أفراد فرقة جاز الديوم، حتفهم في حادث سير، بمن فيهم المؤسس عمر عبده، باستثناء مايسترو الفرقة الحالي إبراهيم حسين. وبعد سنوات معدودة من تلك الحادثة، وقعت حادثة أخرى للفرقة، ولكنها كانت ذات طابع آخر، إذ تعرض تراثهم الغنائي في الإذاعة والتلفزيون، إلى التلف والإبادة في الفترة، التي شهدت تطرفاً حاداً تجاه الموسيقى والفنون للحكومة الحالية، للدرجة التي لم يعد فيها صوت عبده موجودا في الإذاعة والتلفزيون بالمرة، فقط تحفظه ذاكرة إبراهيم حسين والجيل القديم، من متابعي الفرقة.

وتمتلك الفرقة حالياً أكثر من 85 عملاً فنياً، إذ يعمل مديرها، جمال دينق، على تسجيلها وتنويتها، حفظاً لتراث الفرقة للأجيال القادمة.  ومن أشهر أغنيات جاز الديوم، حاجة كولن كولن، ساكن قصاد الدار، براي براي يا خلة، يا عذابي، سلامي، ضوء البيادر، حبيب العمر، يا أسمر، قابلتها،  سلاني، ما نسونا. وهو ما يراه رمضان إرثاً موسيقياً وثقافياً هائلاً، يتوجب الحفاظ عليه.

ويضيف: أن الفرقة تمثل مجتمع الديوم والعاصمة، بامتياز، وهي غير محصورة، على إثنية معينة، والآن بها عضو إثيوبي الجنسية، بالإضافة إلى أنها جزء من اتحاد موسيقى الجاز، الذي يرأسه موسيقي الجاز المعروف، صلاح براون. فضلاً عن كونها مدرسة مفتوحة لتعلم الموسيقى، ومقرها نادي الديم وسط بالخرطوم.

وتحي الفرقة الحفلات العامة والخاصة، كان آخرها، حفل ختام معرض الخرطوم الدولي للكتاب، نهاية اكتوبر الماضي.

تقارير الطريق

https://i0.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2016/11/image-4.jpg?fit=300%2C225&ssl=1https://i0.wp.com/www.altareeq.info/wp-content/uploads/2016/11/image-4.jpg?resize=95%2C95&ssl=1الطريقMain Sliderثقافة وفنونثقافةبدايةً من خمسينيات وستينيات القرن العشرين، كانت ليالي العاصمة السودانية الخرطوم، تحفل بالموسيقى الحديثة، وعلى رأسها موسيقى الجاز. لتبرز بصورة لافتة فرقة جاز الديوم، والتي أسسها الموسيقي والمغني الراحل، عمر عبده، في عام 1965، بعد أن انشق عن فرقة جاز النسور، وبلغت فرقته أوجها في عقد السبعينات المنصرم. كان النمط...صحيفة اخبارية سودانية