الظاهرة الاكثر وضوحاً في مؤتمرات حزب المؤتمر الوطني الأخيرة كانت هي ظهور القبلية بشكل سافر وواضح وراء الصراع السياسي التنافسي على الترشيح للمواقع التنفيذية الاولى في الولاية (منصب الوالي)- ولقد بلغت حدة الصراع القبلي داخل الحزب درجة من الحدة اقتضت ان يتصدى لها بقوة نائب رئيس الحزب فشجب ما حدث في جنوب دارفور مثلا في خطاب علني منشور ومذاع.

غير أن هذه الظاهرة لم تكن مستغربة فالاستراتيجية التى اعتمدها الحزب الحاكم لإدارة الشأن العام تجعل هذه الظاهرة نتيجة طبيعية لأن الاستراتيجية اعتمدت المحاصصة القبلية اساسا لتوزيع المناصب وللحراك الداخلي وسيست المواقع القيادية في القبيلة لمصلحة الحزب- فكانت النتيجة أن الصراع السياسي اخذ منحى قبليا بل والحروب وحركات التمرد اخذت ايضا طابعا قبليا كرد فعل لتلك السياسات- وهذا هو مكمن الخطر الذي يهدد وحدة البلاد.

القبلية امر طبيعي في اي بلد لم تكتمل فيه مشروعات الاندماج الوطني وهي حقيقة معاشة ولا يمكن تجاوزها بانكارها او رفضها ولكن الاعتراف بها كهوية صغرى موجودة على الأرض وفاعلة اجتماعياً لابد ان يوازيه استيعابها في اطار الهوية الاكبر وتذويب حدتها في اطار التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي عبر آليات مجتمعية اكثر نجاعة- وفي السودان افرز المجتمع آلياته التي تحتوي القبلية بطريقة سلسة سواء كان ذلك في الطوائف الدينية العابرة للقبائل او المؤسسات الحزبية التي تحشد القبائل على اختلافها في وعاء سياسي جامع- وعندما اغلقت الانقاذ والانظمة الشمولية التي سبقتها المسار الطائفي والحزب ارتد الناس الى هويتهم الاصغر القبيلة ولجأت الحكومة من جانبها الى الوعاء القبلي وجعلته مرتكزا لحراكها السياسي والمجتمعي ومدخلاً للمحاصصة في اقتسام الثروة والسلطة الأمر الذي يفتح شهية المتنافسين داخل القبيلة من ناحية والمنافسين لهم من القبائل الأخرى داخل الولاية ويغري بالمطالبة بتقسيم الولايات على اساس قبلي كما يحدث الآن وسيقود ذلك في نهاية المطاف الى تفتيت السودان !

غياب التعددية السياسية وغياب الاحزاب ومحاصرة حركتها وتواصلها مع قواعدها يجعل القبيلة تنفرد بالساحة وتظل هي الوعاء الجامع الوحيد المتاح ومن الطبيعي ان يتصاعد نشاطه داخل الحزب الحاكم كما عبر عن ذلك نائب رئيس المؤتمر الوطني إبراهيم غندور الذي رأى هذه الظاهرة متفشية في العديد من المؤتمرات التي شهدها ولكنها بلغت ذروتها في نيالا وستكون لها تداعياتها في الأيام القادمة عند ما تشتد المنافسة الانتخابية داخل الحزب- وهذا هو الثمن الذي سيدفعه الحزب وسيدفعه السودان بسبب السياسات الخاطئة التي تبناها وشجعها الحزب الحاكم ثم عاد بآخره ليشكو منها.

نحن ندرك ان القبيلة حقيقة موضوعية وقائمة في السودان ولا يمكن الغاؤها بقرار ولا يمكن تجاوزها ولكن يمكن استيعابها في اطار التطور المجتمعي وتوظيفها توظيفا اجتماعيا راشدا وقد ظلت الاحزاب السودانية قبل وبعد الاستغلال تتعامل معها على هذا الاساس والحركة الوطنية منذ نشأتها تعاملت معها على هذا الاساس متجاوزة القواعد التي ارساها الاستعمار بتوظيفها سياسيا في اطار سياسة (الحكم غير المباشر) التي انتهجها فواجهت تلك الاحزاب الوضع القبلي بمحاولة تذويبه في الكيانات الاكبر لكن الانقاذ منذ بدايتها اعتمدتها بديلا للاحزاب السياسية وللطوائف الدينية وما يحدث الآن هو نتيجة طبيعية لهذه السياسة.

محجوب محمد صالح 

سياسات الانقاذ شجعت على هذا الصراع القبليhttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/محجوب-21-300x148.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/محجوب-21-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتالعنف الاهليالظاهرة الاكثر وضوحاً في مؤتمرات حزب المؤتمر الوطني الأخيرة كانت هي ظهور القبلية بشكل سافر وواضح وراء الصراع السياسي التنافسي على الترشيح للمواقع التنفيذية الاولى في الولاية (منصب الوالي)- ولقد بلغت حدة الصراع القبلي داخل الحزب درجة من الحدة اقتضت ان يتصدى لها بقوة نائب رئيس الحزب فشجب ما...صحيفة اخبارية سودانية